أمام القمة العربية قضيتان ملحتان لا ثالث لهما، الأولى مرتبطة بالوضع المتفجر دماً في الأرض المحتلة والأخرى تتصل بالضربة الأمريكية المحتملة للعراق، كيفية مقاربة القضيتين تشكل تحدياً حقيقياً أمام القمة إذ تؤشر نتائجها لجهة المدى الذي يمكن ان يذهب إليه التجمع القومي على طريق اعادة رص الصف العربي. بالتأكيد لن تقبل الأمة مجرد اعادة انتاج بيان مكرور كما هو الحال في مثل هذه المناسبات، لكن ليس المطلوب فقط كسر رتابة الخطاب السياسي المعهود، ربما تشكل قمة بيروت فرصة حقيقية لتغيير الذهنية السياسية العربية برمتها، قد يساهم في احداث هذا التغيير ان القمة لديها أجندة عمل معدة سلفاً ومكتوبة بدم فلسطيني ساخن واجماع عربي على رفض التهديد الأمريكي بضرب العراق، أكثر من ذلك على طاولة بيروت نواة لمشروع عمل قومي في مواجهة التصلب الاسرائيلي المعزز بمختلف أجنحة الماكينة العسكرية. الرهان على النقلة المرجوة في العقل السياسي العربي يتجاوز مطلباً ملحاً بالاجماع على المشروع المطروح بعد تعديله وفقاً للحقوق الفلسطينية والعربية. فالتحدي الحقيقي على هذه الجبهة يتجسد في تبني الآلية اللازمة لترجمة المشروع واقعاً. الخيارات المتاحة في هذا السياق لا حد لها والكل يدركها غير ان العقلية السائدة حالياً تجفل عن الاندفاع في هذا التوجه باعتباره مدخلاً إلى حقل ملغوم. الفلسطينيون الصامدون امام الترسانة العسكرية الاسرائيلية والذين يقدمون بسخاء نادر الشهداء والاستشهاديين ارتادوا بالفعل أفقاً جديداً في العمل السياسي المقاوم. إذا لم يترك هذا الأداء الاستثنائي المحفور بالتضحية البطولية انعكاسا يحرضنا على اللحاق بهذا الركب، فلن نستطيع ان نقدم الحد الأدنى من الدعم الأخلاقي المفترض فما بالك بالحلول الناجعة للأزمة المزمنة. الاجماع العربي على رفض التهديدات الأمريكية للعراق لا يحتاج إلى دليل، فكل العواصم التي زارها ديك تشيني أكدت على هذا الموقف، من ثم لم يعد مقبولاً ان يعيد بيان قمة بيروت المرتقب فقط التأكيد مجدداً على هذا الرفض. لدينا قناعة راسخة بأن نائب الرئيس الأمريكي لم يأت من أجل استقطاب دعم عسكري أو تأييد سياسي لضرب العراق وإنما لعرض المبررات التي تتحجج بها ادارة بوش في تصميمها على ضرب العراق. النجاح الجوهري لقمة بيروت على هذه الجبهة يكمن في الاجراءات التي يمكن ان تتبناها وتشكل في مجملها مصداً يكبح الضربة الأمريكية ولا نقول منعها أو حماية الشعب العراقي. كذلك الخيارات المتاحة في هذا المضمار غير محدودة وليست عسكرية لكنها نافذة ويمكن ان تحدث مفعولاً، ذلك هو جوهر بيان القمة العربية الذي لم يكتب بعد