بيان الاربعاء: تعتبر الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، فهي أكبر مصدر لدول مجلس التعاون، وثاني أكبر مستورد منها بعد اليابان، ويتأثر التبادل التجاري بين الجانبين ، بشكل كبير بتقلبات السوق النفطية، حيث إنه على مدى السنوات الخمس الأخيرة كان النفط ومنتجاته يشكلان نسبة تتراوح بين 76 ـ 86% من واردات الولايات المتحدة من دول المجلس، في حين تقوم الولايات المتحدة أساسًا بتصدير منتجات مصنعة إلى دول المجلس، فخلال السنوات الخمس الماضية كان هناك نحو 56% إلى 71% من الصادرات الأمريكية من الماكينات ووسائل النقل والنسبة المتبقية تتمثل في المنتجات الصناعية الأخرى والإلكترونيات. كما إن الاقتصادات الخليجية تتميز بالانكشاف الخارجي، ويتزايد اعتمادها على العالم الخارجي حيث لا تزيد قيمة المبادلات التجارية البينية بين دول المجلس على 5.4% من إجمالي تجارتها الخارجية، مقارنة بـ 1.7% مع بقية الدول العربية و 43.5% مع الاتحاد الأوروبي و 26.5% مع الولايات المتحدة. تأثر متباطئ وبناء على ما سبق، فإن التجارة الخارجية الخليجية والعربية مع الولايات المتحدة والعالم الخارجي في إطار التباطؤ الاقتصادي العالمي وفي أعقاب الهجمات الإرهابية الأخيرة، ستتأثر على النحو التالي: ـ إن انخفاض سعر الدولار الأمريكي سيؤدى إلى تآكل القدرة الشرائية في الأسواق الدولية للحصيلة الدولارية للصادرات العربية، كنتيجة مباشرة لارتباط عملات غالبية هذه الدول بالدولار الأمريكي . بالنسبة للواردات الخليجية والعربية من السوق الأمريكية فإنها لا تتأثر بحركة سعر الدولار لأنها مقومة أساسًا بالدولار ويتم تمويلها من الحصيلة الدولارية للصادرات العربية. أما بالنسبة للواردات العربية من خارج السوق الأمريكية والبالغة 88% تقريبًا ونحو 83% للدول الخليجية: فإن أسعارها المقدرة بالدولار سترتفع، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى ارتفاع قيمة المدفوعات عن الواردات من الخارج. ـ سوق السياحة والسفر: فقد جاءت الأحداث الأخيرة في ظل وجود أزمة ركود فعلية كانت تواجه الاقتصادات العالمية والناشئة مما جعل الأمر يزداد سوءًا خاصة بعد تصاعد الحرب العسكرية ضد الإرهاب بالقرب من الأسواق السياحية العربية ومع سيادة الانطباع في الأوساط الإعلامية الغربية بأن العرب والمسلمين هم مصدر الإرهاب والعنف، الأمر الذي يزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، لذلك كان من الطبيعي أن يشهد قطاع السياحة العربي انخفاضًا في حجم إيراداته وفي حجم الأشغال الفندقي بالإضافة إلى إلغاء رحلات كثيرة وإلغاء الحجز لرحلات سياحية أخرى الأمر الذي يعني تهديدًا خطيرًا لمصدر مهم من مصادر الدخل القومي في المنطقة العربية له أهمية كبيرة على مستوى الاقتصاد الكلي حيث يبلغ الدخل المباشر وغير المباشر الذي تدره صناعة السياحة على الدول العربية نحو 60 مليار دولار سنويًا، لذلك تصبح صناعة السياحة العربية أكثر القطاعات الاقتصادية العربية تضررًا بسبب أجواء الحرب السائدة والمحيطة بالمنطقة، وهذا سيؤدي بدوره إلى معاناة شركات الطيران العربية بصورة أكبر من انخفاض في عدد المسافرين وارتفاع كبير في رسوم التأمين مما سيضطرها إلى الانكماش وخفض رحلاتها الجوية، وهذا ما حدث بالفعل حيث: ـ بلغت نسبة إلغاء الحجوزات القادمة إلى مصر أكثر من 20% يتوقع زيادتها إلى 60%. ـ أصبحت الخطوط الجوية المغربية أول شركة طيران عربية تقترب من الإفلاس مما دفع الحكومة إلى تأمين معونات عاجلة لها خصصتها في الموازنة المقبلة عام (2002) تصل إلى 100 مليون دولار، بعدما خسرت الشركة منذ بداية الأزمة أكثر من 80 مليون دولار، إضافة إلى الخسائر المترتبة عن لجوء أكثر من 4 آلاف سائح إلى إلغاء رحلاتهم المقررة إلى المغرب خلال الربع الأخير من العام الجاري بسبب التوترات الأخيرة. ـ فرضت شركات طيران عديدة رسومًا مقدارها 5 دولارات على كل تذكرة سفر مثلما حدث في الكويت والبحرين والأردن أو 1.5 دولار كما فعلت المغرب أو رسومًا متغيرة حسب مسافة الرحلة كما فعلت السعودية، وذلك لتغطية الزيادة في أقساط التأمين على الطائرات. ـ الاستثمارات: تشكل قيمة الاستثمارات الأمريكية المباشرة بالخليج نحو 6.4 مليارات دولار بنهاية عام 1999، ورغم ذلك فإنها لا تشكل سوى نسبة محدودة جدًا لا تتجاوز 1.6% من إجمالي استثمارات دول المجلس في الولايات المتحدة، والتي تقدرها مصادر مصرفية بنحو 400 مليار دولار، في حين تصل إجمالي الاستثمارات الخليجية بالخارج إلى أكثر من 800 مليار دولار. ولا شك في أن أحداث 11 سبتمبر الأخيرة، لابد من أن تترك آثارها واضحة على الاستثمارات العربية والخليجية بالخارج، فضلاً عن تداعياتها على أسواق الأسهم الخارجية ومستقبل الاستثمار الأجنبي في المنطقة، ويشار في هذا الصدد إلى التداعيات الآتية: ـ بلغت مجمل الخسائر التي تعرضت لها الاستثمارات الخليجية العربية في الولايات المتحدة وأوروبا حوالي 40 مليار دولار حسب التقديرات الأولية شكلت ما نسبته 5% من حجم الاستثمارات العربية بالخارج البالغة 800 مليار دولار، وهو ما يرجع إلى: ـ تراجع الأسهم الأمريكية بنسبة 15.4% في المتوسط والأسهم الأوروبية بنسبة 7% في المتوسط فضلاً عن إغلاق البورصات في الولايات المتحدة. ـان المستثمرين الخليجيين والعرب يحتفظون بأرصدتهم واستثماراتهم الخارجية في أوعية دولارية مثل الودائع المصرفية بالدولار وأذون وسندات الخزانة الأمريكية في السوق الأمريكية ومن ثم فإن انخفاض قيمة الدولار الأمريكي يؤدي إلى انخفاض قيمة هذه الاستثمارات وإلى تراجع قدرتها الشرائية الدولية. توطين الاستثمارات العربية في إطار هذه الظروف الصعبة التي تتعرض لها الاستثمارات العربية بالخارج، يبدو أن الوقت قد أصبح ملائمًا أمام توطين الاستثمارات العربية في المنطقة خاصة في ضوء الحقائق التالية: ـ أثبتت التجربة الأخيرة أنه لا أمان مطلقًا فيما يتعلق بالمناخ الاستثماري العام. ـ إن الاستثمار داخل أراضي المنطقة العربية أصبح أكثر ضرورة وأمانًا في ضوء ما وفرته بعض الدول العربية مؤخرًا من مزايا تشريعية واستثمارية عديدة، فضلاً عن حاجة المنطقة إلى هذه الأموال لتساهم في الخطط التنموية العربية. ـ إن عودة الأموال العربية المهاجرة أصبحت ضرورة ملحة في ضوء الحملة العدائية الظاهرة ضد العرب والمسلمين وإساءة معاملتهم، فضلاً عن قرار الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة، بتجميد ومصادرة الأصول المالية العربية والإسلامية بحجة تجفيف المنابع المالية لشبكات الإرهاب الدولي. ولكن ينبغي في هذا الإطار، عودة الاستثمارات العربية المهاجرة بصورة تدريجية ومدروسة حتى لا يساهم سحب الأموال الخليجية في تفاقم خسائرها. ـ البورصات الخليجية: قدر معهد بخيت للاستثمارات المالية في الرياض خسائر أسواق المال الخليجية منذ وقوع الهجمات الإرهابية بنحو 16.8 مليار دولار أي ما يعادل نسبة 10% من قيمة رؤوس الأموال المقدرة بنحو 168 مليار دولار. ـ الاستثمارات الأجنبية بالمنطقة الخليجية والعربية: جهود الدول الخليجية العربية نحو جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى المنطقة باتت أكثر صعوبة خاصة في ظل ارتفاع معدلات المخاطر الأمنية والسياسية للاستثمارات في المنطقة بعد قيام الولايات المتحدة بشن حرب عسكرية بالقرب من حدود منطقة الخليج، الأمر الذي يتوقع معه: ـ تأجيل تنفيذ خطط الخصخصة وبيع شركات القطاع العام المملوكة للدولة نظرًا لإحجام الشركات العالمية والخاصة عن الشراء في ظل موجة الركود وحالة عدم التيقن القائمة في الأسواق . ـ قد تدفع هذه الأوضاع إلى التأثير سلبًا على خطط الدول العربية الرامية إلى التوسع في مشروعات البنية الأساسية والاستثمار في حقول النفط والغاز. ـ تراجع معدلات الفائدة:إن خفض أسعار الفائدة الأساسية على الدولار الأمريكي إلى 2.5% وهو الخفض التاسع من نوعه منذ بداية العام الحالي 2001، كإجراء نقدي فعال من أجل الحد من التباطؤ الاقتصادي الأمريكي ـ وإن كان يوحي بعمق المشكلة القائمة ـ ينعكس ايجاباً على معظم، إن لم يكن كل، الدول العربية ومنها دول مجلس التعاون الخليجي. فمن ناحية سيؤدى ذلك إلى خفض أسعار الفوائد على العملات المحلية، وبالتالي تخفيض تكاليف الاقتراض، الأمر الذي من شأنه المساعدة على تنشيط الاستثمار وتحسين الجدوى الاقتصادية لكثير من المشاريع. ومن ناحية أخرى، فإن خفض سعر الفائدة على الدولار من شأنه تخفيف الضغط على العملة المحلية في بعض الدول العربية وذلك بتقليل الفارق بين مغريات الدولار والعملة المحلية. كما يؤدى خفض سعر الفائدة على الدولار إلى تخفيف عبء الاقتراض والمديونية الملقى على كاهل الدول العربية والذي يؤثر دون شك على خطوات التنمية الاقتصادية العربية. ـ تحويلات العمالة العربية بالخارج: حيث قام العديد من الدول الغربية باتخاذ إجراءات واسعة ضد المهاجرين العرب وخاصة في الاتحاد الأوروبي وذلك بعد اتهام العرب بالمسئولية عن تنفيذ العمليات الإرهابية بالولايات المتحدة، هذا بخلاف الإجراءات القمعية التي مورست ضد العرب والمسلمين في هذه البلاد ذات الصلة بهذه الأحداث، الأمر الذي ينعكس سلبًا على تحويلات العمال العرب من الخارج، وهو ما تظهر أهميته إذا علمنا أن مجموع تحويلات المهاجرين من دول المغرب العربي القادمة من الاتحاد الأوروبي بلغت أكثر من 42 مليار دولار خلال الفترة 71 ـ 1995، كما أسهمت هذه التحويلات في توفير مصادر مهمة للنقد الأجنبي في هذه الدول، قدرت بـ 24%، من واردات المغرب و 10% من واردات تونس. ـ النظام المصرفي العربي والإسلامي:أ صبحت المصارف الإسلامية في بؤرة الاهتمام مع تزايد الجهود الدولية لتتبع أموال الإرهابيين بعد هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة حيث لم تقتصر الحرب الاقتصادية الدولية المزعومة ضد الإرهاب على تجميد أموال قائمة طويلة من المشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية، بل: ـ شملت عمليات التجميد هذه العديد من المؤسسات الخيرية ورجال الأعمال الخيرين. ـ إن القائمة لم تغلق بعد وهناك احتمالات لضم المزيد من الأشخاص والمؤسسات العربية والإسلامية التي ترى الدوائر المخابراتية الغربية أنها مشتبه فيها. ـ الأخطر من ذلك هي حملة التشكيك والدعاية المشوهة تجاه البنوك والمصارف الإسلامية مما يؤثر على مستقبلها ويهدد وجودها، بعد ما بدأت في الآونة الأخيرة وقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، في تحقيق تقدم ملموس على الصعيد العالمي. ولا شك إن هناك تخوفًا على مستوى المنطقة الخليجية والمنطقة بشكل عام، خاصة: ـ إن الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة والدول الغربية على المصادر المالية للإرهاب من الممكن أن يؤدى إلى استهداف شامل بدون تمييز لجميع المصارف الإسلامية والجمعيات الخيرية التي ليس لها أية علاقة بالجماعات الإرهابية. ـ إن هذه التطورات السلبية جاءت في وقت حققت فيه المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية تقدمًا ملحوظًا ولعبت دورًا مؤثرًا في الأسواق المالية التقليدية وبعدما نجحت في تعميم طريقة الاستثمار الإسلامية على أكثر من 48 دولة في العالم تمثل ثلث الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي وبلغ عددها حاليًا نحو 192 مصرفًا، إضافة إلى عدد كبير من المصارف التقليدية الأجنبية التي أنشأت لديها محافظ وصناديق استثمار على الطريقة الإسلامية . وسوف تستأثر دول منطقة الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي بمعظم نشاط المصارف الإسلامية في العالم، حيث يعمل فيها 47 مصرفًا يبلغ مجموع رؤوس أموالها 5471 مليون دولار، ويستأثر بنحو 74 في المئة من مجموع رؤوس أموال المصارف الإسلامية في العالم، وتبلغ قيمة أصولها 103 مليارات دولار أو ما يعادل 70 في المئة، وايداعاتها 84 مليار دولار، ما نسبته 73 في المئة من ايداعات المصارف الإسلامية في العالم. تحرك مشترك ومع هذه التحديات والتي من المحتمل تعاظمها في المستقبل مع بداية حرب طويلة عسكرية واقتصادية ضد الإرهاب وبل وضد كل ما هو ذو هوية إسلامية سواء كان ذلك أشخاصًا أو مؤسسات أو بنوك، تبدو هناك أهمية لطرح ومناقشة استراتيجية مشتركة للتحرك من أجل مواجهة الأزمة واحتواء تداعياتها، وقبل وضع هذه الاستراتيجية لابد من تحديد الهدف منها والمتمثل في الآتي: ـ العمل على الحد من توسع قائمة الأسماء والجهات المشتبه بها في تمويل الإرهاب، حتى لا تصاب العديد من المؤسسات المالية الإسلامية وغير الإسلامية بالشلل. ـ تعزيز الثقة بالنظام المصرفي الإسلامي وبالشركات ذات الهوية الإسلامية، وإنهاء حملة التشويه والدعاية الكاذبة التي تتعرض لها، ونفي أي تهمه موجهة لها بمسئولياتها عن تمويل الحركات الأصولية المتشددة. ومن المهم في هذا الصدد الإشارة إلى بعض الأمور قبل وضع الاستراتيجية أهمها الأتي: ـ تحديد الجهات المتضررة من هذه التداعيات سواء كانت دولاً عربية أو إسلامية أو مؤسسات وبنوكاً مصرفية إسلامية، ومحاولة إشراكها في هذه الاستراتيجية إذ أن التحرك الجماعي ذو فاعلية أكثر من التحرك الفردي. ـ تحديد ميزانية معقولة لهذه الاستراتيجية تشارك فيها البنوك والمصارف الإسلامية، لضمان نجاحها وفعاليتها. ـ محاولة إشراك جهات غربية تربطها مصالح مع النظام المصرفي الإسلامي ويهمها بقاؤه واستمراره، إذ سيكون لإشراك هذه الجهات عامل كبير في إقناع الرأي العام الغربي وفي الضغط على المؤسسات الاقتصادية الكبرى والدول الغربية من أجل إيقاف هذه الحملة ضد العمل المصرفي الإسلامي.