تنعقد القمة العربية في بيروت في ظل ظروف بالغة الخطورة والدقة والتعقيد سواء على المستوى العالمي أو الاقليمي أو العربي، الأمر الذي يتطلب قراءة موضوعية دقيقة للواقع القائم لأن هذه القراءة تتيح الفرصة للتوصل الى الآليات والوسائل الملائمة للتعامل معه والقراءة الموضوعية لهذا الواقع تشير الى ما يلي: أولا ـ حقيقة أهداف السياسة الشارونية في الأراضي الفلسطينية: يمكن القول بأن جوهر السياسة التي يتبعها شارون في الأراضي الفلسطينية هو القضاء على المقومات القائمة لاعلان الدولة الفلسطينية، بما يؤدي الى استحالة ظهور هذه الدولة، أو ظهورها بشكل مشوه، يتوافق مع الرؤية الاسرائيلية لهذه الدولة، ومن ثم فغير صحيح ان شارون يستهدف القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية التي تعد بمثابة أحد عناصر هذه الدولة، بل ان ما يريده هو القضاء على العناصر الثلاث المكونة لأي دولة وهي السلطة والاقليم والشعب، وأن كان ما يبدو على السطح هو تركيزه على السلطة الوطنية وعلى الرئيس ياسر عرفات واظهارهما في موقع العنف وعدم القدرة على الفعل والتأثير، الا ان تحليل ما يحدث على الأرض يوضح ان ما يبذل من أجل تفتيت الأراضي الفلسطينية وتحويلها الى كنتونات تحيط بها المستوطنات من كل جانب يؤكد ان هدف شارون هو القضاء على الاقليم أو الأرض الفلسطينية بوصفها أحد عناصر الدولة الفلسطينية، كما ان ما يقوم به الجيش الاسرائيلي من قتل منظم لاعداد كبيرة من الفلسطينيين أو اعتقالهم أو تشريدهم بهدم منازلهم وتخريبها، وتجريف مزارعهم ونهب متاجرهم، بالاضافة الى فرض الحصار شبه الكامل على حركتهم اليومية الطبيعية، الأمر الذي يجعل الحياة في ظل هذه الظروف شبه مستحيلة وهذا كله انما يستهدف تفريغ الأراضي الفلسطينية من الفلسطينيين، وذلك من خلال دفعهم الى ترك ديارهم وأراضيهم ووطنهم والفرار الى أي مكان آخر طلبا للنجاة من هذا الجحيم الذي يعيشون فيه، وبذلك يحاول شارون ان يخلق واقعا جديدا على الأرض يرى أنه الوضع الملائم لتحقيق الاستراتيجية الاسرائيلية في ابتلاع الأراضي الفلسطينية وتفريغ الأرض من سكانها وبالتالي القضاء على فكرة أو المطلب الشرعي باقامة الدولة الفلسطينية، لأنه عندما يتحقق ذلك لا تتوافر المقومات اللازمة لاعلان هذه الدولة . ومن ثم فلابد ان يكون هذا واضحا أمام القمة العربية، لأنه اذا تحقق فانه سيؤدي الى نتائج خطيرة على المستوى العربي، فالى أين سيتجه هؤلاء الفلسطينيون الفارون من جحيم شارون وجنوده وهل توجد دولة أو دول عربية يمكنها استيعاب أعدادا جديدة من اللاجئين الفلسطينيين ؟ وما هي النتائج المترتبة على القضاء على حلم اقامة الدولة الفلسطينية فلسطينيا وعربيا ؟ أن هذه الأمور المعقدة تستلزم التوصل الى آليات ووسائل ملائمة لافشال هذا المخطط الشاروني، من خلال توفير الدعم الملائم للحفاظ على مقومات اقامة الدولة الفلسطينية، وأحد جوانب التحرك العربي المطلوب في هذا الشأن يتمثل في ابراز حقيقة أهداف سياسة شارون والمخاطر الناجمة عنها الى القوى الدولية المعنية والى الرأي العام العالمي، وذلك من أجل توفير المساندة الدولية اللازمة لتوفير القنوات الضرورية لتوصيل المساعدات العربية الى الشعب الفلسطيني والى السلطة الوطنية، باعتبار ان هذه مساعدات انسانية في الأساس للتخفيف من حدة أثار الحصار الاسرائيلي المفروض على الشعب الفلسطيني والى السلطة الوطنية، ومن ثم فعلى القادة العرب النظر الى هذه المساعدات المطلوبة على ان لها هدفا استراتيجيا الى جانب هدفها الانساني وهو افشال المخطط الشاروني بالمفهوم المتقدم، ومن ثم فاعادة الحياة الى الصناديق العربية لدعم الشعب الفلسطيني والتي تقررت في قمة القاهرة 2000 أمر ضروري خلال هذه المرحلة كما ان الدعوة الى المشاركة الدولية في تقديم هذا الدعم يساعد كثيرا في تحقيق هذا الهدف . والواقع ان التحليل المتقدم نصل من خلاله الى نتيجة مؤداها ان على القادة العرب ان ينظروا الى ما يحدث في الأراضي الفلسطينية ليس باعتباره شأنا فلسطينيا خاصا وانما هو شأن عربي عام لأن النتائج المترتبة عليه سوف تكون لها أثارها على كافة الدول العربية بغير استثناء . ثانيا ـ العلاقات العربية الأمريكية : لاشك ان العلاقات العربية الأمريكية تعد من الموضوعات المهمة التي يجب التعرض لها والتوصل بشأنها الى رؤية جديدة تتلاءم مع الواقع القائم وبداية فانه من الواضح ان الولايات المتحدة تسعى الى توجيه ضربة عسكرية ضد العراق بدعوى اسقاط نظام الرئيس صدام حسين، ومن ثم فانها تسعى الى تهيئة المسرح لتقبل مثل هذه العملية، خاصة وأن الدول العربية قد أعلنت رسميا رفضها للقيام بمثل هذه العملية، لما لها من أثار بالغة الخطورة على المنطقة العربية وعلى الشعب العراقي، ومن ثم فان السياسة الامريكية تسعى الآن الى محاولة اقناع الدول العربية بأهمية هذه العملية، سواء من خلال الحملات الاعلامية التي تبالغ في القدرات العراقية بصدد أسلحة الدمار الشامل، أو من خلال تقديم بعض الاغراءات أو الوعود أو القرارات الدولية المبهمة كالقرار رقم 1397 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في الأيام القليلة الماضية بشأن الدولة الفلسطينية، فالولايات المتحدة تتبع دبلوماسية الصفقة مع الدول العربية بمعنى ان تقوم الولايات المتحدة باتخاذ بعض الاجراءات المهدئة للعرب على الصعيد الفلسطيني مقابل ان يتفهم العرب مقاصدها من القيام بعملية عسكرية ضد العراق، وبالتالي لايعارضون هذه العملية أو على الأقل يغضون الطرف عنها. هذه السياسة الأمريكية لابد وأن تكون واضحة في أذهان القادة العرب في القمة ولابد من ايجاد أساليب ملائمة لرفضها والحيلولة دون تنفيذها لأنه لا توجد أي مبررات موضوعية للقيام بهذه العملية الا اذا كان الهدف الأمريكي منها هو توجيه الأنظار بعيدا عما يجري على الأرض الفلسطينية من مذابح وجرائم ضد الانسانية يرتكبها شارون وعصابته وبالتالي فانها توفر غطاء سياسيا لشارون هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان ضرب العراق من خلال القيام بعملية عسكرية أمريكية كبيرة وذلك وفقا للسيناريوهات المطروحة في واشنطن من شأنه ان يخلق واقعا جديدا في المنطقة سواء أدت هذه العمليات الى اسقاط النظام العراقي أو الى تقسيم العراق، وهو وضع سيؤدي الى مزيد من الضعف العربي وهو ما يصب في النهاية لصالح اسرائيل والواقع ان رفض هذه السياسة الأمريكية لا يعني الدخول في مواجهة غير متكافئة مع الولايات المتحدة وانما يعني فتح ملف العلاقات العربية الأمريكية بالكامل من أجل التعرف على الجديد في هذا الملف خاصة وأن العلاقات العربية الأمريكية لم تعد كما كانت بعد أحداث سبتمبر، فقد حدث تغير في الرؤية الأمريكية التقليدية لهذه العلاقات وهو ما أوضحته العديد من الكتابات الأمريكية في الفترة الأخيرة ولعل ما كتبه مارتن أنديك في مجلة الفورين أفيرز في عدد يناير فبراير الأخير من أوضح هذه الكتابات في هذا الشأن، فان كانت الولايات المتحدة تتبع دبلوماسية الصفقة، فمن الممكن تطوير هذه الصفقة بحيث تشمل اركانا ثلاثة : انسحاب اسرائيلي كامل من الأراضي العربية المحتلة واعلان قيام الدولة الفلسطينية . - اقامة علاقات دبلوماسية عربية اسرائيلية كاملة . - اغلاق الملف العراقي . ويتطلب هذا اتخاذ بعض الاجراءات على المستوى العربي من أهمها التوصل الى حل مرض للحالة العراقية الكويتية، فاعتذار العراق عما بدر منه بشأن الكويت وحل مشكلة المفقودين من الجانبين، واعادة الممتلكات الكويتية التي نهبت أثناء الغزو واعادة العلاقات الدبلوماسية العربية مع العراق، وطرح خطة لاعمار وتنمية المنطقة العربية بعد مسلسل الحروب الطويلة، باعتبار ان هذا هو المدخل الحقيقي لتجفيف منابع العنف والتطرف في المنطقة، كل هذه الامور تعد أمورا ضرورية لتجاوز الأوضاع القائمة، ونحن ندخلها من نطاق العلاقات العربية الأمريكية لأنها في بعض جوانبها تتلاقى مع جانب من المصالح الأمريكية في المنطقة، كتحقيق السلام ومكافحة الارهاب، وفتح مجالات الاستثمار للشركات الأمريكية في المنطقة. وتبقى في هذا الصدد مسألة عودة المفتشين الدوليين الى العراق، وهي مسألة يجب ان يتم التعامل معها من جانب العراق والدول العربية بطريقة جديدة، بالنسبة للعراق فيجب ألا يكون حساسا لعودة المفتشين، خاصة وأنه لا يوجد ما يستدعى الخوف فالعراق وفقا للمصادر العراقية ليس لديه ما يخفيه، وانما المشكلة التي يجب التركيز عليها هي ضرورة ان يكون هؤلاء المفتشون محايدون، وأن تكون هناك ضوابط محددة متفق عليها تابعة من أحكام القانون الدولي بشأن أسلوب قيامهم بعملهم، وأعتقد ان طرح هذا الموضوع بهذا الشكل يمكن ان يساعد على التوصل الى حل ملائم لهذه الأشكال التي تتذرع بها واشنطن لتوجيه ضربة عسكرية الى العراق . ثالثا ـ الرؤية العربية المشتركة للواقع الاقليمي والعالمي القائم الآن : ونقصد بها عدم فهم المتغيرات الاقليمية والعالمية القائمة الآن بشكل جزئي وفقا لمنظور كل دولة على حدة وانما بشكل كلي متكامل يشمل أثارها المتوقعة والمحتملة على المنطقة العربية بأكملها، فعلي سبيل المثال فقيام الولايات المتحدة بتوجيه .. ضربة عسكرية تسقط النظام العراقي، تعد سابقة خطيرة في المنطقة العربية من شأنها اعادة رسم خريطة المنطقة السياسية بالكامل وفقا للمصالح الاستراتيجية الأمريكية والاسرائيلية في المنطقة، خاصة وأن مراكز البحوث الأمريكية ذات الصلة بأجهزة صنع القرار الأمريكي لديها سيناريوهات جاهزة لذلك . ونفس الشئ بالنسبة لتوجيه ضربة عسكرية أمريكية الى ايران فمثل هذا الوضع يدخل المنطقة في غمار حالة جديدة من عدم الاستقرار، ويؤدي الى ازدياد الخلل في التوازن الاقليمي لصالح اسرائيل المتفوقة أصلا بحكم الدعم الأمريكي اللامحدود . ان هذا يدعو الى ضرورة التوصل الى سياسة عربية مشتركة تجاه ايران تأخذ في الاعتبار كافة جوانب الموقف في المنطقة، وتساعد على تعديل توازن القوى نسبيا، خاصة وأن ايران تجمعها والدول العربية الآن حقيقة التعرض لمخاطر مشتركة الأمر الذي يتطلب التوصل الى صياغة عربية ايرانية مشتركة للتعامل مع هذه المخاطر خاصة وأن مثل هذا الأمر يؤدي الى افشال المخطط الاسرائيلي الرامي الى احاطة الدول العربية بشريط من الدول المعادية . رابعا، الرؤية الموضوعية للنتائج المترتبة على الحرب الأمريكية لما تسميه بالارهاب: لقد برزت بعض النتائج المهمة لهذه الحرب في العديد من الدراسات والتقارير الأمريكية والتي يجب التعامل معها بموضوعية، فلقد ركزت بعض هذه الدراسات على الأسباب التي أدت الى جعل منطقة الشرق الأوسط هي المصدر الاساسي وفقا للرؤية الأمريكية للأشخاص الذين يقومون بمثل هذه العمليات، وتوصل البعض الى ان الأوضاع المعيشية والسياسية وأسلوب التعليم والتنمية تعد من أهم هذه الأسباب، وأشارت بعض الدراسات الى أنه الى جانب هذا فان السياسة الأمريكية المنحازة لاسرائيل كانت عاملا آخر من عوامل هذه الظاهرة، وأيا كان الاتفاق أو الاختلاف مع ما توصلت اليه هذه الدراسات الأمريكية، فان هناك أمورا لا يمكن انكارها في الواقع العربي المعاصر على المستوى الداخلي، فالمشكلات الاقتصادية حقيقة واقعة لايمكن انكارها، وتخلف مستوى التعليم أمر واضح، والتطوير السياسي أمر ملح نتيجة للمتغيرات الجديدة من داخل المجتمعات العربية بغير استثناء . ومن ثم فالتعامل مع هذه المشكلات بموضوعية وبعيدا عن الانفعال والحساسية أمر مطلوب، بل ويمكن ان يتم توظيفه لخدمة المصالح العربية، فالثابت علميا ان التنمية الاقتصادية التي تقود الى حل المشكلات الاقتصادية لا يمكن ان تتم الا في اطار عربي، خاصة في ظل التطورات المعاصرة، ومن ثم فان تفعيل العمل الاقتصادي العربي المشترك من خلال أي وسيلة ملائمة أمر مطلوب، كما ان تطوير العملية التعليمية في الوطن العربي ضرورة ملحة ويمكن ان يتحقق هذا التطوير بعيدا عن أي حساسيات من خلال العمل العربي المشترك كأن تسند مهمة تطوير المناهج التعليمية الى المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة بالتعاون مع المنظمة الاعلامية المناظرة وبالتنسيق مع اليونسكو، أن طرح مثل هذه الرؤية لتطوير التعليم في المنطقة العربية يساعد على تحقيق الهدف من تطوير التعليم، ويقدم ردا موضوعيا ملائما للدعاوى الغربية والأمريكية في هذا الشأن، بل يمكن في اطارها ان تطلب الدعم والمساندة من الولايات المتحدة والدول المتقدمة في هذا المجال، خاصة وأن الدول العربية كافة بحاجة الى تنمية مهارات أبنائها بما يتلاءم مع العصر الجديد . أن ما نخلص اليه من خلال هذا العرض هو ان القراءة الموضوعية الدقيقة للواقع القائم عربيا واقليميا ودوليا هي المقدمة الضرورية لتوصل القمة العربية الى قرارات ونتائج ايجابية تساعد على الخروج من نفق التردي القائم الآن. ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان