بيان الاربعاء: لا تهللوا فرحا ولا تتمايلوا طربا اعتقادا بأن الادارة الامريكية عادت فجأة الى رشدها واتزنت، وعدلت من موقفها الملتزم بدعم اسرائيل ، فالمواقف السياسية لا تعدل الا عندما يؤثر في المصالح والمصالح الامريكية، مضمونة عند العرب مهما جرى، الامر الذي بالتالي يجعل المصالح الاسرائيلية مضمونة ومرعية لدى واشنطن، التي تتصرف في احيان بحرص اكبر على مصلحة متبناها المدلل، ولكن العاق احيانا: اسرائيل . لذلك يجدر عدم التهويل واعتقاد ان تحولا ايجابيا قد طرأ على الموقف الامريكي لمجرد اعلان الرئيس بوش نيته ايفاد المبعوث انتوني زيني الى المنطقة الاسبوع المقبل، فقد جاء زيني في السابق ولم نحصد منه سوى الانتقادات اللاذعة المعلنة والمسربة، والتي منحت شارون متنفسا ومنفذا لتصعيد عدوانه على الفلسطينيين في الارض المحتلة، ومجيئه هذه المرة لا يحمل في ثناياه ما يمكن ان يبشر الجانب الفلسطيني بخير وافد ولو كان هناك تغير في الموقف الامريكي وفائدة ترجى من مجيء زيني لكان اعلن بوش بحزم عن طلب امريكي بوقف تام للعمليات العسكرية واطلاق النار في ساعة محددة من تاريخ محدد .يعقبها وصول الموفد الامريكي ليبحث في الكيفية السياسية لحل الصراع، لا ان يصبح موضوع ايقاف العمليات العسكرية واطلاق النار محور مهمته في المنطقة ومدخل الرؤية الامريكية للسيطرة على الاوضاع واخماد الانتفاضة الفلسطينية. فالمعروف ان استمرار التشبث الامريكي بخطة تينيت وتقرير ميتشيل يسبق الامني على السياسي اولا، ويضع عبء تحقيق الهدوء الامني كاملا على الجانب الفلسطيني ثانيا لذلك فان مجيء زيني مجددا لن يؤدي الا الى اعادة عقارب الساعة الى مواضعها السابقة، ويلقى باللوم، وبالتالي بالضغط على الجانب الفلسطيني، ناهيك عن الاحراج المتعمد لهم مهما كان موقفهم .فهل يتجرأ الفلسطينيون ويقولون لزيني مع انه يجب القول له علانية اذهب انت واجتماعات لجنتك الامنية الثلاثية الى الجحيم،وكيف بامكانهم بالمقابل الذهاب الى تل ابيب لعقد مثل هذه الاجتماعات والطائرات والمروحيات الحربية والدبابات الاسرائيلية تدك المواقع الرسمية المدنية والامنية للسلطة الفلسطينية، وتعيد احتلال مناطق بالكامل، وتجتاح المخيمات الفلسطينية ؟ يجدر الانتباه الى ان الرئيس الامريكي تحرك باتجاه اعادة زيني الى المنطقة لثلاثة دوافع اساسية، ليس بينها اهتمامه بما آل اليه الوضع الفلسطيني جراء استمرار وتصاعد العدوان الاسرائيلي فبوش وجميع اركان ادارته، بمن فيهم الحمائمي باول،ما زالوا يحملون الجانب الفلسطيني مسئولية تفجر الوضع، ويغطون اسرائيل المحتلة بالمبرر الواهي المفضوح المؤكد لحقها في الدفاع عن النفس، وهي المعتدية والمحتلة لارض الغير. اول هذه الدوافع يتلخص بمحاولة انقاذ اسرائيل من تهور رئيس وزرائها اليميني الارعن .فمع ان سياسته الامنية فشلت فشلا ذريعا ناهيك عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية داخل اسرائيل الا ان شارون واطراف وسيلة وحيدة لحسم الصراع. وقد ادت هذه السياسة الفاشلة الى توريط اسرائيل وجرها الى حرب استنزاف لم يسبق لها مثيل في الحدة والخسائر والنتائج،وعوضا عن ان يغير شارون بنفسه ويقوم بتعديل التوجهات امعن في التصلب والتعنت والغباء، ما يذكر بامكانية تكرار ما جرى في لبنان ابتداء من العام 1982 وبدأت حدة المواجهات مع الفلسطينيين تحتد،واتسعت رقعة المواجهة، وبدأ التصعيد الاسرائيلي يصل اعتاب الاجتياح الكامل للضفة، وربما كل القطاع، وبدأ الاستهداف الاسرائيلي يسقط المدنيين. الفلسطينيين من اطفال ونساء واطباء ورجال اسعاف في ابشع مسلسل متصاعد من التقتيل المباشر، ووصلت الحال باستهداف مقر الرئيس الفلسطيني بالصواريخ والمبعوث الاوروبي موجود فيه . انها دلائل متوالية على انفراط كامل لعقال السياسة الاسرائيلية التي اصبح رئيس الوزراء والوزراء الاسرائيليون يتبارون على اطلاق التصريحات الثأرية التي تنادي بالابادة او التهجير للشعب الفلسطيني. يبدو ان تصاعد الانتقادات لهذه التصرفات الاسرائيلية البشعة داخل اسرائيل بيريز ومعسكر السلام ورافضوا الخدمة من جنود الاحتياط ومن خارجها اوروبا والاستجداء العربي فعلت فعلها عند الادارة الامريكية التي بدأت ترسل رسائل لشارون كي يهدأ ويتوازن، وكان آخر هذه الرسائل واكثرها وضوحا ما جاء على لسان وزير الخارجية باول مؤخرا من انتقادات واضحة لسياسة شارون، ويبدو ان رد الفعل الشاروني اللامبالي، بل المتحدي لهذه الرسائل الامريكية ادى الى ان تجد الادارة الامريكية نفسها مضطرة للتدخل المباشر كي لا تحرق اسرائيل اصابعها. «ومن الجدير بالانتباه ان الاعلان الامريكي عن اعادة زيني لم يأت الا بعد تصاعد حدة الانتقادات الاسرائيلية بأن الولايات المتحدة لاتريد احراج حليفاتها العربية وهي تهم بتوجيه ضربة جديدة الى العراق وتحتاج فيها على الاقل الى الموافقة العربية الضمنية الملفعة بالصمت، فنائب الرئيس الامريكي يبدأ زيارة تأخذه الى ثماني دول عربية، يريد ان يحشد من خلالها التفهم والدعم والتأييد للحملة الجديدة على العراق، وعوضا عن أي ما يلاقيه من مستقبليه بتساؤلات حول الاحراج الاسرائيلي لسياستهم المؤيدة لامريكا، استبقت الادارة الامريكية ذلك بالاعلان عن ارسال زيني لتذر الرماد في العيون العربية التي يسعى اصحابها الى ايجاد تبرير يغطي استمرار انحيازهم لامريكا ضد قضايا امتهم العربية، بالتأكيد فان هذا الاجراء الامريكي سيثبت نجاعته. فتشيني سيحصل على ما يريد،وان اتى زيني فلن نحصل منه ما نريد ،ولكن لن يتم ربط عربي لاحق بين الامرين،فالسيف سابق للعذل عند العرب، خصوصا عندما يتعلق الامر بانحيازهم لامريكا. اما الدافع الثالث،وقد يكون اهم الدوافع، فهو الالتفاف الامريكي على افكار الامير عبد الله حول كيفية انهاء الصراع العربي / الفلسطيني ـ الاسرائيلي فصيغة كل الارض مقابل السلام مرفوضة اسرائيليا، وبالتالي امريكيا ولان التعويل الامريكي التقليدي على الخلافات العربية الكفيلة بتدمير الذات لم يتحقق هذه المرة، خصوصا بعدما اعلنت سوريا على لسان رئيسها دعمها الكامل لهذه الافكار، واصبح من المتوقع ان تتحول الى مبادرة عربية في قمة بيروت، قد تحرج اسرائيل والولايات المتحدة، صار لا بد لواشنطن التدخل المسبق لاحباط هذه الامكانية، واعادة موضوع التسوية الى الوراء عن طريق اعادة بعث الحياة في خطة تينيت وتقرير ميتشيل، مع ان الاحداث قد طوقتها وتخطتهما بالكامل . لكل ما سبق يجب ان لا تغرينا عودة زيني للمنطقة، فهي لا تشكل اختراقا فلسطينيا وعربيا لواشنطن، بل ستشكل اختراقا امريكيا للفلسطينيين والعرب، لذلك يجب توخي اقصى درجات الحرص والحذر في التعامل مع هذه العودة التي لن تنتج لنا سوى تلفيع التصعيد العسكري الاسرائيلي القادم بغطاء تحرك سياسي امريكي يضع اللوم في استمرار المواجهة على الفلسطينيين. رام الله ـ مكتب «البيان»: