الملف السياسي: ظاهرة الحقد على الآخر واحتقاره والسعي إلى القضاء عليه أو إبادته بالرغم من كونها تبدو من علامات قرون غابرة، ولّت إلى الأبد، إلا أنها في واقع الأمر مازالت إحدى سمات عالمنا المعاصر الذي نجُهد أنفسنا بالقول أنه دخل مرحلة حضارية جديدة هي حضارة القرن الحادي والعشرين، القائمة على المعرفة النقيض الأول للعنف ولوحشية الإنسان. إن ما حدث في المدة الأخيرة بالهند بين المسلمين والهندوس وما عرفته الإنسانية في القرن العشرين تجاه التوتسي في رواندا، والمسلمين في البلقان، وقبلهم الأرمن والكمبوديين، والأوكران والصينيين والاندونيسيين والتيمور... كلها تدل أننا بالفعل مازلنا بعيدين كل البعد عن حضارة تقوم على الاعتراف المتبادل بالآخر واحترامه وفتح سبل الاتصال لا القطيعة معه. إن ما وقع بين الهندوس والمسلمين لا شك يمسنا في الصميم ويدفعنا إلى التفكير مليا في ظاهرة تكاد تكون فريدة من نوعها في تاريخ الإنسانية تتمثل في إثارة الأحقاد ضد إحدى أكبر الديانات في العالم وأكثرها تسامحا منذ أن عرفتها الإنسانية، فلم تكتف الدعاية الغربية بغض الطرف عما حدث ويحدث للمسلمين في البلقان وفي الشيشان وطاجيكستان وفلسطين ...بل تعدت ذلك إلى ربط إحدى أبشع الظواهر التي عرفتها الإنسانية أي الإرهاب بالإسلام والمسلمين، وكانت النتيجة ما نراه اليوم: تماد إسرائيلي في إبادة شعب فلسطيني بكامله ، وتطاول هندوسي على الأقلية المسلمة بالقتل والحرق ومحاولة إزالة معالم دينية مرت عليها قرون، وتكالب روسي على الأبرياء الشيشان من غير رحمة، ولعل البقية ستأتي في مواقع أخرى من العالم وفي القرن الحادي والعشرين بالطبع. فهل هذه هي الحضارة الجديدة؟ هل هذه هي الحضارة التي ننتظرها مجالا رحبا للحوار والاتصال والتعاون والتسامح؟ ألم يعد الخوف الآن أن نراها بالعكس تماما حضارة للحقد والحرب والإبادة، وبيد من يمتلكون أرقى التكنولوجيات. الحضارة المعاصرة حضارة حقد. يبدو أن الأمر يسير بهذا الاتجاه، وأن الأطروحات التي قدمها متتبعون لظاهرة الصراع العالمي من أمثال «بومان Bauman Zygmunt » و«والتر» «walter Laquer » و«أرانت» «Hannah Arendt» أصبحت حقيقة ملموسة. لقد ذكر هؤلاء: إن الحضارة المعاصرة تحمل في طبيعتها وفي جوهرها وديناميتها علامات يمكن أن تؤدي في ظل شروط معينة وفي لحظة معينة إلى الإبادة الجماعية لأعداد كبيرة من البشر على أساس الدين أو العرق أو الجنس، وليس فقط لحروب محدود أو لتصفيات جماعية. إن الإبادة أكبر وأشمل وأكثر وحشية. وهو الذي حدث بالفعل عندما قضى نظام الهوتو على «مئات الآلاف» من التوتسي سنة 1994، وقضى الخمير الحمر على ملايين الكمبوديين ما بين سنتي 1975 و1978، ونظام «ماو تسي تونغ» على أزيد من 20 مليون صيني ما بين 1950 و1960 أثناء ما عُرف بالثورة الثقافية من بينهم مسلمين، والنظام الأندونوسي على مئات الآلاف من الشيوعيين والتيموريين سنة 1965،و قتل الهندوس والمسلمين بعضهم البعض بمئات الآلاف فيما بين 1947 و1948، وأباد اليابانيون النانكين ما بين 1937 و1938، دون الحديث عما فعله النازيون باليهود ما بين 1941 و1945، أو الأتراك بالأرمن ما بين 1915 و1916 حيث أن الآلة الإعلامية الغربية لا تبرز إلا هؤلاء. أي أن الإنسانية عرفت عددا من الضحايا من جراء الصراعات القائمة على أساس الدين أو العرق في القرن العشرين أكبر مما عرفته خلال الحربين العالميتين اللتين تداخلت فيهما المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والأيديولوجية، ومع ذلك فإن العالم اليوم يكاد يعرف كل شيء عما حدث خلال الحربين العالميتين، ولا يعرف أي شيء عما حدث لأسباب لها علاقة بالأحقاد الدينية أو الانتماءات العرقية التي يفترض أنها فوق كل اعتبار. وفي هذا ما يدل على أن القوى التي كانت ومازالت تحرك مثل هذه الأعمال اللاإنسانية القائمة على الحقد والمثيرة له، وغير المشرفة لإنسانية الإنسان إنما تريد أن تقوم بها من غير إثارة كبيرة للرأي العام وفي صمت مطبق ، وأحيانا بطريقة تريدها أن تبدو وكأنها أعمال لاعقلانية، وغير مخطط لها، وغير قابلة للفهم. فهل هذا صحيح؟ ما حدث لا تحكمه العوامل المجهولة فقط كان يُعتقد في الماضي أن مثل هذه الأعمال إنما هي نتيجة أسباب غير مفهومة أو معقدة إلى درجة يصعب فهمها، وسار التحليل السوسيولوجي على هذا النحو مدة من الزمن إلا أن أغلب المحللين أصبحوا اليوم متفقين على كون مثل هذه الأعمال لا يمكن أن تحدث إذا لم تتوفر لها شروط معينة أهمها: ـ وجود أيديولوجية للحقد تم تعميمها بمنهجية. ـ تسبق عمليات الإبادة العرقية وعلى أسس دينية حملات واسعة وتحضيرا عميقا لآلة الدولة العصرية. ـ إحداث القطيعة بين الثقافي والديني المقدس في المجتمع. ـ إضعاف المعطى الروحي للثقافة المعنية بالإبادة إلى درجة التدمير. ـ استغلال وجود حالة الحرب. ـ تشويه صورة الخصم الذي سيتعرض لتصفيته إلى درجة اعتباره عدو الشعب. ـ تسبق كل عمليات تصفية عرقية أو دينية أجواء من الإرهاب والتخويف تهيئ الضحية إلى ما سيلحق بها. ولعل معظم هذه الشروط هي الآن متوفرة في أكثر المواقع التي يواجه فيها المسلمون هذا المصير في الشيشان أو في طاجكستان أو في فلسطين وآخرها في الهند، وغدا في مكان آخر. ـ إن آلة الدولة الصربية أو الروسية أو الإسرائيلية تهيأت بالقدر الكافي للقيام بما قامت به أو تقوم به وذلك ما لا أحد يشك فيه، أما آلة الدولة الهندية العصرية اليوم فهي رسميا ضد مثل هذه الممارسات ومنددة بها على أكثر من صعيد غير أن سلوك أجهزة الشرطة المتواطئ مع الهندوس حسب بعض التقارير الإعلامية يبين أنه بإمكان آلة هذه الدولة أن تميل لتوجهات بعض مراكز القوى بداخلها. ـ أما القطيعة بين الديني والثقافي في المجتمع الهندي فهي واقعة بوضوح كبير ، فبالنسبة للفكر الهندوسي لا يخضع المرء إلا للواجب الشخصي «دارما»، وبالنسبة للفكر الإسلامي سلوك الإنسان تحكمه قواعد الشريعة التي لا يمكنه الخروج عليها، ومن ثم لا يوجد قانون يمكن أن يطبق على الجميع أو ينظم العلاقة بين الجميع ، مما يجعل المسائل الشخصية تحل على نطاق العائلة والقانون العائلي يسود على القانون المدني ما بين الهندوس 81.3% أو المسلمين 12% أو المسيحيين 2.3% أو السيخ 1.9% أو البوذيين أو غيرهم من معتنقي الديانات الأخرى 2.5%. ولعل هذا ما جعل التشريعات الوضعية ذات طابع مؤقت أما المبادئ الدينية فيه ثابتة لا تتغير، وهي مفارقة كبرى في مجتمع يعتبر نفسه من الناحية القانونية علمانيا. ـ وفي جانب إضعاف المعطى الروحي لدى المسلمين فيبدو من خلال محاولة التأثير في أبسط رموزه التعبدية، وهنا تبدو الأهمية الرمزية لإزالة مسجد بابري يوم 6 ديسمبر 1992 وهو الموجود منذ القرن السادس عشر بحجة وقوعه فوق مكان ولادة الإله «راما» بما يشبه تماما تبرير اليهود لمحاولة تدمير المسجد الأقصى بحجة وجود هيكل سليمان. ومعلوم كيف أن هذه الحادثة تسببت في مقتل ما لا يقل على 2000 من الهندوس والمسلمين في أقل من أسبوع. وفي ذلك مؤشر على ما يمكن أن يحدث الآن. ـ أما في جانب استغلال وجود حالة الحرب أو الحرب فإن ما يحدث الآن في أفغانستان ، وتأزم الأوضاع في كشمير والحرب الأمريكية المعلنة ضد الإرهاب كلها عوامل مساعدة لتشجيع مثل هذه الأعمال ودفعها إلى مزيد من التأزم. ـ ويتفق جل المحللين أن الحملة الإعلامية الأمريكية ضد الإرهاب وإن كانت رسميا تحاول تفادي الخلط بينه وبين تسامح الإسلام فإنها في مجملها إن لم تقم بتشويه الدين الإسلامي تسببت في زرع الشكوك في أذهان شعوب الديانات الأخرى حول الطبيعة السلمية للدين الإسلامي وللمسلمين، ولم يعد من السهل الآن بعد أن أصبح رمز المسلمين هو «ابن لادن» إقناع العالم بأنهم أبرياء ويرفضون العنف ويسعون إلى إحلال السلام في المعمورة. ـ وإذا ما أضيفت إلى هذه الصورة صورة أخرى لهم وهم يحرقون مواطنين أبرياء هندوس معظمهم من النساء والأطفال، وهم يفجرون في أنفسهم في عمليات استشهادية في فلسطين، وهم يقاومون الاحتلال في الشيشان ... فإنه يصبح حقيقة من الصعب إعادة صورة الحضارة الإسلامية السمحاء التي وصلت الهند والصين من غير إراقة للدماء ومن غير فتوحات تذكر. وهنا يكمن جوهر المسألة، ويصبح من الضروري النظر إلى أحداث «جوجارات» ينبغي في نطاق المرحلة التاريخية التي تمر بها الحضارة الإنسانية ويمر بها المسلمون وهي مرحلة من أصعب مراحل تحولهم التاريخي. ـ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية ـ جامعة الجزائر