الملف السياسي:اذا كان من الأفضل ان تنعقد القمة العربية في بيروت متأخرة، بدل عدم انعقادها اطلاقا رغم «قيام الأرض وعدم قعودها» كما يقول المثل الشعبي، سواء فيما هو مستمر من عدوان في فلسطين وعليها وتفجيرات 11 سبتمبر الأمريكية وتداعياتها، فإنه من باب أولى ـ على الأقل ـ ان تخرج بقرارات محورية قادرة على المواجهة. يتمثل المنطلق فيها حسب 3 وزراء في الحكومة اللبنانية بما يمكن تسميته: «القبض على الارهاب» واظهاره على حقيقته، وإبراز الارهابيين الحقيقيين في المنطقة والعالم من جهة، والرفض العربي والمقاوم لكل ذلك من ناحية أخرى. يبني وزير الإعلام غازي العريضي ووزير الخارجية محمود حمود ووزير الدولة بشارة مرهج معادلات عدة تصل الى تلك النتيجة المتوخاة، ومن ذلك لما يجب ان تخرج به قمة بيروت من قرارات «تؤكد موقفا حضاريا عربيا أساسه ثوابت الحقوق العربية في مواجهة الارهاب، الرفض الاسرائيلي لهذه الثوابت والحقوق كاستراتيجية عدوانية، الى التأكيد على ان السلام يبقى استراتيجية العرب الموحدة وخيارهم الوحيد بشروطه العادلة والشاملة والدائمة»! ـ كيف سيحول القادة العرب المعادلات الى قرارات؟ التطبيع والارهاب في رأي الوزير العريضي ان أحد أبرز الأسئلة التي سيطرحها القادة العرب: «لماذا ينعتونا بالارهاب؟ لماذا يصفونا بالارهابيين؟ ألأننا قاومنا اسرائيل؟ أولأننا أسقطنا تلك الارادة وذلك الوهم الذي كان أساس النظرة على انهم سيطروا على لبنان وعلى المنطقة من خلال الاتفاق مع الفلسطينيين؟ وفميا يشدد على ان سياسة الكيل بمكيالين: «مازالت تعتمد حتى الآن من قبل الولايات المتحدة الامريكية الراعية والداعمة بشكل كامل لكل نشاطات الارهاب الاسرائيلي في فلسطين قبل 11 سبتمبر، إلا ان البعض يعتقد انه بعد الأحداث والتفجيرات التي وقعت في هذا اليوم تضاعفت التغطية الامريكية لاسرائيل، لكن هذا ليس صحيحاً». يستدرك الأمر قائلا انه «قبل 11 سبتمبر أدلى المسئولون الامريكيون بتصريحات أعطت الاسرائيليين حق قتل الفلسطينيين قيادات وجماعات وافرادا، وبالتالي شرعت ما يسمى بالاغتيال السياسي المنظم، اي على مستوى الدولة الاسرائيلية التي تتهم العرب والمسلمين بأنهم ارهابيون، وتقول للامريكيين: انتم تعرضتم لعمل ارهابي في الولايات المتحدة، ونحن نتعرض هنا لعمل ارهابي من قبل الفلسطينيين، ونتلقى تهديدات من كل حدب وصوب من العرب والمسلمين. واذا كنا نأسف لأن امريكا تنصاع لهذا المنطق وتقتنع بهذه الاضاليل، فان اسفنا الاكبر هو على هذه المرحلة التي بلغها الصمت العربي، والتردد العربي، والعجز العربي، والسكوت عن كل ما يجري داخل الاراضي الفلسطينية من منطلق يقول ان العرب و المسلمين غير قادرين على فعل شيء في عصر ارييل شارون! وفي مقابل ذلك نلاحظ صعود الارهاب الاسرائيلي المتواصل الى قمة اهدافه ومشاريعه، سواء باتجاه استئصال السلطة الفلسطينية، او تدمير البنى التحتية، او وهذا الاخطر تهجير الفلسطينيين ليس فقط من اراضي سلطة الحكم الذاتي، بل من داخل ما يسمى بالكيان الصهيوني، حتى لا يصبح عدد الفلسطينيين بمرور الوقت، وتحديدا حتى العام 2050 اكثر بكثير من اليهود. لذا فالمطلوب تهجير المزيد منهم باستمرار، اي ان الحرب الارهابية الاسرائيلية ستبقى ضدهم. لكن ثمة تغيرات نوعية في المواجهة سيتوقف عندها القادة العرب، وهي كما يقول وزير الاعلام اللبناني: «قيام توازن رعب حقيقي بين الارهاب الاسرائيلي والتصدي الفلسطيني له. هذا حصل، ويحصل عسكريا، حتى من خلال الاطفال الفلسطينيين الذي يشاركون بأسلحة بدائية في تحطيم اسطورة الالة العسكرية الاسرائيلية التي طالما حقنوا افكارنا واذهاننا بأنها «لا تقهر»، وذلك حصل، ويحصل ايضا سياسيا، فهم يتحدثون عن سلام، ونحن لسنا اعداء له، بل من اصلب دعاته، لكن السلام الذي نريده عادلا وشاملا، ويقوم على أساس اقرار الحقوق، لا اغتصابها ومصادرتها وتهجير اصحابها وقتلهم. هذا ارهاب اسرائيلي ضد السلام، يدعمه الموقف الامريكي، ولو بالتغاضي عنه، على الاقل. وهنا يمكن للقادة العرب التوقف عند ارهاب امريكي، فالولايات المتحدة لم توقع اتفاقية الحد من انتشار اسلحة الدمار الشامل، وهي تتهم العراق، وسوريا وايران وكوريا، مثلا بامتلاكها لهذه الاسلحة، لكن من دون ان تتحدث مجرد حديث عن الترسانة النووية الاسرائيلية التي قد تدمر كل شيء فلا امريكا ولا اسرائيل وقعتا على نزع اسلحة الدمار الشامل، ولا حتى على معاهدة نزع الالغام ضد الافراد. انطلاقا من ذلك، يريد لبنان، كذلك العرب عامة، من القمة كما يقول العريضي ان تخرج بقرارات: «تشكل نموذجا سياسيا حضاريا في مواجهة الارهاب، وتكون اساساً للتفاوض مع الجميع، والتعاطي مع المبادرات السلمية وطروحات التسوية المطلوبة التي تطل برأسها تارة من هنا، وتارة من هناك وهنالك». الحقوق ثوابت ـ كيف، وإلام سيرتكز ذلك «النموذج السياسي ـ الحضاري» في القمة؟ وما هي نقطة ارتكازه ومنطلقه؟ ـ في رأي وزير الخارجية محمود حمود: «ان هذه النقطة تتمثل في ثوابتنا، وان هذه الثوابت تتألف من حقوقنا العربية مجتمعة». كيف؟ يوضح حمود: ان اسرائيل متعنتة، وتضع نفسها فوق القانون الدولي، ولا تقبل بتطبيق القرارات الدولية، ونحن نرى ما يجري على الأراضي الفلسطينية، ونشاهد بأم العين الاعمال الاجرامية التي تقوم بها اسرائيل، وهذا سيكون في اجتماعاتنا وأمام أعيننا، وعلى هذا الأساس سنتصرف وسنحاول ان نعمل كل ما في وسعنا للاستجابة لتوقعات شعبنا العربي، وما يُنتظر منا في هذه الظروف المصيرية. ومنطلقنا في ذلك وإليه، سيكون في تأكيد القمة العربية على ثوابتنا وحقوقنا التي لن نتخلى عن اي ذرة منها، وهي التي قررها القادة العرب في أكثر من مؤتمر، وهي الثوابت التي ذهبنا على أساسها الى «مدريد». كما سيكون في تجديد ايمان القادة بالشرعية الدولية، والتمسك بها، وبمبدأ الأرض مقابل السلام، ومطالبة اسرائيل بالانسحاب حتى حدود الرابع من يونيو 1967، على كل الاراضي العربية، والتشبث باستكمال تحرير ما بقي محتلاً من أرض لبنان في مزارع شبعا والنقاط الثلاث، والتشديد على حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس. وعن الثوابت الأخرى في الحقوق العربية يشير وزير الخارجية اللبنانية الى «أن هناك موضوع تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بدءاً من القرار 194 الذي يعطي للفلسطينيين حقاً هو لهم، وهو العودة الى اراضيهم. وهذا مطلب عربي نتمسك به ونشدد عليه الا انه لا يجوز ان يبقى هؤلاء الاخوة مشردين ولاجئين، في أرضهم على مرأى منهم. كما من ثوابتنا وحقوقنا دعم الاخوة الفلسطينيين في صمودهم تجاه آلة الحرب الاسرائيلية الغاشمة، المدمرة والقاتلة، التي لم تعرف التفريق لحظة بين صبي وشيخ وامرأة وطفل. وينهي الوزير حمدي بالقول انه «بما ستتمكن به قمة بيروت من إبراز التمسك بحقوقنا وثوابتنا من ناحية ومن اظهار رفض اسرائيل لها موقفاً وممارسة وعدواناً، فإن القادة العرب سيظهرون للعالم أكثر فأكثر، الوجه الارهابي السافر لإسرائيل. فهي لم، ولن تكون يوماً راغبة في السلام، ولن تعمل من أجله، وبالتالي فإنها حريصة على ألا تترك أدنى فرصة لا تحاول من خلالها القضاء على محاولات إيجاد حل، وعلى مساعي السلام التي قدمها الجانب العربي في أكثر من مناسبة. العدوان استراتيجية لا يبدو هذا النهج العدواني الاسرائيلي تكتيكياً. يوضح وزير الدولة بشارة مرهج «ليس بجديد على إسرائيل الاعتداءات التي تقوم بها ضد الفلسطينيين في هذه المرحلة، فما نشهده داخل فلسطين يشكل الدعائم الأساسية في استراتيجية العدوان، منذ أن كانت اسرائيل حتى الآن، سواء لجهة شن الحرب الضارية على الفلسطينيين، أو تكريس احتلالها لأرضه، وفرض «الحلول» الأمنية، الظالمة عليه بعيداً عن الشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن ذات الصلة، الى عمليات القهر والاذلال التي احترفتها، ومحاصرة المدن والبلدان والقرى الفلسطينية، وتقطيع اوصالها بالطرق الدائرية والالتفافية والحواجز العسكرية، فمنع الاهالي من الحركة والحصول على لقمة العيش، ويحرم الطلاب من متابعة دروسهم في الجامعات والمدارس، وتهدم المنازل على رؤوس اصحابها، وتجرف البساتين والطرق، وتطلق النار على الاطفال والنساء. والى ذلك كله تستمر اسرائيل في توسيع المستوطنات القائمة، وبناء اخرى جديدة في الضفة وغزة والجولان. متجاهلة ما على الارض، كل ما تدعيه اسرائيل من «تجاوب» مع مبادرة ميتشيل التي تعطي الاولوية للهدوء الامني ووقف الاستيطان». ومثل اية استراتيجية اخرى تحتاج الى وسائط دعم خارجية كبيرة لتقوم وتستمر وتتجاوز ما يعترضها سحقاً وقتلاً وتدميراً، فإن العدوان الاسرائيلي كاستراتيجية يرتكز بالدرجة الاولى الى الدعم الامريكي، كما يقول مرهج الذي يضيف موضحاً: «لقد بات اكثر من واضح ان العامل الاساسي الذي يساعد اسرائيل ويشجعها على المضي في سياستها العنصرية والعدوانية، يكمن في الدعم المطلق الذي توفره امريكا لها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً». السلام العربي من خلال ذلك يبرز السلم، بنظر الوزير مرهج «كاستراتيجية عربية» دائمة ومستمرة، كيف؟ يقول: «الواقع ان واشنطن التي تعهدت في مؤتمر مدريد بممارسة دور الوسيط النزيه لعملية المفاوضات من اجل تحقيق السلام في الشرق الاوسط، تدير في الوقت الحاضر الاذن الصماء لنداءات العدالة. فتغطي سياسياً الاجرام الاسرائيلي، وتمنحه الوسائل المادية المختلفة لاستحضار شريعة الغاب واراقة الدم الفلسطيني، والتمادي في احتقار الكرامة الانسانية واستعادة سياسة التمييز العنصري الذي سبق لمانديلا وشعبه ان انتصر عليها في جنوب افريقيا. لقد استغلت اسرائيل الكارثة الكبيرة التي ألمت بامريكا جراء احداث 11 سبتمبر الدموية للخلط بين الارهاب وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال الاجنبي وعلى الرغم من كل المبادرات الدولية لتحديد مفهوم الارهاب، فإن تل ابيب وواشنطن ترفضان ذلك دون اي مسوغ. واذا كان موقف تل ابيب مفهوماً، حيث لا مصلحة لها على الاطلاق بهذا التعريف الذي يحرجها، ويحدّ من حركتها، فإن احداً لا يصدق ان امريكا العظيمة بمؤسساتها وجامعاتها وشخصياتها، عاجزة عن التوصل الى تعريف علمي موضوعي للارهاب يضع حداً للغموض والالتباس، ويفتح الطريق نحو تفاهم دولي واسع النطاق يساعد على اشاعة علاقات جديدة على المستوى الدولي قائمة على الاخاء الانساني والاحترام المتبادل والسعي المشترك لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلى ضوء كل ذلك، يبرز التوافق السياسي العربي العربي، بأن تشكل القمة العربية في بيروت قفزة نوعية لمواجهة الارهاب، والقبض عليه وابراز من هم الارهابيون الحقيقيون في اسرائيل وحلفائها.