بيان الاربعاء: وصف المفكر والكاتب الإسرائيلي ديفيد جروسمان الوضع الحالي في إسرائيل بأنه «مثير للرعب» وقال ان الخوف من الموت الكامن في أية زاوية من زوايا مدن إسرائيل دفع الناس، إلى التمعن وراء الشعارات العتيقة التي يطلقها اليمين والى العجز عن التفكير ابعد من الخطوة التالية وكأنهم يعيشون كما لو ولدوا فوق القبور. وأوضح الكاتب الذي حاوره «بيان الاربعاء» في روما لدى مشاركته في ندوة وورشة عمل حملت عنوان «التعرف على الآخر» وشاركت فيها شخصيات فلسطينية بارزة ان اصرار رئيس وزراء إسرائيل ارييل شارون على ربط اقامة أو استمرار أي حوار بوقف كامل ومطلق للعنف يزيد من حلقة العنف والإرهاب. وفيما يلي نص الحوار: ـ كيف دار النقاش بينكم وبين الفلسطينيين خلال الندوة؟ ـ على عكس الواقع الذي جئنا منه، أنا وأصدقائي من الفلسطينيين، والمتميز بقدر عالٍ من العنف والكراهية ورغبة تصفية الآخر، فإن النقاش الذي دار بيننا كان ودياً وتميّز بالثقة المتبادلة في القدرة على بناء أساس للسلام معاً. لم تكن حواراتنا عصبية وركّزنا على القضايا التي بإمكاننا إيجاد حلول لها وتنفيذها معاً ليستفيد منها الشعبان. وأنا أعتقد بأن هذا الأمر دليل على أنه على الرغم من أن غالبية الشعبين مترددة في الوقت الراهن عن التوصل إلى تسوية للصراع فأنا واثق بأنه لن يكون مثيراً للاستغراب إذا اكتشفنا أن الرغبة الصميمية للغالبية هي العودة إلى التصالح وإقرار تسوية بينهما، خاصة إذا ما منح الشعبان الفرصة لتحقيق ذلك وإذا ما رسم أحد لهما السبيل إلى ذلك وفتح الباب أمام آمال السلام. إن أعداداً هائلة من الإسرائيليين والفلسطينيين مستعدة لدفع ثمنٍ باهظ لغرض التوصل إلى السلام. لكن المأساة الحقيقية تكمن في أنه لا يوجد لا على الجانب الإسرائيلي ولا على الجانب الفلسطيني من هو قادر على إعطاء شعبه الحل المنطقي الوحيد والممكن لهذه الأزمة، وذلك الحل هو الجلوس إلى طاولة المفاوضات وإيجاد الحل السياسي. الحل في التعليم ـ أين الحل؟ ـ التركيز على مسألة التعليم فالحل لن يأتي من خارج المنطقة. علينا أن ندرك معنى الحرب التي نعيش يومياً كما لو أن أمهاتنا ولدتنا فوق القبور. ثمة حضور مخيف للموت في حياتنا إنه شبح يمسك بنا بخيوطه السوداء ونبدو مبرمجين للحرب وللعداوة وللقتل ومبرمجين حتى لا ندرك كم هو ثقيل وباهظ الثمن الذي ندفع جميعاً لنعيش في ظرف مثل هذا وأن نسمح لهذه الأمور الرهيبة أن تصادر كل إمكانيات وآفاق ما يمكن أن نقدّمه لشعوبنا. لهذا السبب، إذا كنا راغبين في تغيير شيء ما علينا أن نبدأ الآن أو ربما كان علينا أن نبدأ منذ الأمس. علينا أن نقوم بصياغة آليّات جديدة للتربية والتعليم وهو ما ليس سهلاً على الإطلاق لأنه يشبه كما لو أن علينا أن نعلّم الأجيال الجديدة لغة جديدة، يدركون من خلالها لماذا الواقع الذي يعيشون في ظله ليس كما يتطلعون اليه وعلينا أن ندرك أيضاً بأن العمل طويل وعسير لأنه وحتى بعد التوصل إلى السلام تظل هناك عناصر وأطراف تحاول قتل ذلك الجنين. ـ أهذا إذن ما تحاولون أنجازه بهذه اللقاءات؟ ـ ما حاولنا إنجازه هنا هو خلق المضادات الحيوية والروادع المناسبة للأمراض القائمة وتلك التي ستأتي في المستقبل. دعني أورد لك حكاية قديمة: يوماً التقى شاب بشيخ عجوز يغرس نبتة شجرة خرّوب. وكما نعلم فإن شجرة الخرّوب تحتاج إلى عقود طويلة حتى تنمو وتؤتي الثمار، فسأله الشاب عن جدوى ما يفعله وهو في هذا العمر أجاب الشيخ العجوز ما اغرسه الآن ليس لي بل لأبنائي وأحفادي. نحن الآن نغرس الخرّوب لأبنائنا وأحفادنا. ما نفعل ربما لن يكون مفيداً لنا بل هو جوهري لحياة أبنائنا وأحفادنا. حياة من رعب ـ المجتمع المدني في إسرائيل يحتج دائماً على سياسة اليمين، لكنه عندما يتوجه إلى صناديق التصويت يعطي قدراً كبيراً من أصواته لليمين الذي انتقد قبل حين، أليس ذلك نوعاً من الشيزوفرينيا؟ ـ أنت على حق بشكل مطلق. ذلك ناتج برأيي من الرعب الذي يعيش في ظلّه الشعب الإسرائيلي، فعندما يكون الرعب عنواناً للحياة فإن الناس لا يفكرون بالخطوتين التاليتين معاً بل بالخطوة اللاحقة مباشرة. إنهم يفكرون فقط في اللحظة التالية للبقاء على قيد الحياة. وفي العادة تستند المواجهة بين كلا المرشحيّن في الانتخابات الإسرائيلية على مقدار الخوف والرعب الذي يغذّيه خلال الحملة الانتخابية ويفوز في العادة المرشح الذي يرعب الناس أكثر من غيره والمرشح الذي يصبغ بالقتامة مستقبل البلاد وأفق الغد فيه ويثير الشكوك والمخاوف. ويفوز في الانتخابات بشكل طبيعي للغاية. وبما أن المخاطر التي تحيق بنا جميعاً بسبب استمرار الصراع كبيرة فإننا نحتاج إلى طاقة كبيرة للتغلب على هذه المخاوف وعلى حالة الرعب هذه حتى لا تكون الحكم الفيصل في العملية الانتخابية. لكن على أية حال أنت على حق فيما أطلقت عليه من حالة الانفصام. حل باهظ الثمن ـ جبهة السلام في المجتمع الإسرائيلي باتت أضعف وأضعف، إذن ما هي التأثيرات التي يمكن أن يتركها نشاطكم وفعلكم بالتعاون مع الجانب الفلسطيني؟ ـ قبل كل شيء أود أن أعرب عن أسفي الكبير في أن اليسار في إسرائيل أصبح ما تبقّى من اليسار وليس ذلك اليسار الذي عهدناه في الماضي. إنه الآن يسار ضعيف جداً. لكن ذلك أمر يمكن إدراك أسبابه، فإذا عشت حياتك كلّها تحت حالة الرعب المطلقة فإن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، طرح أفكار التعاون المشترك والثقة المتبادلة مع الفلسطينيين. «الانتحاريون» يفجّرون أنفسهم في مدننا ونحن الآن داخل دوامة لا مخرج منها وحلقة مفرغة يعيش فيها الفلسطينيون حالة الإحباط المطلقة الأمر الذي يحوّل العديد منهم إلى قنابل موقوتة في الوقت الذي يصبح فيه اليمين المتطرف، بسبب ذلك، أكثر قوة وهيمنة. ـ وما المخرج، برأيك، ممّا أسميته بـ (الحلقة المفرغة)؟ ـ المخرج يكمن في أن يكون للشعبين زعامتان شجاعتان تتوجهان إلى المواطنين بقول الحقيقة. والحقيقة هي أن على كلينا أن يدفع ثمناً باهظاً للحل. ـ أي حل؟ ـ إن علينا نحن الإسرائيليين أن نهجر فكرة (القدس الموّحدة ) وعلينا أن نزيل جميع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية. وعلى الجانب الفلسطيني أن يقلع عن الاستمرار في الحديث عن عودة اللاجئين، فذلك الأمر غير قابل للتحقيق. في تلك الحالة فقط، في حال اتفاق الطرفين على هذه المبادئ، وفي حال بلوغ حالة النضج إزاءها نكون قادرين على البدء بالحديث عن التعاون المشترك والشراكة في عملية السلام. ـ لكن أنتم، الإسرائيليون، عندما تتحدثون عن السلام بلغة من يتنازل للفلسطينيين عن شئ يمتلكه. إنكم تتحدثون عن سلام تمنحونه وليس عن سلام تصنعونه بالتعاون مع الفلسطينيين. ألا تعتقد بأن هذا المنطق يقود إلى رؤية معوجة ومختلة للعلاقة بين طرفين يفترض أن يكونا متساويين؟ ـ أنت على حق في هذه المرة أيضاً. لكن أرجو أن تسمح لي بالقول بأن تلك ليست النظرة التي أتعامل بها أنا مع الموضوع. وهذا ما يحقق لي قدراً من الصفاء مع نفسي أنت على حق، إذ ليس علينا أن نفكر اننا نمنح الفلسطينيين شيئاً هو في الواقع من حقّهم. أعتقد أن كلا الطرفين سيستفيدان من السلام. آمل أن ينظر الفلسطينيون والإسرائيليون إلى بعضهم البعض بنفس النظرة المتساوية والمتوازنة. جميعنا بشر وجميعنا نستحق أن نعيش حياتنا على العكس ممّا يحدث الآن إذ لا يعيش أي منّا حياته بالشكل الطبيعي والمطلوب. إننا نعيش حياة موازية لما ينبغي أن نعيش فيه، إنها حياة ككابوس متواصل. وقد آن الأوان أن يعيش كلا الشعبين الحياة التي يستحقان لا أن يبقيا على قيد الحياة مابين كارثة وأخرى، أن يعيشا حقاً حياة بكل ما فيها من جمال وعذوبة إنسانية. ولكي يتحقق ذلك ينبغي أن تتعامل مع الآخر بنفس الاحترام الذي تحمله لنفسك. ـ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كان يسمي أوضاع التأزم المطلق في المنطقة بـ (النفق المظلم). والمنطقة الآن تبدو في العمق الأكثر ظلمة من هذا النفق، ومع ذلك تجتمع أنت هنا مع شخصيات فلسطينية لتتحدثوا عن مشاريع تعاون مشترك، فهل ترى بصيص أمل أو حتى نهاية لهذا النفق؟ ـ انه بصيص ضوء خافت وضعيف جداً. لكني أرى النور والضياء في شخصيات تؤمن مثلي بمستقبل السلام والتعايش. أنا أثق بشخصيات مثل سري نسيبة الذي يفكر بالمستقبل على أساس البدائل الموضوعية والواقعية. لقد حاولت أنا أيضاً، بالتعاون مع بعض الأصدقاء، صياغة أفكار تخرجنا من حالة الجمود والشلل المطلق. لكن، وعلى الرغم من أنها مساهمات هامة، فهي مساهمات ضعيفة وتحظى بدعم الأقليّة. إنها مهمة وضرورية، ولو لم تكن كذلك لما أقدمت على العمل من أجلها. لكن علينا أن ندرك بأن قوة الأفكار ضعيفة جداً في هذا الوقت، لأن قوة العنف، على الطرفين، أكبر بكثير وضجيج الإنفجارات وفرقعة القنابل والصواريخ أكثر صخباً وأعلى دوياً من قوة الصوت البشري ومنطق العقل. الطرفان مشلولان بشكل كامل. الإسرائيليون يعيشون في حالة رعب يتماثل فيها الموت والانفجار في أية لحظة، بالضبط كما يعيش الفلسطينيون مع الرعب الذي تحمله الصواريخ والقنابل والطائرات المروحية الإسرائيلية. الحالة تبدو وكأنها فقاعة مغلقة تحيط بنا جميعاً. وفي هذه الفقاعة المخيفة يتم تبرير كل الفظاعات والأعمال الرهيبة سواء على هذا الطرف أو ذاك. الأمل الكبير هو أن نتحرر من هذه الفقاعة المغلقة وأن نقوم بحلها من الخارج. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نجتمع معاً وأن نستفيد من الفرص المتاحة أمامنا من قبل المجتمع الدولي. شارون وعرفات ـ تحدثت عن شجرة الخرّوب التي كان يزرعها الشيخ العجوز لأبنائه وأحفاده وأوردت ذلك كمثال للعاملين الصبورين للسلام في الشرق الأوسط. ألا تعتقد بأن حكومة شارون وسياسته القمعية العنيفة أدت إلى تأخير نمو هذه الشجرة؟ ـ إذا كان عليّ أن أتحدث وأنا أنظر إلى الأفق القادم. فإن بإمكاني القول بأن كل ما أنجز منذ أوسلو وحتى الآن كان حتمياً. وربما بعد مئة عام من الصراع العنيف ومن محاولة تجريم كل طرف للآخر كان من العسير على الشعبين أن يبدآ بتطوير وإنضاج فكرة السلام بشكل سريع والتغلب على صدأ الماضي والتوصل إلى تسوية. وأكثر من هذا كله لا أعتقد بأن شارون وعرفات، قادران على تحقيق السلام. فكلاهما حبيسان لسيرتيهما الذاتية وما يمثلان لأنفسهما وشعبيهما. لذا من الضروري أن يأتي التطور من الزعامات الأخرى، من القاعدة ومن المجتمع المدني كما نحاول أن نفعل الآن. لكنني كإسرائيلي، أعتقد، بما أن إسرائيل تمتلك اليد الطولى والأقوى وبذا تمتلك مساحة مناورة أوسع آمل أن يكون رئيس وزراء بلادي أكثر قدرة على التحرك وإبداء الاستعداد وفي حساب النتائج والمخاطر. ولا أتحدث هنا عن المخاطر غير العقلانية والتي تحفل بها المنطقة، بل إن فسحة المناورة للحكومة الإسرائيلية واسعة جداً وبما أننا جميعاً نمتلك الحق في مقاومة «الإرهاب» فإنه أمر من قبيل اللامسئولية الامتناع عن العمل في بناء الأمل للفلسطينيين. إذا كنت «تقاوم» «الإرهاب» وتربط أقدار الأمور في الوقف الكامل لأي عمل عنيف فإنك تخلق المزيد والمزيد من «الإرهاب». لكن الآخرين سيفقدون أي أمل ولن يظل أمامهم طريق آخر غير «الإرهاب». أتمنى وآمل أن أشاهد طريق الأمل والآفاق الرحبة للتعايش. وما يخيفني هو أننا قد لا نشاهد هذا. تجسيد الحالة ودور المثقفين ـ وماهو الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقفون من الطرفين في هذه الحالة؟ ـ في وضع حرج مثل الذي نعيش فيه الآن ربما يكون بإمكان الناس الذين يمكن أن يقدّموا المزيد هم أولئك الذين يكونون مدفوعين بسبب فهمهم أو توجهاتهم الفكرية والأيديولوجية، إلى النظر إلى الواقع بوجهة نظر مختلفة. واسمح لي أن أتحدث عن حالة الكتّاب، لأنني كاتب وأعرف جيداً مهنتي. فعندما أكتب عن شئ أو حالة أو شخصية فإني أكتب ذلك من خلال حشد أكثر من رؤية حولها. اكتب عنها من خلال دائرة العلاقات والرؤى التي تحيط بها. فإذا أردت أن أكتب عن العامل الذي يحمل الآن أدوات الصوت في هذه القاعة، فإنني سأكتب عنه من خلال وجهة نظره ووجهة نظري ووجهة نظرك أنت ووجهة نظر الآخرين عنه. وإذا ما فعلت ذلك، فإنك، لا مناص، تمكنت من إخراج هذا الشخص من دائرة الكليشيهات والنمطية المعتادة. هذا الأمر مضافاً إليه حساسية المثقفين، يمكن أن ينقذ اللغة من الفساد. لأن الحكومات تسعى إلى إفساد اللغة وتطويعها لمصالح الحكم ومن خلال ذلك تحاول تطويع لمواطنين وتحويلهم الى أدوات لمخططاتها بما فيها الكثير من الفظاعات المغلّفة بلغة تدّعي النصاعة. إن علينا أن نكون على أهبة الاستعداد وأن نكون يقظين بالذات عندما تحاول الحكومة التلاعب باللغة والالتفاف علينا. الرعب داخل البيوت ـ لقد تحدّثت عن ابنك وعن المخاوف التي تعتورك وأنت تنتظره في المنزل. ما هو السؤال الأول الذي توجهه إليه عندما يدخل إلى البيت؟ ـ أول سؤال أوجهه إليه هو: (كيف كانت حالة الطريق؟ ) ولكن دعني اقول لك أكثر من ذلك. حتى بضعة أعوام خلت، كان اثنان من أبنائي يدرسان في نفس المدرسة في مركز مدينة القدس. أنا أشعر بقدر من الخجل أن أروي ذلك، لكنه ضروري لرسم الحالة التي نعيش في ظلها. فقد كنا، زوجتي وأنا، نتلاعب ونخترع الوسائل التي تحول دون صعود كلا الصبيين على نفس الحافلة التي تحملهما إلى المدرسة. فقد كنا نجعل الأول يستقل حافلة السابعة وثلاث دقائق مثلاً ويستقل الثاني حافلة السابعة وعشر دقائق. المهم أن لا يستقلا نفس الحافلة. كنا خائفين. وكان علينا، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، أن ننجز هذه الحسابات الرهيبة. وهذا ما يمكن أن يعطيك صورة للوضع الذي نعيش في ظله. دعوة غير شاعرية لشارون ـ والوضع كذلك ما هي النصائح التي يمكن أن تقدّمها إلى رئيس وزراء اسرائيل آرييل شارون؟ ـ إذا كان شارون قادراً على الاستماع إلى نصائحي فإنني أقول له عليه أن يتمتع بكرم الذات تجاه شعبه وأن يكون أكثر تخوفاً على هذا الشعب وأن يتوجه إلى ياسر عرفات ليقول له: (إن علينا أن نتحدث معاً الآن. إن علينا أن نكافح الإرهاب). لكن ينبغي على شارون أن يدرك بأن الإرهاب ليس سبباً كافياً لإيقاف عملية السلام. لأن الإرهاب للأسف الشديد سيستمر لوقت طويل. أنا أشعر برعب شديد وأنا أقول ذلك، لكن هذا هو الواقع. سيكون علينا أن نتعايش لزمن طويل مع «الإرهاب». لأن داخل المجتمع الفلسطيني، وفي المجتمع الإسرائيلي أيضاً، ثمة أطراف لا تؤمن بإمكانية السلام. إنهم المتطرفون الذين سيحاولون قتل أية إمكانية للاتفاق. وإذا كان الاتفاق في بعض الحالات مؤلماً فاننا سنرى ألماً أكبر يتسبب فيه أعداء الاتفاق. لكن ما آمل فيه هو أن يصل شارون إلى القناعة بأنه ليس بإمكاننا ربط الحوار من أجل السلام بعمليات «إرهابية». إن علينا أن نبدأ في الحديث الآن وفي الحال. وإذا ما وقعت أعمال إرهابية فإن علينا أن نواصل الحوار والحديث والبحث عن الحل. هذا ما ينبغي أن يكون رد فعلنا، أي أن نكون أكثر التصاقاً بفكرة السلام عندما يعمل الآخرون على تدميره وقتله. علينا مواصلة جميع الجهود حتى نتمكن من خلق الأوضاع اللازمة بين الشعبين للتعايش وعدم تشجيع «الإرهاب». ـ في ظل الظروف الحالية تبدو دعوتك بأن يتوجه شارون إلى الرئيس عرفات بتلك الطريقة ضرباً من الأحلام الشاعرية فما ردك على ذلك؟ ـ لا أعتقد أنها مجرد شاعرية. أنا أتحدث بالملموس. أتحدث عن الأفكار القابلة للتحقيق. إذا كنت تعني بأنني واهم وحالم، فإنني أقول لك العكس فالأوهام غذاء المتطرفين وأولئك الذين يعتبرون أنفسهم قادرين على حل جميع الأمور وبشكل نهائي، أي أن بإمكان إسرائيل تحديد جدول الأعمال والاستمرار في الاستفادة من دعم العالم والولايات المتحدة لها دائماً. هؤلاء هم الواهمون. أنا لا أعتقد بأن أفكاري التي أعبر لك عنها هنا تمتلك شعبية كبيرة لدى الأغلبية في إسرائيل، وذلك لأن تلك الأغلبية، كما قلت، تعيش في حالة الرعب التي تحول دون أن يتمكنوا حتى من التفكير بأية إمكانية للتسوية مع الفلسطينيين. الكثير منهم يعتقد أنه ضرب من الجنون حتى الكلام مع الفلسطينيين لكنك ستدهش فعلاً إذا قلت لك ان الغالبية من الإسرائيلين يدعمون فكرة الحل، لأن ذلك الحل هو الأمر الوحيد الذي يضمن أمننا. بالطبع إذا توفرت لنا زعامة قادرة على فهم ذلك وتمتلك الرغبة في العمل من اجله.