بيان الاربعاء: بعد سنوات طويلة من غياب أي مبادرات عربية لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي وبعد سنوات من وقوف العالم العربي موقف المتلقي للمبادرات الخارجية، انطلقت من الرياض مبادرة جديدة قادها ولي العهد السعودي تضمنت فكرة واضحة وهي «الانسحاب الإسرائيلي» الكامل من كل الاراضي العربية المحتلة في مقابل الاعتراف والتطبيع الكامل لكل الدول العربية. وقد اكتسبت هذه المبادرة منذ انطلاقها ـ بواسطة الصحفي الأمريكي توماس فريدمان- أهمية خاصة بالنظر إلى الشخص الذي نُسبت إليه هذه المبادرة، والدولة التي أطلقت منها، وكذا التوقيت الذي أطلقت فيه. وقد أدى إعلان ولي العهد السعودي عن وجود مبادرة سعودية لإحلال السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط إلى حركة سياسية نشطة ليس في عواصم الشرق الأوسط وإنما في عواصم القرار العالمية. وثمة تساؤل يطرح نفسه منذ إطلاق المبادرة، مؤداه هل تنجح هذه المبادرة في إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ بيد أن الإجابة عن مثل هذا التساؤل تتطلب تقديم تحليل كامل للمبادرة يتضمن الظروف التي جاءت فيها، وأهم إيجابيات وسلبيات المبادرة، وردود الأفعال بشأنها، وكيفية تفعيلها، انتهاءً بمحاولة استشراف فرص نجاحها. متابعة للظروف التي جاءت فيها المبادرة، نجد ان المبادرة اكتسبت اهمية اضافية في ضوء الظروف والمعطيات التي جاءت فيها، والتوقيت الذي طرحت فيه، فضلاً عن اكتساب المبادرة اهمية خاصة نابعة من الدول التي انطلقت منها والشخصية التي اطلقتها. فعلى صعيد الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد جاءت المبادرة في أعقاب المأزق الخطير الذي وصلت إليه مفاوضات التسوية خصوصًا إثر أحداث 11سبتمبر التي شهدتها الولايات المتحدة وتجاهل الإدارة الأمريكية للمطالب العربية المشروعة، وانحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل التي تسعى جاهدة للإجهاز على الشعب الفلسطيني وإنهاء قضيته الوطنية، بما في ذلك تدمير البنية التحتية وتفكيك أجهزة ومؤسسات السلطة الفلسطينية ومحاولة إنهاء أو إقصاء وتحجيم نفوذ رئيس السلطة ياسر عرفات، وإعادة احتلال وتطويق المدن والقرى الفلسطينية وتصعيد المجازر المرتكبة بحق المدنيين والكوادر وفرض سياسة الحصار والتجويع والإفقار الكامل للشعب الفلسطيني. كما تأتي المبادرة بعد قرابة عام ونصف العام من حلقة من أعظم وأمجد حلقات النضال الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة أثبت بها الشعب الفلسطيني قدرته على الصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية الهائلة، بل على إحداث ضرر متصاعد بهذه الآلة وبالمجتمع الإسرائيلي نفسه. وعلى صعيد الولايات المتحدة الأمريكية، فثمة انشغال أمريكي واضح بالحرب على الإرهاب، وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع الدور الأمريكي في عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط. إلا أن هذا التراجع صاحبته سمة إيجابية تمثلت في ابتعاد الإدارة الأمريكية على حد زعم المراقبين ـ عن التوجه الشاروني ورهانها على التوجه السلمي العربي، الأمر الذي دفع كثيرًا من المراقبين إلى التنبؤ بقيام الولايات المتحدة الأمريكية باحتضان المقترح السعودي لاسيما أنه يتماشى ويتجاوب مع ما جاء في خطاب «الرؤية» للإدارة الأمريكية. والذي أشارت فيه الإدارة الأمريكية إلى أن إسرائيل مطالبة «بإنهاء الاحتلال» ومعالجة «الوضع النهائي» من أجل إقامة دولة فلسطين ضمن حدود 1967 والتفاوض على قاعدة قراري 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام. وعلى صعيد الداخل الإسرائيلي، فثمة صحوة لقوى السلام في الداخل الإسرائيلي، عكسها قيام مجموعة ضباط احتياط بالتمرد على الواجب العسكري بالخدمة في الأراضي المحتلة، وقد بلغ عدد هؤلاء المتمردين المئتين، وهم في الطريق لأن يصلوا إلى خمسمئة تحت رعاية حركات السلام الإسرائيلية. وكذلك يطالب خبراء عسكريون بالانسحاب المنفرد من مناطق واسعة من الأرض المحتلة. أوروبا والأمم المتحدة وعلى صعيد الأطراف الدولية الأخرى المعنية بعملية السلام، وتحديدًا الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، فثمة تطور في مواقف هذه الأطراف بصورة لافتة ليشكل ما أسماه البعض «درعًا حاميًا»للسلطة الفلسطينية، وليبرز إخفاق المنطق الأمني الذي تبناه أرييل شارون. وكلا الطرفين ـ أي الأوروبي والأمم المتحدة ـ يشددان على ضرورة إزالة الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة مقابل التطبيع في إطار السلام. كما أن كليهما يشير إلى أن تفاهمات «تينيت» الأمنية وتوصيات ميتشيل التي انطلقت من المنطق الأمني، باتت عثرة في طريق استئناف العملية السياسية، بسبب انتهاز شارون لها. وعلى الصعيد العربي، فإن المبادرة السعودية جاءت في توقيت حاسم للغاية على الصعيد العربي، بالنظر إلى ما يلي: 1 ـ إن هذه المبادرة جاءت في وقت تتطلع فيه الأمة العربية إلى مبادرة جريئة تجمع بين تقديم التنازلات وتحقيق المكاسب. تقديم تنازل استراتيجي يتضمن الاعتراف العربي الكامل بإسرائيل، وتحقيق مكاسب مهمة في ضوء الواقع العربي والدولي الحالي. 2 ـ إن هذه المبادرة جاءت في ضوء يقين عربي بأن العرب لم يتمكنوا من إحراز تقدم ولو نسبيًا في مواجهة إسرائيل إلا باللعب بكارت جديد اعتمد بالدرجة الأولى على توجه مختلف وأسلوب غير تقليدي في التعامل مع الصراع الذي سيطر على المنطقة لأكثر من نصف قرن من الزمان، وبالتالي فإن تسوية الصراع تحتاج إلى مبادرات من هذا النمط المختلف شريطة أن تحظى بقبول عربي عام وتأثير دولي ملموس. 3 ـ تأتي هذه المبادرة في إطار الاستجابة العربية لمطلب أمريكي ودولي يرى أن على العرب عدم البقاء في موقع المتلقي للمبادرات القادمة من الخارج لرفضها أو قبولها، وإنما لابد أن يكونوا في موقع المبادر، ويطرحوا مشروعًا لملء فراغ «الحصة العربية» في ساحة المناورات الإسرائيلية. 4 ـ كذلك جاءت المبادرة قبيل الزيارة السنوية للرئيس مبارك للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ضمن للقمة أن تكون محل نقاش بين الولايات المتحدة الأمريكية راعية عملية السلام وجمهورية مصر العربية الدولة المحورية في الشرق الأوسط والتي يتطلب نجاح أي مبادرة بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي تأييدها. 5 ـ وأخيرًا فإن المبادرة السعودية جاءت لتنقذ القمة العربية المنتظر عقدها في بيروت أواخر الشهر الجاري، إذ لم تظهر على الساحة العربية قبل إعلان المبادرة أي رؤية جديدة بخلاف تكرار نفس القرارات القديمة الأمر الذي دفع المراقبين إلى القول بأن المبادرة السعودية قدمت جدول أعمال للقمة يخرجها من المأزق الذي كانت تعانيه. ويأتي على رأس الملاحظات التي يمكن تسجيلها بخصوص المبادرة السعودية، أنها تشكل حلقة في سلسلة طويلة من المواقف الداعمة للقضية الفلسطينية فالمملكة العربية السعودية هي صاحبة أول مبادرة عربية جماعية للسلام وهي مبادرة خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز والتي عرفت بمشروع الأمير فهد للسلام. وهو المشروع الذي أقره مؤتمر القمة العربي في فاس عام 1982. حوارات سابقة والجدير بالذكر أنه وفي وقت سابق لهذه المبادرة تبنت المملكة ـ بعد مبادرة السادات، وفي ضوء الوضع الفلسطيني الحرج ـ الحوار مع الرئيس كارتر، ودخلت الدبلوماسية السعودية نيابة عن القيادة الفلسطينية في حوار وتواصل مع الإدارة الأمريكية برئاسة كارتر، والذي طلب أن يلتزم الجانب الفلسطيني بالقرارين 242 و338 وتم الاتفاق بالفعل على صيغة ما، إلا أن هذه المبادرة تم إخفاقها من قبل العناصر المعارضة للسلام . وفضلاً عن المبادرات السعودية، فإنه لا يمكن إغفال الدعم المطلق الذي قدمته المملكة للانتفاضة، والرفض الكامل لعملية التطبيع مع إسرائيل بسبب تعثر عملية السلام وتمسك إسرائيل باحتلالها للأراضي العربية التي تسيطر عليها، ولقد برزت السعودية في مقاومة عملية التطبيع مع إسرائيل إلى الدرجة التي دفعت بعض المحللين السياسيين إلى القول، كما أنه لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا، فإنه لا إمكانية للتطبيع دون المملكة العربية السعودية. وتتطلب أي قراءة موضوعية للمبادرة الإشارة إلى كل من الجوانب الإيجابية والسلبية فيها، وذلك في محاولة للخروج برؤية واضحة بشأن مدى إمكانية نجاحها على أرض الواقع من عدمه. وعلى صعيد إيجابيات المبادرة السعودية التي أطلقها الأمير عبدالله ولي العهد السعودي، يمكن الإشارة إلى الملاحظات الآتية: أولاً: إن المملكة العربية السعودية، وهي القوة الإقليمية المحافظة، والتي اتسمت دائمًا بالحذر السياسي، اتخذت في الفترة الأخيرة مسلكًا جديدًا يتصف بالشجاعة ويقوم على أسس موضوعية جديدة. هذا المسلك وإن كانت المملكة دشنته بخطاب ولي عهدها في قمة مسقط عام2001، إلا أنها طورته لينتهي في صورة مبادرة يعلن فيها ولي العهد استعداد المملكة لتكون طرفًا في اعتراف كامل بإسرائيل إذا ما انسحبت الأخيرة بالكامل أيضًا من الأراضي العربية المحتلة في يونيو 67 وهي لغة جديدة تلقى قبولاً أكبر لدى دول العالم المختلفة، برغم أنها لا تمثل تنازلاً عربيًا أو تشير إلى تفريط في حق أو توحي بالتخلي عن شيء من الثوابت القومية. ثانيًا: تشير المبادرة السعودية بوصفها هجومًا عربيًا غير مسبوق تقوده الرياض إلى معسكر السلام، وبوصفها رسالة طالما انتظرتها الإدارة الأمريكية الجديدة لتحويلها إلى ورقة ضغط على إسرائيل. وهي في ذلك تتميز بأنها -على حد قول المراقبين ـ تزيل الغموض الذي يشعر به الإسرائيليون والأوروبيون والولايات المتحدة حول تقبل العرب للوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية. ثالثاً: تشير المبادرة إلى أن ورقة «التطبيع الكامل» التي احتفظت بها السعودية حتى مراحل المفاوضات الأخيرة لتحصيل ما يمكن تحصيله من خلالها، استخدمت بقوة بعدما بات مطلوبًا الحفاظ على الأرض والرمز بما يعني إمكانية وضع «تسريع استخدام هذه الورقة» في إطار التنازل الأخير الذي يقدمه العرب حفاظاً على العملية السلمية. رابعًا: إن المبادرة والتي تربط الاعتراف العربي الكامل بالانسحاب الإسرائيلي الكامل حتى حدود 4يونيو 1967 بما في ذلك القدس الشرقية، وإقامة الدولة الفلسطينية يشكل انعطافًا عن المبدأ الذي دشنته اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل وعودة إلى فكرة الموقف التفاوضي العربي الواحد. وفي هذا الإطار، يشير المراقبون إلى أن إعلان المبادرة السعودية يدشن لمرحلة جديدة ثالثة من الصراع العربي الإسرائيلي بعد مرحلتين اتسمتا بالانفرادية. فالمرحلة الأولى، التي أفضت إلى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، والمرحلة الثانية، التي قادت إلى اتفاق أوسلو عام 1993 والى اتفاق وادي عربة بين اسرائيل والاردن ويشير هؤلاء إلى أنه كان في مقدمة الأخطاء والأخطار المنبثقة عن هذا النهج إبعاد العملية التفاوضية تمامًا عن إطار الشرعية الدولية، وبالتالي انفراد الولايات المتحدة ـ الشريك المصيري للدولة اليهودية ـ بدور الراعي أو الوسيط المحايد! خامسًا: إن هذه المبادرة ستساعد في كشف الصورة أمام الرأي العام الأمريكي، وتبين من هم الذين مع السلام، ومن هم ضده. كما أن هذه المبادرة سيكون من شأنها التأثير على إسرائيل، إذ إنها ستنشط أكثر تطورات الحوار في المجتمع، وتضعف المتشددين أمثال شارون ونتانياهو. سادسًا: تهدف المبادرة الشاملة للأمير عبدالله إلى إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي بمجمله من خلال معالجة جميع القضايا ومشاكل هذا الصراع. فقد أعادت مبادرة ولي عهد المملكة العربية السعودية إدخال قضية الجولان إلى جوهر الحل الشامل، كما تقدم حلولاً للقضايا الصعبة التي أدت إلى تدهور الأوضاع الحالية. فالمبادرة السعودية عندما تؤكد على مسألة الانسحاب الإسرائيلي الكامل فإنها تتضمن معالجة تلقائية مباشرة لقضيتي القدس والمستوطنات، ومعالجة تلقائية غير مباشرة لقضية عودة اللاجئين. سابعًا: إن المبادرة كشفت عن تبلور رأي واضح حول علاقة التطبيع بالتسوية، واختزلت المسافة الزمنية بينهما، فالاعتراف والتطبيع الشامل هو مقابل مباشر للانسحاب الشامل. وتشكل هذه المبادرة بهذا الوضوح ورقة ضغط هائلة على حكومة شارون التي لا تمتلك رؤية سياسية أو برنامجًا للتسوية بالتوافق أو عبر التفاوض. محاذير وانتقادات وإذا كان ما سبق قد تضمن أهم إيجابيات المبادرة السعودية، فإنه تجدر الإشارة أيضًا إلى أهم المحاذير التي أخذت عليها، والتي يمكن بلورتها في انتقادين أساسيين: الانتقاد الأول: ما يراه البعض من أن الإعلان عن المبادرة جاء في سياق حملة علاقات عامة تنفذها المملكة العربية السعودية «لترميم» علاقاتها مع واشنطن وهي العلاقات التي تأثرت بشدة منذ أحداث 11سبتمبر. ويدلل أصحاب هذا الانتقاد على وجهة نظرهم بأن المبادرة تم الإعلان عنها من منبر أمريكي وتحديدًا في حديث صحفي مع الكاتب توماس فريد مان الذي يعد من أبرز كتاب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية. إلا أن هذا الانتقاد يمكن أن يخرج حديث المبادرة عن سياقه، ويتجاهل معطيات مهمة يأتي على رأسها قِدم الدور السعودي على صعيد القضية الفلسطينية وبدون العودة كثيرًا إلى الوراء لرصد المواقف السعودية المؤيدة للحق الفلسطيني والعاملة على إرجاعه، فقبل أحداث سبتمبر قام الأمير عبدالله باتصالات مع إدارة الرئيس بوش يحثها على التحرك للضغط على إسرائيل بهدف إحياء عملية السلام التي احتضرت بوصول أرييل شارون إلى الحكم، كما اتخذ الأمير عبدالله ولي العهد السعودي قرارًا يكاد يكون غير مسبوق بإلغاء زيارة له لواشنطن احتجاجًا على الانحياز الأمريكي الصارخ إلى جانب شارون وغض الطرف عن ممارساته في الأراضي المحتلة. وتبين لاحقًا أن هذه الجهود السعودية أدت إلى إقناع الإدارة الأمريكية بأهمية التحرك العاجل، واتخاذ خطوات تجاه الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. أما الانتقاد الثاني: فيتمحور حول أن المبادرة لم تتحدث عن حق العودة، الذي كفلته كل قرارات الأمم المتحدة منذ قرار التقسيم مرورًا بقراري 242و 338، ومبدأ «الأرض مقابل السلام» في مؤتمر مدريد، انتهاء بقرارات قمة القاهرة 1996، وكلها أقرت حقوقًا للشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف. وهو ما اعتبر نقطة ضعف رئيسية في المبادرة، فضلاً عن خلو هذه الأخيرة من الحديث عن تفاصيل أخرى مثل السيادة للدولة الفلسطينية المنتظرة والحسم النهائي لوضع القدس، ووضع المستعمرات الصهيونية في الأراضي العربية وحدود إسرائيل.. إلى آخر القضايا الشائكة التي تتطلب قدرًا من التحديد والتفصيل. وفي هذا الإطار تجدر مقارنة صيغة المبادرة السعودية الحالية بصيغة المبادرة السعودية المطروحة في قمة فاس عام 1982، والتي تضمنت بطبيعة الحال النص على الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967، إلا أنها زادت على المبادرة الحالية عدة أمور أهمها: النص على إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية بعد 1967، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف وتعويض من لا يرغب في العودة وقيام الدولة الفلسطينية. وفي ضوء هذه المقارنة يمكن القول بأن المبادرة الحالية أقامت معادلة متوازنة بين الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة والاعتراف بإسرائيل والتطبيع الكامل معها. دون نص على التفاصيل التي أوردتها صيغة فاس، ولذلك يقترح الخبراء أن تتضمن مبادرة الأمير عبدالله ـ في حال تبنيها من قبل قمة بيروت القادمة ـ ديباجة يتم فيها الإشارة إلى أن هذه المبادرة تأتى في سياق صيغة فاس وليست بديلاً عنها حتى لا يتصور أحد أن هذه المبادرة تسقط مطلبًا في إزالة المستعمرات أو حقًا في العودة. وفي السياق ذاته، وردًا على الانتقادات الموجهة إلى المبادرة السعودية لعدم حديثها عن حق العودة، أكد الدكتور نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني أن مبادرة الأمير عبدالله تتضمن الدعوة إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين وانسحاب إسرائيل إلى حدود 1967. وأشار إلى أن الأمير عبدالله قد أكد له خلال لقائهما في المملكة أن مبادرته تقوم على قرارات الشرعية الدولية، بما فيها القرار 194 الذي يؤكد على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين. تفعيل المبادرة وعلى الرغم من أهمية تقديم قراءة متأنية للمبادرة وتحليل ما جاء فيها، فإنه ينبغي أيضًا عدم الوقوف عند مرحلة القراءة فقط لتتجاوزها إلى الحديث عن تفعيل المبادرة، وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى ما يلي: ـ ضرورة أن تتضمن المبادرة جدولاً زمنيًا محددًا وصارماً للتعامل مع القضايا الحساسة التي عطلت جهود السلام إلى الآن. ـ ضرورة أن تتضمن المبادرة إعطاء إسرائيل بديلاً واضحًا وليس جملة من البدائل والخيارات، إذ إن الخبرات السابقة أثبتت إخفاق الجهود الماضية التي لم تكن نهايتها واضحة، وفي هذا السياق فإن ما ينبغي على المبادرة تحقيقه هو تقديم صورة واضحة وشاملة لإسرائيل عن مرحلة ما بعد السلام من منظور التعاون الاقتصادي والأمني، وبعبارة أخرى فإن على المبادرة أن تكون واضحة إذا ما أرادت إسرائيل التطبيع والتجارة فعليها الموافقة على شروط جلية تتضمن الانسحاب والاعتراف بدولة فلسطينية كاملة الاستقلال، والاستجابة لقرارات الشرعية الدولية. ـ ضرورة بذل جهد وتحرك واسع على صعيد السياسة والدبلوماسية والإعلامية لتقديم الدعم لهذه المبادرة، ويرى بعض الخبراء في هذا الإطار أن يقترح الأمير عبدالله تشكيل وفد من القادة العرب ممثلي دول المواجهة ويرأسهم الأمير نفسه للقيام بجولة عالمية لتوضيح مفهوم الانسحاب الكامل والصلح الكامل. ـ وعلى الصعيد السعودي، يشير بعض المراقبين إلى ضرورة التعامل مع قضية التطبيع بشفافية تختلف عما هو سائد في وسائل الإعلام المحلية، حيث إن إعطاء الآراء المختلفة للخطوة الرسمية مساحة من الحرية سيكون مفيدًا في ممارسة ضغط على الأطراف الأخرى، وتقوية مركز المفاوض السعودي بورقة الرأي العام. ـ العمل بقوة على معارضة ومقاومة أي محاولة لإعادة تفسير اقتراح الأمير عبدالله، فالجدير بالذكر أن بعض الأوساط الأمريكية قد أيدت رغبتها في تخفيف الاقتراح السعودي وذلك بترك سوريا جانبًا في الوقت الراهن، والتقليل من شأن المطلب العربي بانسحاب إسرائيلي كامل إلى حدود ما قبل 1967، بعبارة أخرى ينبغي التمسك بطرح الأمير عبدالله، وهو الانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل، وذلك لأن الدخول في تفسيرات وتأويلات لن يقود إلى نتيجة جديدة. ـ وعلى أهمية العناصر السابقة، التي تصب جميعها في مصلحة تفعيل المبادرة السعودية، تتبقى النقطة الأهم، وهي توسيع نطاق المبادرة. فالمبادرة حتى الآن تكتسب صفة سعودية، وقد حظيت المبادرة حتى الآن بتأييد ظاهر من عدد من الدول العربية، ومن المفيد للمفاوض العربي والفلسطيني أن تكون المبادرة سعودية المنشأ عربية النطاق، بمعنى أن تعرض على قمة بيروت لتناقشها وتعدلها إن شاءت ثم تتبناها، وذلك لتعبر في النهاية عن موقف عربي جماعي من قضية التسوية. ويشير الكثير من المراقبين إلى أن القمة العربية المقبلة التي ستنعقد في بيروت أواخر مارس الجاري، سيتعين عليها أن تحول مبادرة الأمير عبدالله إلى ورقة عمل يتم التحري على أساسها، ويذهب البعض الآخر إلى ضرورة تحويل هذه المبادرة إلى مقررات للقمة يتم إبلاغها بعد ذلك للأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول ذات العلاقة للسعي في تنشيط عملية السلام. تمتلك المبادرة السعودية الكثير من مقومات النجاح التي تعزز من فرص تحولها إلى برنامج عمل حقيقي يسهم في حل قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويأتي على رأس هذه المقومات، ارتباط المبادرة بمسئول في حجم ومكانة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي، فمن ناحية لا يستطيع أحد المزايدة على مواقف ولي العهد السعودي العروبية ومواقفه المساندة والداعمة للحقوق الفلسطينية، وهي المواقف نفسها التي تنتهجها السياسة الخارجية السعودية التي يشكل دعم الفلسطينيين ركنًا ثابتًا فيها، ومن ناحية أخرى، فإن ولي العهد السعودي بما يملك من رؤية على الساحتين العربية والعالمية إضافة إلى خبراته السابقة كسياسي عايش تطورات الصراع في الشرق الأوسط، تجعل لديه القدرة على حشد التأييد العربي سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي حول فكرة التطبيع الكامل للعلاقات مع إسرائيل. أما ثاني مقومات النجاح، فيأتي من المملكة العربية السعودية التي لا تخوض نزاعًا مباشرًا مع إسرائيل، وليس لديها مشكلة أرض محتلة، ولكنها تعد طرفًا رئيسيًا ومؤثرًا في معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي لما لها من مكانة ووزن في العالمين العربي والإسلامي سواء من ناحية الدينية، أو من ناحية المحورية السياسية أو من ناحية الإمكانات والقوة الاقتصادية، وهو ما يسهم مجتمعًا في إعطاء ثقل ووزن وصدقية عالية وبعدًا عمليًا ومهمًا،إذ تدرك إسرائيل أن التطبيع السعودي سيكون هو مفتاحها للدخول إلى المنطقة العربية. قوى الدفع الذاتية وعلى الرغم من أن المبادرة تمتلك قوى دفع ذاتية فإن نجاحها لا يتوقف فقط على هذه القوى، وإنما يتوقف أيضًا على مواقف الأطراف منها، وتحديدًا الموقفين العربي والإسرائيلي. فالموقف العربي ضعيف بسبب انقسامه إلى مصالح سياسية غير متوافقة، مما يفسح مجالاً واسعًا للمناورة أمام كل الأطراف، وتجدر الإشارة إلى أن نجاح المبادرة السعودية سوف يتوقف على الحالة التي سيكون عليها الموقف العربي في أعقاب قمة بيروت القادمة، وهل ستنجح في إعادة تفعيل دور الأمم المتحدة والدور الأوروبي، بعبارة أخرى هل ينجح الموقف العربي في الحد من هيمنة الدور الأمريكي على عملية السلام. وعلى الرغم من منطقية الربط بين نجاح المبادرة وتبنيها من قبل مؤتمر القمة العربي القادم في بيروت، فإن ثمة وجهة نظر مخالفة ترى أن التركيز على أهمية أن يقوم السعوديون بتقديم هذه الأفكار إلى القمة العربية لتبنيها يضع هذه المبادرة في خطر إفقادها أهميتها، ذلك أن عرضها على الجامعة سيثير ثلاث مشكلات الأولى: أن قرارات الجامعة العربية ليست ملزمة في غالبيتها العظمى وفي أغلب الأحيان يتم تجاهل هذه القرارات بمجرد انفضاض مؤتمر القمة والثانية: أن هناك سبع أو ثماني دول عربية أعلنت بالفعل تأييدها للأفكار السعودية، ومن ثم فإن عرض المبادرة على الجامعة يظل أمرًا لا جدوى منه مادامت أن الدول التي يرجع لها أن توافق على هذه الأفكار وأن تتبناها كسياسات فردية لها قد فعلت ذلك أصلاً من دون عرضها على القمة العربية. والثالثة: أنه في حال عدم قبول المبادرة أو عدم نجاحها في تبنيها بالإجماع لسبب أو لآخر سيعرض المبادرة بأكملها للخطر. أما الموقف الإسرائيلي، الذي يمثل المحدد لنجاح المبادرة، فلا يبدو متجاوبًا معها، ففي أعقاب المبادرة دعا الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف ولي العهد السعودي الأمير عبدالله لزيارة القدس لعرض مبادرة السلام التي اقترحها كما أعلن استعداده للتوجه إلى الرياض لبحث المبادرة مع المسئولين السعوديين وكذا استعداد شارون لقاء أي مسئول سعودي للبحث في المبادرة، يبد أن المتأمل لهذه الدعوات الإسرائيلية يدرك جيدًا أنها تهدف إلى تجريد المبادرة السعودية من عمقها العربي ووضعها في خانة الإطار الثنائي بين الرياض وإسرائيل، وهو أمر لا تقبله السعودية ذاتها، بعبارات أخرى فإن توالي ترحيب السياسيين الإسرائيليين للمبادرة لا يعبر عن موقف حقيقي مرحب للسلام بقدر ما يعبر عن محاولة واضحة لخلق حالة ثنائية طال انتظارها مع السعودية، ولفصل مبادرة الأمير عن إطارها العربي والإسلامي وإدخال الرياض في أزمة كلام عن التطبيع وما يثيره من حساسيات شعبية. وعلى صعيد الحكومة الإسرائيلية وموقفها الحقيقي من المبادرة، يشير المراقبون إلى أن شارون ليس لديه برنامج سياسي مقبول من الفلسطينيين، أو بصورة أدق فإن البرامج السياسية التي لدى شارون لا يمكن أن تكون بداية لعملية سياسية جدية، ويرى هؤلاء أن الوضع الأكثر إحراجًا لشارون هو العودة إلى طاولة المفاوضات، لأنه سيبدو في هذه الحالة زعيمًا ليست لديه أفكار يمكن أن تكون أساسًا لاتفاق سلام حقيقي مع الفلسطينيين، نجاح المبادرة السعودية، يتوقف إلى حد كبير على الدور الأمريكي والتعاطي الأمريكي لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، حيث يمكن لواشنطن أن تستخدم هذه المبادرة على الأقل من أجل تحقيق هدفها القصير الأمد، وهو تخفيف العبء عن الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنهاء العنف، ووقف عمليات القتل وربما يمهد ذلك الأجواء لحكومة إسرائيلية جديدة لالتقاط الخيط ومواصلة العملية السلمية بالجلوس إلى مائدة المفاوضات ومعالجة قضايا الوضع النهائي مع الفلسطينيين، كما ان نجاح المبادرة رهن بموقف الأطراف المختلفة منها، ورهن بوجود إرادة حقيقية لدفع عملية التسوية ووضع نهاية للصراع في المنطقة.