الملف السياسي:أربعة تحدّياتٍ تفرض نفسها على القمة العربية المقبلة في بيروت: تصعيد العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ثم مبادرات السلام العربية المطروحة للتعامل مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ثم التحرّك الأمريكي الجديد لمعالجة المشكلة الفلسطينية. المسألة العراقية وما فيها من جروحٍ عربية لم تندمل بعد، وما ينتظرها من تصعيدٍ أمريكي في المجالين العسكري والسياسي هموم المنطقة العربية بعد أحداث التفجير في أمريكا يوم 11 سبتمبر وما نتج عنها من تداعيات وحرب أمريكية على الأرهاب هي الآن القضية الأولى للعالم كلّه. وسائل تطوير العمل العربي المشترك وصيغة الجامعة العربية وخطوات التعاون الاقتصادي العربي في الحد الأدنى. لكن رغم تنوّع هذه التحدّيات واختلاف ساحاتها، فإن كلاً منها يصيب المنطقة العربية كلّها ولا يعني بلداً دون الآخر، كما أن للولايات المتحدة دوراً حاسماً في كيفية التعامل سلباً أو إيجاباً مع كل عنصرٍ من هذه التحدّيات. والمؤسف في واقع الحال العربي، أنه رغم الاشتراك في التحدّيات والهموم، فإن الحكومات العربية تتعامل مع هذه المسائل (وغيرها أيضاً) من منظورٍ فئوي خاصّ وليس في إطار رؤيةٍ عربيةٍ مشتركة تصون الحق وتردع العدوان وتحقق المصالح العربية. أما على الجانب الأمريكي، فإن هناك رؤيةً أمريكيةً واحدة لمشاكل المنطقة العربية كلّها، وهناك أيضاً مشاريع حلولٍ أمريكية لهذه المشاكل قد لا تنسجم مع آمال وطموحات شعوب المنطقة العربية. فانعدام الرؤية العربية المشتركة يقوم على حالةٍ من الصراعات العربية ـ العربية وتجزئة الإمكانات والطاقات العربية، بينما الرؤية الأمريكية الواحدة للمنطقة تقوم على إمكانات وطاقات أكبر قوةٍ عسكرية واقتصادية في العالم المعاصر. وهذا التباين في واقع الحالين العربي والأمريكي، يجعل من «رغبات» واشنطن في المنطقة العربية أشبه ما تكون بأوامر سياسية يتوجب تنفيذها وإلا فإن الضغوطات العسكرية والاقتصادية تفرض تنفيذ هذه «الرغبات». إن توصيف أمراض الواقع العربي الراهن هو بالأمر الهين، لكن المشكلة الحقيقية هي في كيفية تحديد (الحلول) والوسائل المناسبة لمعالجة هذه الأمراض التي تنقل العرب مع مرور الزمن، من السيئ إلى الأسوأ. في السياق التاريخي المعاصر للأمة العربية، نجد أن ما حدث بعد حرب 1967، كان نموذجاً صالحاً للتكرار في أكثر من حقبةٍ زمنيةٍ معاصرة، وخاصةً الآن. فالعرب عام 1967 كانوا في أقصى حالات الصراعات العربية ـ العربية، وكانت بينهم حروب عسكرية داخلية (حرب اليمن وتفاعلاتها)، وصراعات بين أكثر من حاكمٍ عربي، إضافةً إلى انقسامٍ سياسي حادّ حول طبيعة الأنظمة ومناهج الحكم (طروحات الاشتراكية والثورة والوحدة .. الخ)، وفي ظل مناخٍ دولي حادّ الاستقطاب كانت تقود فيه امريكا حرباً، باردةً شكلاً وساخنةً ضمناً، ضد المعسكر الآخر وكلّ من يتعامل معه من دول العالم الثالث. ورغم هذه الظروف كلّها، نجحت قمة الخرطوم عام 1967 في تجاوز كل العقبات ووضعت رؤيةً عربيةً مشتركة لكيفية التعامل مح تحدّيات المرحلة آنذاك ولما هو مطلوبٌ عربياً من غاياتٍ مرحلية. أيضاً، نجحت قمة الخرطوم في بناء تضامنٍ عربي مشترك أنهى الصراعات العربية ـ العربية ووضع كل الطاقات العربية في خدمة المعركة ضد العدو الإسرائيلي. وتزامن مع قمة الخرطوم سعي عربي مشترك للجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية وبين بناء الاستعدادات العسكرية لإعادة تحرير الأراضي المحتلة عام 1967، فكانت حرب الاستنزاف البطولية على الجبهة المصرية متزامنة مع قبول قرارات مجلس الأمن الدولي والمبادرات الدولية التي طُرِحت آنذاك. وكانت هذه الحقبة (67 ـ 1970) هي التي مهدت لحرب أكتوبر عام 1973 والتي جمعت بين استخدام الطاقات العسكرية والاقتصادية معاً. أما اليوم، فالظروف أفضل إلى حد ما، لكن المشكلة في الجسم العربي نفسه، إذ ليس هناك الآن صراعات في المنطقة حول طبيعة الأنظمة ومناهج التغيير .. فكلّ البلاد العربية محكومة الآن بأنظمة متشابهة سياسياً واقتصادياً حتى لو كانت تحمل شعاراتٍ أو أسماء متباينة. وليس هناك في العالم اليوم حالة من الاستقطاب الدولي لكي تفرز الحكومات العربية بين صديقٍ وعدوّ لهذه الدولة الكبرى أو تلك، فكلّ الحكومات العربية (كما هو الآن معظم العالم تقريباً) أصدقاء لأمريكا نسبياً. إذن، المشكلة عربياً هي بانعدام القرار العربي في وضع رؤيةٍ عربية مشتركة، وفي عدم تحمّل مسئوليات الدور القيادي المنشود لأكثر من طرفٍ عربي، وكأن النظام الإقليمي العربي مرتاح لهذا الواقع العجوز طالما أنه يحافظ على استمرار النظام والمصالح الخاصة الموروثة فيه! كان العرب بعد حرب عام 1967 يحملون البندقية في يد وغصن الزيتون في اليد الأخرى، اليوم أيادي الوضع الرسمي العربي تحمل كلّها أغصان الزيتون، ولا تحمل معها أي شيءٍ آخر يردع العدوان ويصون الحقوق. فلا يمكن أن يتحقق سلام عادل في المنطقة إذا قام على مزيجٍ من بندقيةٍ إسرائيلية وغصن زيتونٍ عربي و«كاوبوي امريكي». وستبقى التحدّيات على العرب قائمة بل ومتراكمة طالما أن منهاج التعامل معها لا يخرج عن صفقاتٍ فئوية تحدث في السر والعلن، فتُحقق منافع خاصة لكن لا تؤدّي إلى معالجة الأمراض العامة في المنطقة والتي تتحول إلى أوبئةٍ تصيب أيضاً من عقدوا الصفقات واعتقدوا أنهم قد حققوا الأمن الخاص والسلام المنفرد. إن إسرائيل لم تنسحب من سيناء إلا نتيجة حرب أكتوبر واستخدام التنسيق العربي المشترك بأوجهه السياسية والعسكرية والاقتصادية. وإسرائيل لم تنسحب من جنوب لبنان إلا نتيجة المقاومة الوطنية اللبنانية والتضامن اللبناني الشامل معها. بينما لم يؤد توقيع الاتفاق السرّي في أوسلو إلا لمزيدٍ من العدوان الإسرائيلي والاستهتار بحقوق الشعب الفلسطيني، وحينما نص اتفاق أوسلو على تعبير (إعادة انتشار) وليس إنهاء احتلال الجيش الإسرائيلي، فإن شارون أعاد احتلال المناطق التي اعتقد البعض أن تسوية أوسلو جعلتها خاضعة فقط لسلطةٍ وطنيةٍ فلسطينية، بينما نجد إسرائيل لا تتجرّأ على إعادة أيّ جندي إسرائيلي إلى جنوب لبنان أو إلى أرض سيناء المصرية. هنا تتأكد أهمّية استمرار الانتفاضة الفلسطينية المسلحة وما حققته من استنزافٍ لجيش الاحتلال الإسرائيلي ومن خسائر في جنوده ومعداته. وهنا تتجدد الآمال بأن تبادر القمة العربية (في الحد الأدنى المطلوب منها) إلى وضع استراتيجية عربية واحدة للتعامل مع إسرائيل ودعم انتفاضة الشعب الفلسطيني وعدم المراهنة فقط على غصن الزيتون العربي وضمانات واشنطن للتسويات .. إذ ماذا فعلت واشنطن لردع شارون عن دخول مناطق السلطة الفلسطينية والعدوان المتكرّر عليها؟ ولعل ذلك مجرّد أمنية، فتداعيات التحدّيات الأخرى التي تواجه الأمة العربية، ستجعل الوضع العربي - بواقعه العجوز والعاجز - مهموماً بأكثر من قضية، في ظل أكثر من رؤية وقيادة، لشوارع عربية محكوم على شبابها الآن عدم مشاركتهم عملياً في صنع مستقبلهم! ـ مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن