الملف السياسي:الأحداث الطائفية التي تشهدها الهند حاليا والتي تعد الأعنف منذ عام 1992 حيث راح ضحيتها المئات من القتلى أغلبهم من المسلمين تم حرق البعض منهم أحياء في منازلهم وفي الميادين العامة، هذه الأحداث اثارت العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل التجربة الديمقراطية الهندية والتي تقوم على العلمانية ورفض ادخال أي عوامل دينية في الممارسة السياسية والاعلاء من قيم المواطنة الهندية، كما اثارت الكثير من التساؤلات حول مخاطر انفجار العنف الطائفي على الاستقرار الاجتماعي والوضع السياسي في الهند، وخطورة انتشار هذه الأحداث في دول الجوار، والكيفية التي تنظر بها القوى السياسية الهندية الى مثل هذه الاحداث (الملف) التقى د. محمد سعد أبوعامود أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان ود. عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لالقاء الضوء على تطورات هذه الاحداث. بداية يرى د. محمد سعد أبوعامود استاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان أن الأحداث الاخيرة التي شهدتها الهند ليست وليدة اليوم، كما أنها ليست وليدة عوامل طارئة وانما هناك مجموعة من التطورات التي شهدها النظام السياسي الهندي في السنوات الأخيرة عكست تراجع القيم الأساسية التي قامت على أساسها دولة الهند ونظامها السياسي الديمقراطي العلماني، فمعروف أن مؤسسي الدولة الهندية أقاموا هذه الدولة على المبادئ الديمقراطية العلمانية وأصروا على هذا من خلال تحليلهم وفهمهم لظروف المجتمع الهندي والذي يتميز بالتعددية الاثنية والطائفية وكذلك تعدد اللغات واللهجات بصورة واضحة ولذلك رأى هؤلاء المؤسسون للدولة الهندية أن الديمقراطية والعلمانية والوسائل المتعلقة بالممارسة الديمقراطية هي الطريق الوحيد للحفاظ على كيان الدولة الهندية، ومن هنا كانت سيطرة حزب المؤتمر الوطني الهندي على مقاليد الأمور في الهند وهو المعروف عنه دعوته الى العلمانية ورفض ادخال أي عوامل دينية في الممارسة السياسية والاعلاء من قيم المواطنة الهندية. تحديد اطار الولاء ولكن، يضيف د. أبوعامود أن الذي حدث هو ان حزب المؤتمر لم يستطع انجاز أحد المهام الاساسية لعملية التنمية السياسية المطلوبة وهو تحديد اطار الولاء والانتماء للإنسان الهندي والاعلاء من قيم المواطنة الهندية بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق، وبالتالي فشلت جهوده في تحقيق التكامل القومي وبدأت مظاهر هذا الفشل تتضح في السنوات الاخيرة والتي شهدت تنامي القوة السياسية للأحزاب الهندوسية المتطرفة والتي تنادي بأن الهند للهندوس وانه لا مكان لغير الهندوس فيها، وعلى غيرهم ان يغادروا البلد، وتنظر الى الطوائف الاخرى خاصة من الديانات الأخرى على أنهم مستعمرون للهند وبالتالي يجب التخلص منهم، وقد تنامت القوة السياسية لهذه الأحزاب على مدى التجربة الديمقراطية الهندية ويؤكد ذلك تنامي عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب المعبرة عن هذا الاتجاه منذ بدء التجربة الهندية وحتى الآن في البرلمان الهندي لدرجة انها استطاعت ان تصل الى الحكم في الانتخابات الاخيرة بأغلبية مريحة بخلاف المراحل السابقة حيث كانت لا تتمتع بهذه الأغلبية، وبذلك تحول حزب المؤتمر الى المعارضة. والغريب كما يقول د. أبوعامود أن حزب المؤتمر ذا التقاليد العلمانية لجأ في الانتخابات الاخيرة إلى رفع بعض الشعارات المضادة للاتجاه العلماني في محاولة لكسب أصوات الهندوس في الانتخابات البرلمانية، الا ان المشكلة الكبرى في هذا المجال تتمثل في استمرار ضعف حزب المؤتمر في الحياة السياسية الهندية وهو الحزب الذي كان يحقق التوازن في نطاق الحياة السياسية الهندية. ومن هنا يرى د. أبوعامود أن الأحداث الطائفية الاخيرة والتي أدت الى سقوط مئات القتلى من الجانبين المسلم والهندوسي تعبر عن عمق الازمة التي أصبحت تواجه النظام السياسي الهندي في هذه المرحلة من مراحل تطوره التي تتطلب المزيد من التسامح والانفتاح بين القوى الاجتماعية المختلفة، وادارة الخلافات بأساليب غير عنيفة. ويعتقد د. محمد سعد أبوعامود ان وسائل الاعلام الهندية بالاضافة الى الأحزاب السياسية الهندية قد لعبت دورا كبيرا في تأجيج المشاعر الطائفية داخل المجتمع الهندي، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الهندوس والمسلمين، فمن يطالع مانشر في هذا المجال يجد تركيزا واضحا من جانب الاعلام الهندي ومراكز البحوث هناك على التطرف والعنف الاسلامي والتهويل من مخاطر ماتسميه الأوساط الرسمية الهندية بالجماعات الاسلامية المسلحة خاصة في كشمير، ولا شك ان تنامي ظاهرة الاسلام السياسي في القارة الاسيوية ووقوع بعض الاخطاء من جانب ممثلي هذا الاتجاه ساعد على اثارة هذه المشاعر التي يرى بعض المحللين المحايدين انها غريبة على المجتمع الهندي وغيرهم من الطوائف الهندية على مدى قرون طويلة دون ان يحدث مثل هذا الصراع، ولكن ربما تكون الازمات الاقتصادية التي واجهت الهند في الفترة الاخيرة هي التي أدت الى ازدياد العنف الطائفي، ولقد حاولت الحكومات الهندية المتتالية صرف أنظار الشعب الهندي عن الأسباب الحقيقية لهذه الازمات من خلال التركيز على ماتسميه اخطار الأصولية الاسلامية، ولكل هذه الأمور كان لابد من ازدياد حدة العنف الطائفي الهندي وصولا الى حالة الانفجار التي حدثت من أيام. بيانات متتالية ولا يستبعد د. أبوعامود ان يكون للأحداث الاخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة واعلانها الحرب على ماتسميه الارهاب دور في الأحداث الطائفية في الهند، حيث حاولت الحكومة الهندية توظيف هذه القضية لخدمة أهدافها السياسية في الصراع مع باكستان حول كشمير ونتيجة لهذا فقد أججت المشاعر المضادة للمسلمين في المجتمع الهندي ويؤكد هذا البيانات المتتالية التي أصدرها المجلس الهندوسي العالمي في الفترة الاخيرة في محاولة لتوظيف محاربة ماتسميه الولايات المتحدة بالارهاب لخدمة المصالح الهندية في كشمير وهو ماكان له أثاره العكسية على الأوضاع السياسية الداخلية في الهند وعلى العلاقة بين القوى السياسية الهندية المختلفة، ويؤكد هذا ان المعارضة الهندية في البرلمان اتهمت وزير الداخلية الهندي بأنه لم يتخذ الاجراءات الكافية للتعامل مع الأحداث الأخيرة، الأمر الذي أدى الى زيادة ضحاياها والى استخدام أساليب غير إنسانية ضد المسلمين الهنود والذين يعلون من قيمة الانتماء الى الهند ويرون أن انتماءهم وولاءهم لها، كحوادث حرق بعضهم احياء في الميادين العامة وهو ماعقب عليه رئيس الوزراء الهندي بأنه وصمة عار في جبين الهند. وعن النتائج المتوقع أن تترتب عن هذه الأحداث يشير د. أبوعامود الى أن أخطر هذه النتائج هي امكانية امتدادها الى الدول المجاورة والى المجتمعات ذات الطابع التعددي المنتشرة في القارة الأسيوية، وكما ان هذه الأحداث تعبر عن أزمة التجربة الديمقراطية الهندية أكبر الديمقراطيات في العالم والنموذج الديمقراطي الفريد في دول العالم الثالث، فإنها تثير علامات استفهام كثيرة حول مستقبل هذه التجربة بعد سقوط كل هؤلاء القتلى. ومن جانبه يرى د. عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ان النموذج الديمقراطي الهندي اهتز كثيرا مع صعود حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف الى سدة الحكم، ومن هنا فليس مستغربا ما وقع من أحداث طائفية خلال الأيام الماضية، بل أن الأوضاع في الهند ستظل معرضة للانفجار في أي لحظة لأن الاجواء مازالت كما هي هناك تحفز من الجانبين والسبب الذي أدى الى وقوع الأحداث الطائفية الاخيرة هو الأخر مازال موجودا حيث لم تحسم بعد المعركة حول مكان مسجد بابري بين الهندوس والمسلمين في الهند. ويعتقد د. عماد جاد أن تأجج الصراع الطائفي في الهند يعود الى استغلال الحزب الحاكم في الهند وكذلك المجلس الهندوسي العالمي أحداث 11 سبتمبر للتأكيد على وجود التطرف الاسلامي وخاصة أن الأجواء الدولية مهيأة لذلك. استغلت ذلك لصالحها في القضية الكشميرية حيث تم حظر نشاط العديد من المنظمات الاسلامية الكشميرية التي تتخذ من باكستان مقرا لها، وهو ماانعكس على الداخل الهندي وتطورت الأمور وحدثت التحرشات بين الجانبين المسلم والهندوسي وهو ماساعد على وقوع أحداث العنف الطائفي الاخيرة التي راح ضحيتها المئات من القتلى. ويرى د. جاد ان هذا الصراع الطائفي بين المسلمين والهندوس له جذوره التاريخية وهناك أحداث دامية أخرى سابقة أهمها أحداث عام 1992، ولكن كان وجود حزب المؤتمر الوطني الهندي في الحكم يمنع وقوع مثل هذه الأحداث ولكن مع وصول حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف إلى الحكم خلق بيئة مشجعة لوقوع الأحداث الطائفية ومن هنا كانت الاتهامات لوزير الداخلية الهندي الذي ينتمي لهذا الحزب بأنه لم يكن على مستوى الحدث، وهو ماأدى الى سقوط الكثير من الضحايا.