يلفت البروفيسور نعوم تشومسكي، أحد أكثر الأصوات انتقادا في اليسار الأمريكي، الأنظار في مقابلة مع صحيفة «الموندو» ان الرئيس الأمريكي لا يستطيع إلا المضي قدما في صراع عسكري جديد، ليبعد الأنظار عن فضيحة «انرون» والاخفاق التام لسياسته الاقتصادية.بسنواته الأربع والسبعين، يعود نعوم تشومسكي ليكون فنار اليسار الامريكي، إذ تحول كتابه الصادر مؤخرا بعنوان «11/9» إلى ظاهرة يتلقفها الجميع، أما محاضراته فإنها تستثير حشودا متزايدة من الطلاب لا يمكن كبح جماحها، وفي نهاية المطاف بدأت سهامه الموجهة ضد الادارة الامريكية تخترق جدار صمت وسائل الاعلام الكبرى. وفيما يلي نص الحوار معه: ـ تشير استطلاعات الرأي الى ان 80% من الامريكيين يساندون بوش وان النسبة ذاتها تقف الى جانب مهاجمة العراق؟ ـ تجمع استطلاعات الرأي رؤية غير دقيقة تماما لوجهات النظر التي يدلي بها الناس، أما الحقيقة فينبغي العثور عليها، أحيانا كثيرة، في حرف صغير، فإذا تم توجيه السؤال للأمريكيين بشكل واضح، على النحو التالي: «هل توافق على قصف العراق وأفغانستان على الرغم من مصرع ألوف المدنيين الأبرياء في مثل هذه العمليات؟» فإني أعتقد ان الاجابات ستكون مختلفة تماما. ـ يسود في أوروبا شعور بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تخدم كنقطة تأمل أو نقاش، ذلك انه لا أحد تقريبا يناقش التسلط العسكري المفرط لادارة بوش؟ ـ ذلك الشعور هو بالذات الذي تواصل وسائل الاعلام الكبرى نشره، لكن الحقيقة مغايرة تماما. صحيح اننا عشنا خلال بضعة أسابيع حالة صدام، وصحيح أيضا ان الادارة الامريكية فازت بتلك الحالة. لكن المجتمع آخذ بالتفتح، حيث هناك نقاش وجدل، فالناس يبحثون عن اجابات أخرى، فهم يتقاطرون حشودا متزايدة كلما دعوني إلى جامعة ما. أما وسائل الاعلام فإنها تركز على نقل تلك الصورة للجماهير المطيعة والمستكينة. ـ هناك في هذه المعركة أيضا جبهة الحريات المدنية... ـ هذا مؤكد، فلقد استغلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في جميع أرجاء العالم كتبرير لتعزيز القمع الداخلي. وقد عدت للتو من تركيا حيث الوضع بالنسبة للأكراد أكثر دموية بشكل مضطرد على الرغم من الدعم الكامل من قبل الادارة الأمريكية. وهنا بالذات في الولايات المتحدة تم اقرار اجراءات «استثنائية» ذات نزعة عنصرية، لكنها ستتهاوى عاجلا أم آجلا من تلقاء نفسها. ـ بالعودة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يعتبر الكثير من الامريكيين ان أطروحاتك هي «ذخيرة» للارهابيين... ـ لقد أدنت هذه الاعتداءات بدون تحفظات. وأي شخص سليم الفطرة من شأنه أن يتخذ الموقف ذاته، إذ اننا ندين جميع النشاطات الارهابية وليس فقط تلك التي يعرفونها على هذا النحو لأسباب دعائية. أو لم يكن ارهابا ما فعلته الولايات المتحدة في نيكاراجوا في الثمانينيات؟ أو أو لم يكن ارهابا قصف مصنع أدوية الشفاء في السودان عام 1998، بأمر من الرئيس كلينتون؟ ـ إلى متى يستطيع بوش الاستفادة من «النصر» في أفغانستان؟ ـ لأشهر قلائل فقط، فالوضع في أفغانستان متفجر جدا، إذ توقعت المخابرات المركزية الأمريكية ذاتها انه من الممكن ان تشتعل حرب أخرى بين القادة العسكريين هناك. ومن الجانب الآخر، لدينا مخاوف إبادة عنصرية صامتة، إذ اننا مازلنا لا نعرف الى الآن عدد الضحايا المدنيين، وربما ننتظر سنوات لمعرفة حقيقة ذلك الوضع. ـ هل تعتقد انه حتى الصيف المقبل ستشن أمريكا هجوما على العراق؟ ـ يحتاج الرئيس بوش بشكل طارئ لتحرك عسكري آخر، وواضح جدا من الذي سيكون الهدف المقبل. أولا، لانه في العراق توجد أكبر احتياطات عالمية للنفط وتليه السعودية ومن السهل ادراك ان الولايات المتحدة ترغب بابقائها تحت السيطرة. وثانيا، ولأسباب داخلية، من أجل اسكات أصداء فضيحة «إنرون» والفشل المحتم للسياسة الاقتصادية. بالاضافة الى ان العراق عدو سهل وبالكاد يملك دفاعات عن أرضه منذ حرب الخليج الثانية. ـ تعتبر غالبية الأمريكيين أن بوش لديه الآن «واجب أخلاقي» بإنهاء حرب تركها والده بلا نهاية... ـ عن أي حرب تتحدث؟ لان «الحرب ضد الارهاب»، إذا أعملنا الذاكرة قليلا، هو مصطلح أستحدث قبل عشرين عاما خلال مرحلة ريجان وأفضى الى حملات حقيقية من الارهاب العالمي تحت رعاية حكومة الولايات المتحدة. فليس صدفة أن يكون الصقور أنفسهم مثل رامسفيلد ونجروبونتي في مقدمة «الحرب ضد الارهاب» الأخرى، التي من الممكن أن يصبح فيها أي مكان في العالم هدفا، من أفغانستان الى العراق، مرورا بكولومبيا والفلبين. فما الذي خسرناه في الفلبين؟ وما هو المعنى من وراء ارسال أقوى جيش في العالم للقتال ضد حفنة من رجال حرب العصابات؟ ـ لقد وضعت في دائرة الشك ان ابن لادن هو من يقف وراء اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر... ـ إنني لا أعرف ذلك. ولا أمتلك براهين، على الرغم من اعتقادي انه كان يجب أن تكون مجموعة مرتبطة من قريب أو بعيد بالقاعدة. ولتأخذ بعين الاعتبار ان الولايات المتحدة قامت في الثمانينيات بتسليح وتجهيز نحو 100 ألف شخص لطرد الروس من أفغانستان. وكثير منهم شكلوا مجموعات مقاومة متشددة. عن «الموندو» ـ اسبانيا