كما قبل كل قمة تتعمد أمريكا ارباك العالم العربي بهدف قطع الطريق على غاية يبدو الاجماع عليها قريب المنال. فقبيل اللقاء القومي في بيروت أوفدت واشنطن مبعوثين إلى المنطقة في مهمتين لبرنامج واحد. الشارع العربي يدرك ان زيني وتشيني يعرضان في مهمتيهما خيارين على العواصم العربية يتمثلان في اطفاء الحريق الاسرائيلي مقابل اشعال العراق، بالتأكيد العرض الأمريكي لا يجري على هذا النحو المكشوف، وإنما يتم تغليفه في اطار جذاب. المعادلة الأمريكية المطروحة للتسويق تتخذ شكلاً يبدو مغرياً في أحد جوانبه، ذلك الذي يتصل بوقف النزيف الفلسطيني، حتى لا يبدو العرض مغرياً فقط، وإنما كذلك مقنعاً يذهب الموفد الأمريكي لجهة اقناع شارون بسحب آلياته العسكرية من المدن الفلسطينية. الغاية من ذلك ايهام العرب بأن أمريكا مارست ضغطاً على شارون ومن ثم فإنها تقدم للعرب تنازلات اسرائيلية. في المقابل تحاول أمريكا عبر جولة تشيني استصدار موافقة عربية من أجل ضرب العراق، كما تسعى أمريكا لتسويق هدفها في أُطر ذات جاذبية خاصة منها ان المهمة في العراق تنحصر في عملية جراحية يتم بموجبها اقتلاع نظام صدام دون المساس بالشعب العراقي. القراءة على هذا المنوال تمثل الجانب البهي للعملة الأمريكية المطروحة في البورصة العربية. الوجهة الثانية تفضح رغبة واشنطن في وقف الانتفاضة الفلسطينية بغية انقاذ شارون من وحل الدم الذي يخوض فيه دون تحقيق أي من وعوده للاسرائيليين بتوفير الأمن وكسر عظم الفلسطينيين. فشل شارون ينعكس حالياً في تدهور شعبيته على الصعيد الاسرائيلي. السفاح الاسرائيلي كان يتوهم انه بالاعتماد على الترسانة العسكرية يمكن تحقيق ما عجز عنه سلفه من الجنرالات الاسرائيليين، رغم اطلاق المقاتلات المتطورة والدبابات والمروحيات لم يكسب الاسرائيليون شيئاً سوى احساس عارم بالرعب في الأسواق والشوارع العامة. واشنطن لم تنج هي الأخرى من الصدمة التي أحدثتها الانتفاضة، ادارة بوش كانت وافقت على اطلاق يد السفاح الاسرائيلي تحت مظلة مكافحة الارهاب ظناً منها ان شارون سيجهز على المنظمات الفلسطينية الراديكالية. الفلسطينيون مصممون على مواصلة الانتفاضة رغم الخسائر المتعددة والفادحة في الأرواح والممتلكات في سبيل الوصول إلى «الدولة» ثمة قناعة فلسطينية باستكمال المشوار. إذا كانت الانتفاضة الأولى أفرزت سلطة الحكم الذاتي فإن الانتفاضة الثانية ستحقق الدولة. أمام الفلسطينيين حق مشروع لقلب الطاولة أمام الموفد الأمريكي باستصدار ضمانات تبدو مستحيلة لاجبار شارون على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وأكثر من ذلك اظهار المرونة اللازمة لتحقيق حلم الدولة الذي اعترفت به أمريكا في قرار مجلس الأمن الأخير. الجنرال زيني يعمل من أجل اخماد نار الانتفاضة وليس اطفاء الحريق الاسرائيلي، وتأمين هامش أمام شارون للخروج من الوحل والتقاط أنفاسه على الساحة الاسرائيلية لاستعادة تصلبه ازاء المفاوضات. الشارع العربي لم يكن يتوقع من قمة بيروت عملاً عسكرياً يقمع شارون، لكنه كان يراهن على دعم الفلسطينيين من أجل ابقاء وهج الانتفاضة. ما من عربي يقبل ضرب العراق، ثمة هامش للجدل أمام احتمال ازاحة صدام، ومن ثم يكون العرض الأمريكي المتمثل في شارون مقابل صدام ذا بريق أمام البعض ولكنه معادلة تفتقد للمصداقية الأمريكية. هذه معادلة معاكسة تماماً لطرح الانتفاضة التي تريد ذهاب شارون وبقاء صدام. عمر العمر