الملف السياسي: تعقد القمة العربية الدورية ببيروت في 27 مارس الحالي 2002، في ظل ظرف سياسي دقيق، فالمنطقة تقع تحت ضغط 11 سبتمبر 2001 وتوابعه الأمريكية، والانتفاضة الفلسطينية الثانية بتحولاتها النوعية، تمر في مفترق طرق، ولا يخفى ان الموقف العربي في الظرف الراهن يقع في منطقة انعدام الوزن، لاعتبارات دولية واقليمية عديدة وخطيرة. ولا يخفى ايضاً أن مجرد انعقاد قمة عربية بصفة دورية وبانتظام سنويا هو في حد ذاته انتصار للفكرة القومية والعمل العربي المشترك، ولو في الحدود الدنيا، لأن هذا هو البداية الصحيحة لبدء تواجد عمل عربي موحد، من شأنه ان يضطر معه القادة العرب الى الخوض في المصيريات دون تردد أو خوف. ولكن ما الذي يمكن ان يحققه مؤتمر القمة في ظل هذه الأوضاع الحزينة التي يعيشها العرب في هذه الحقبة الأليمة من تاريخهم، وماالذي يمكن ان يحققه الزعماء العرب في لقائهم المنتظر. هل ستضيف القمة العربية جديدا، وهل بقدرتها تحقيق انجازات ملموسة في ظل الاوضاع الدولية الراهنة. هل ستضع حدا لهذه الرعونة والصلف الذي يمارسه شارون وحكومة الليكود، وتعيد للعرب كيانهم، وترفع رؤوسهم، وتلم شملهم، وتثأر لكرامتهم، وتحافظ على هويتهم. هل سيخرج هؤلاء الزعماء بموقف موحد ينهي هذه المأساة التي تعيشها الشعوب العربية في ظل النظام الدولي المعولم الذي ظلمهم واستباح مقدساتهم، وحاصر دولهم، وشتت شملهم، ومزق وحدتهم، هل سيعلن هؤلاء الزعماء مقاطعة النظم التي تقف مع اسرائيل وتحرمها من خيرات العرب وثرواتهم، هل سيستطيعون فك الحصار الذي فرضه شارون على الشعب الفلسطيني بما فيه قيادتهم المتمثلة في ياسر عرفات، هل سيضع الزعماء العرب حدا للغرور الاسرائيلي والتخاذل الدولي ازاء الاعتداءات المتكررة عليهم والتي فاقت كل حد. هل سيوظفون الامكانات البشرية والمادية الكبيرة التي أنعم الله بها عليهم في استرداد حقوقهم والحفاظ على مقدساتهم ، هل سيستطيعون لم شمل التجمعات العربية المهاجرة في الولايات المتحدة وأوروبا، يقدمون لها الدعم المادي والبشري لكي تشكل لوبي عربياً يواجهون به اللوبي الصهيوني المتجذر في مراكز صنع القرار وأجهزة الاعلام وقنوات الاتصال الدولية. التحدي الأكبر إن جدول أعمال القمة العربية الثانية يستلزم أن يكون على مستوى التحدي اقليميا ودوليا. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، التي هي قضية العرب الأولى، فليس من شك في أن موقفا عربيا صلبا وواضحا، يقوم على الدعم الكامل للشعب الفلسطيني وسلطته الرسمية، باستخدام جميع الأوراق المتاحة في الضغط على القوى الدولية، وخاصة الولايات المتحدة، هو التحدي الأكبر امام القادة العرب. ولا يمكن بأي حال قبول موقف وسط، وعلى جميع الدول عدم التذرع بأية حجج للخروج عن الاجماع العربي، المهم هو اعلان الغضب العربي، لا التوسل وتقديم القرابين، بل العمل على وقف سياسات الابادة الشارونية للفلسطينيين، وفك الحصار عن الشعب الفلسطيني البطل، ودعم انتفاضة الأقصى، التي هي حرب التحرير والاستقلال، حتى ترضخ اسرائيل باقرار حقوق الشعب الفلسطيني وبحتمية قيام دولته المستقلة التي اعترف بها مؤخرا قرار مجلس الأمن رقم 1397 الصادر يوم 12 مارس 2002. ولا شك أن مبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي التي تقوم على الانسحاب الكامل من جميع الاراضي المحتلة بما فيها القدس الشريف والعودة الى حدود الرابع من يونيو 1967، مقابل السلام الشامل بين العرب واسرائيل، والتي لم يكشف عن جميع تفاصيلها، مفضلا ان تتحول إلى مبادرة عربية تنال موافقة جميع القادة في قمة بيروت المقبلة، ستعتبر اذا ما تم ذلك، محاولة عربية جادة للخروج من المأزق الذي تواجهه عملية السلام كما تحيى الآمال في موقف عربي موحد، ينقل الأمة من الفرقة الى الاتحاد، ومن منطقة اللاوزن الى مرحلة التماسك السياسي، ومن موقف ردود الأفعال الى صنع الافعال ذاتها. ان نجاح مبادرة ولي العهد السعودي على ارض الواقع، يتمثل في قوة وتماسك الموقف العربي، بتأييدها واقرارها وتبنيها عربيا، ووفق آلية منظمة وضاغطة وجماعية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، التي تضعها المبادرة من جديد امام مسئولياتها لكي تبدي مزيدا من الاهتمام بعملية السلام في المنطقة، بعد أن كانت قد أعطت لشارون الضوء الأخضر لارتكاب حماقاته وتبنت استراتيجية زيادة الضغوط على عرفات. وعلى العرب ان يواصلوا حملتهم من أجل السلام بموقف عربي جماعي وقوي بمعنى الكلمة وان ينعكس ذلك في سياسات تنسيقية محددة، بلا مواقف منفردة أو متحفظة، وان يراهنوا على امكانية تغيير الوضع الداخلي في اسرائيل، بما يتيح ظهور قوى سياسية اسرائيلية غير يمينية وليبرالية تعلم حقيقة السلام وفائدته لكل شعوب المنطقة، كما أن على العرب أن يقيموا الصلات مع القوى الليبرالية داخل الولايات المتحدة برغم تراجعها ومحدوديتها في ظل الصعود الكاسح لليمين الأمريكي المتشدد ان حصار اليمين الاسرائيلي والأمريكي له سبل عديدة لو أحسن الجانب العربي استغلالها ضمن توجهه نحو السلام، وليت القمة العربية المقبلة تنجح في كيفية مواجهة هذه الاشكالية بكل أبعادها. وتكتسب القمة العربية المقبلة أهمية كبرى، حيث انها أول قمة عربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 واطلاق الولايات المتحدة لحملتها ضد الارهاب، وهو مايترتب على القادة العرب اتخاذ موقف موحد من الاتهامات التي تحاول اسرائيل الصاقها بالعرب من ربط الارهاب بالعرب والمسلمين، وتبني الولايات المتحدة للرؤية الاسرائيلية حول اعتبار كل المنظمات التي تقاوم اسرائيل منظمات ارهابية، وهو مايشكل خلطا للأوراق بين الارهاب والمقاومة المشروعة للاحتلال. ويواجه القادة العرب تحديا كبيرا في فرض رؤيتهم للتمييز بين الارهاب المرفوض بجميع صوره، خاصة ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل وبين المقاومة الشرعية التي نصت عليها واعترفت بها المواثيق الدولية. قمة مغايرة ومختلفة أما الحالة العراقية ـ الكويتية، فإن استمرار هذه المسألة دون حل، أو رهنا بادارة ما يسمى الشرعية الدولية الزائفة، فهو من الأمور التي تسهم في الضعف العربي، ومعروف أن القمة الدورية الأولى في العام الماضي، اتخذت قرارا بتشكيل لجنة برئاسة الملك الأردني عبدالله بن الحسين، لتسوية خلافات الكويت والعراق، ولم يتم بشأنها أية خطوة، ولا يخفى أن قرارا عربيا بأعمال (الشرعية العربية) بديلا عن الشرعية الدولية أو مكملة لها، هو المدخل لحل هذه المسألة وللمساعدة في وقف الرغبة الأمريكية المحمومة لتدمير العراق والتدخل في شئونه الداخلية واسقاط نظام الحكم فيه. وهو مايتعارض مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما أن هذا من شأنه استمرار التمزق العربي واشعال الفتنة العربية من جديد. إن قمة بيروت تعتبر قمة التحدي والثبات للعرب جميعا، شعوبا وحكومات، ومن الضروري رفع الصوت المسموع ضد كل أنواع القمع والقهر والسياسات الظالمة التي لم تعد خافية على أحد، خاصة النظام الدولي بمعاييره ومقاييسه غير العادلة. نحن في حاجة الى قمة عربية مغايرة ومختلفة عن الانماط السابقة التي اتسمت بها القمم العربية التي عقدت على مدى السنوات المنصرمة. فلسنا في حاجة الى قمة تكتفي ببيان ختامي تغلب عليه السمة الانشائية وقرارات لا تعبر الحدود المغلقة باتجاه تنفيذها. ان قمة بيروت هي قمة غير عادية، وذلك بفعل التوقيت الذي تعقد فيه، أو لطبيعة التطورات والأحداث التي تعصف بالعالم في اللحظة الراهنة، أو نوع التحديات التي تواجه العرب على أكثر من صعيد، لذلك يتطلب الموقف الكثير من الحكمة والتوازن وتقدير الأمور حق قدرها دون أي استخفاف أو تهوين. وفي هذا السياق فإن القيادات العربية مطالبة في هذه المرحلة التاريخية التي يمر بها الوضع العربي اجمالا، بأن تظهر قدرا كبيرا من الوعي والادراك في تحمل مسئولياتها التي سيسجلها التاريخ لها اما ايجابا أو سلبا. كما يتعين على القيادات العربية أن تعي أن قمتها في بيروت ليست كسابقاتها من القمم، بل تحتاج منها بالتأكيد عملا متميزا وقرارات وخططا تكون كلها في مستوى الأحداث ودقة المرحلة، حتى تحفظ للأمة العربية قدرتها على التكيف والتفاعل مع المستجدات والمتغيرات سواء الحالي منها أو حتى ماقد تبدو مؤشراته في الأفق القريب أو البعيد. أولوية التضامن ونبذ الخلافات ان التضامن العربي ونبذ الخلافات يجب ان يحتل الأولوية في اهتمامات القادة العرب، فضلا عن أهمية العمل في مواجهة المخططات الرامية لفرض واقع الهزيمة على الأمة في أكثر من ميدان. كما انه من الضروري أن تتبنى قمة بيروت القرارات العملية التي تصب في منحى يخدم بالأساس الأهداف الوطنية والقومية للأمة بعيدا عن الشعارات فقد حان الوقت لأن تتفاعل قرارات القمة مع مفردات الواقع العربي بكل تجلياته خاصة السياسية والاقتصادية والأمنية، والتي باتت في انتظار وقفة عربية جادة وصارمة تعيد للأمة قدرتها على التكتل والتضامن وتعزز العمل المشترك. إن عملا حاسما قولا وفعلا في القضايا العربية الراهنة، هو من قبيل تفعيل القمة العربية المقبلة التي بانعقادها سنكون قد خطونا خطوة كبرى في تراث الخبرة العربية في العمل العربي الوحدوي. ان الشعوب العربية تطمع في أن تكون كيانا قادرا وقويا. فاعلا وليس مفعولا به. في النظام الدولي المعاصر. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال آليتين: الأولى وهي آلية رسمية، بتشكيل لجنة دائمة، ولتكن على غرار الترويكا الأوروبية وبنفس طريقة تشكيلها، مكونة من ثلاثية الدول الرئيسية للقمم المقبلة والحالية والسابقة، وعضوية بعض الدول الفاعلة في النظام العربي، للمتابعة الشاملة لقضايا العمل العربي ومشاكله المستجدة، والثانية، آلية شعبية، وذلك بالسماح بعقد مؤتمر شعبي في نفس فترة عقد مؤتمر القمة العربية، يمثل القوى السياسية بجميع تنظيماتها في الوطن العربي ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العربية، وهو مايمثل نقلة قومية في العمل العربي المشترك، واداة مهمة تسهم في ابعاد الحرج عن بعض القادة العرب، باعتبار ان قرارات هذه القوى الشعبية هي تجسيد لإرادة الشعوب. ووسط المخاوف والترقب والأمنيات، يستمر العد التنازلي لواحد من أصعب مؤتمرات القمة العربية، في فترة من أشد فترات التاريخ العربي حرجا وصعوبة. ـ كاتب مصري