أكد رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري ان اسرائيل لن تستطيع منع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من حضور القمة العربية، المزمع عقدها في بيروت نهاية الشهر الجاري، وقال في مقابلة خاصة مع «البيان» ان اسرائيل تعرف ان ثمن منعها لعرفات من حضور القمة العربية هو تمسك القيادة العربية بمواقف أكثر تشددا مما لو كان حاضراً. وفي رده على سؤال حول رأيه في تحركات السلطة السياسية شدد على ان أمام السلطة مجموعة من الجبهات سواء السياسية أو غيرها ولكن أوضاعاً مأساوية فلسطينية دفعت خيار المقاومة ليكون الأول والذي يجب ان تتصدى له القيادة وهذا ما تفعله. وتالياً نص الحوار: ـ هل تعتقد ان التحركات السياسية التي تقوم بها السلطة الوطنية الفلسطينية من الممكن ان تسفر عن أية نتائج إيجابية في ظل وحشية الدولة العبرية؟ ـ هناك أوضاع مأساوية فلسطينية، يمارس خلالها شارون وحكومته ارهابا لم يسبق له مثيل، فهو لايستهدف البشر فقط، بل يستهدف الحياة ومصادر الدخل للفرد والدولة، والاشجار، ولكل شيء، يقوم بتدمير محكم ومنظم لكل أدوات السلطة والمرافق والبنية التحتية، وحتى المنازل وهذا ليس عبثاً، بل هو يقوم به بناء على خطة تؤمن بها الحكومة الاسرائيلية وحزب الليكود والأحزاب اليمينية الأخرى، هدفها في النتيجة العمل على تهجير الفلسطينيين من أرضهم. ولكن ذلك لن يحدث فالفلسطيني متمسك بحقه صامد على أرضه، وهو يقدم تضحية غالية نفيسة، راضيا بقدره، رغم حزنه الشديد من سكوت العالم العربي وظلم ذوي القربى والعالم أجمع. ولذلك فإن القيادة الفلسطينية في هذا الوضع لابد ان تعمل على عدة جبهات أبرزها المقاومة الشرعية، التي يشارك بها كل أبناء الشعب، وهذا هو بيت القصيد وهو الشيء الأساسي للعمل في الأراضي العربية المحتلة. أما الجبهة الثانية فهي تتيح للقيادة الفلسطينية التحرك السياسي سواء باتجاه العالم العربي أو الولايات المتحدة وغيرها من الجهات مثل الاتحاد الأوروبي، وهو تحرك مشروع، بل لابد منه، فالسلطة يجب ان تتحرك باتجاه الأوروبيين بقوة وهذا ما تفعله رغم انني أعلم ان الأوروبيين لن يستطيعوا تجاوز المتغيرات التي تمت بعد 11 سبتمبر اضافة إلى كونهم يشعرون بخطر ما يرونه ارهابا وما حصل للولايات المتحدة بل ان أحداث 11 سبتمبر استطاعت اعادة انتاج علاقة جديدة بين الأمريكان والأوروبيين، ولكنهم في المقابل أكثر تفهما من الادارة الأمريكية للموقف العربي. أما الجبهة الأخرى التي على القيادة الفلسطينية ممارستها في الاتصال والتعامل مع العدو وهذا أمر جائز، لكنه يجب الا يتم على حساب الموقف النضالي للشعب الفلسطيني، وقواه، أو على أساس التفريط بالحقوق الوطنية الفلسطينية، فخطة شارون التي باتت معروفة للجميع عدوانية، لاتريد لكل المحاولات الفلسطينية أو العربية أو الدولية النجاح. ـ ألا يعني هذا ان على السلطة التوقف عن كل اتصالاتها وخصوصاً الأمنية؟ ـ اطلاقاً هذا لا يعني ان تأخذ قيادة السلطة مساراً واحداً، بل ان عليها البحث في جميع الاتجاهات لانقاذ الشعب الفلسطيني من محنته فرفض المسارات الأخرى غير المقاومة يعني اغلاق الباب على العالم وهذا ما لا يريده أحد. ان المسار السياسي ضروري جداً في هذه الأوقات خصوصا، أما عربياً فهناك مؤتمر القمة العربية المقبلة، ورغم ان هناك من لا يأمل الكثير في هذه القمة أو خروجها بقرارات تتناسب مع الجهد النضالي الفلسطيني إلا انها تبقى اداة مهمة للضغط على المجتمع الدولي، واعادة دعم للنضال الفلسطيني، حيث انها تقوم بدور لا يمكن الاستغناء عنه. وعودة إلى الفلسطينيين فإن ثوابتهم وأساسياتهم لم تتغير، إلا ان ما تغير في المنطقة وجود حكومة شارون اليمينية، هذه الحكومة التي لا تريد ان تتوصل مع الفلسطينيين إلى نقطة الحل السياسي، ومن المحزن ان الادارة الأمريكية لا تفهم الأمور بهذه الصورة، فقط استطاع اقناع الأمريكان وخاصة بعد 11 سبتمبر بأن ما يقوم به الفلسطينيون، هو ارهاب، ومن هنا ركبت الادارة الأمريكية مركب شارون في مفهوم الارهاب وأعطته الضوء الأخضر لينفذ ما يريد. ـ ولكن قمة بقرارات لا تلبي الحدود الدنيا لمطالب الفلسطينيين بالاضافة إلى مطالب الجماهير العربية.. كيف يمكن لها ان تكون قمة مطلوبة؟ ـ كما قلت لا يمكن الاستغناء عن القمة أو عن مواقفها، صحيح ان العالم العربي صامت، ولا يقدم الكثير بالنسبة للفلسطينيين، لكن لا يمكن إلا ان يذهب ياسر عرفات إلى القمة، ويقدم مطالبه ويعرض أحواله، وبتقديري سوف تتجاوب القمة إلى حد ما في دعم ومساندة الشعب الفلسطيني. ولكن يبقى الأساس هو النضال الفلسطيني وجذوة النقاش الفلسطيني متأججة ولا يستطيع أحد ان يخمدها بعد الآن، كذلك الشارع العربي وكما نرى هناك مشاعر قوية تجاه الفلسطينيين، ولكن هناك قضية أخرى مطروحة هي قضية امكانية حدوث عدوان أمريكي على العراق. هاتان قضيتان أساسيتان، ولا يستطيع زعماء العرب التغاضي مهما كان الضغط الأمريكي عليهم، أو لرغبة شخصية معينة، لا يمكن التغاضي عن موقف الشارع العربي تجاه هذين الحدثين، الخطيرين، وبالذات فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وارهاب القوات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني الذي يدفع دماً غالياً نتيجة للعدوان الاسرائيلي. وفي مقابل ذلك فإن أي تحرك مهما كان صادقاً أو قويا لن يساوي ما يقوم به الطفل الفلسطيني والدم الفلسطيني، ولكن ذلك الجهد العربي مطلوب، واعتقد انه يساعد واعيد وأكرر الكل يعلم انه لا يرقى إلى ما نطمح إليه، ولكنه بالتأكيد يساعد وعلى أية حال هناك أمور لا يمكن الحسم فيها لكن عندما تعقد القمة فإن الحسم ليس في القرارات، لأن القرارات موجودة وواضحة، بل هو في تطبيق القرارات وافهام العالم أنها قرارات جادة، فالقرارات الجادة هي ما نحتاج إليه، ومن هنا أنا اعتقد ان المطلوب عربياً اصرار الدول العربية على وضع نفسها على خارطة العالم السياسي مجدداً، خصوصاً وان المشروع الصهيوني يمتد جغرافياً وسكانياً حتى يطال بعض الدول العربية بصورة مباشرة والأخرى بصورة شبه مباشرة. ـ هل تتوقع ان يكون تصعيد شارون مرتبط بقرب الضربة الأمريكية للعراق؟ ـ لست مطلعاً كثيراً على هذا الأمر، لكن اعتقد ان الادارة الأمريكية ستطلب من حكومة شارون تخفيف الضغط على الفلسطينيين ولو كان هذا التخفيف تكتيكي في الوقت الحاضر، ولكن أظن ان شارون وصل إلى قمة العدوان وجرائمه وواضح ان سياسته ووعوده للاسرائيليين بالسلام والأمن لم تتحقق،لذلك لا أتوقع ان تستمر هذه الحدة والحملة العسكرية لمدة طويلة لأنها فشلت، ولابد للحكومة الاسرائيلية والولايات المتحدة ان تبحثان عن حل بديل وهو تفاوض حقيقي لحل هذه القضية. ـ تخلى مسئولي السلطة الوطنية عن دبلوماسيتهم في التعبير عن غضبها للصمت الرسمي الشعبي، فأين هذا الغضب الذي تحدثت عنه في الشارع العربي؟ ـ الكل يلمس ان المواطن العربي يغلي ويريد ان يساهم في نصرة الفلسطينيين لأن أدواته في اظهار ذلك الغليان غير متوفرة لأسباب نعرفها جميعاً وتفرضها قيود الأنظمة العربية على الشعوب العربية. واعتقد ان الرأي العام العربي قوي ومؤازر ويضغط على الحكام باتجاه اتخاذ قرارات أكثر وضوحاً وموقف سياسي في مقابل الولايات المتحدة. إلا ان الفلسطينيين لديهم كامل الحق في لوم العالم العربي لأن الحالة على الأرض أصبحت أكثر خطورة من السابق خصوصاً وان الفلسطينيين لا يدافعون عن انفسهم فقط، وإنما يدافعون بالنيابة عن جميع العرب وفي الوقت الذي يقوم به العرب بالمساعدة ودعم القضية الفلسطينية فإنهم بذلك يكونوا مدافعين عن مصالح دولهم الوطنية والقطرية لأن اسرائيل ليست خطراً على الفلسطينيين فحسب. وبعدما انتظر الفلسطينيون أكثر من 50 عاماً العرب ليقوم العرب بواجبهم تجاه تحرير فلسطين واسترجاع الأرض المقدسة قرر الفلسطينيون انهم سيقومون بأنفسهم باسترجاع هذا الحق، وهو المبدأ الاستراتيجي الصحيح الذي يسيرون عليه. ـ إذا لم توافق اسرائيل على حضور الرئيس الفلسطيني القمة العربية كيف تنظر هذا المشهد؟ ـ لا اعتقد ان اسرائيل ستعمل على منع عرفات من حضور القمة العربية لأنها تعرف ان عدم حضوره سيعني تحول قراراتها في الاتجاه الأكثر تشددا، خصوصاً وان ضغط الشارع الفلسطيني والعربي سيفرضان هذا الأمر. واسرائيل تعلم ان كل ما يمكن ان تخشاه سيظهر مجدداً على السطح وسيتأزم الوضع أكثر مما هو عليه الآن، ومن هنا فأنا اعتقد جازماً ان اسرائيل لن تستطيع منع عرفات من حضور القمة، بل والعودة إلى رام الله.