الملف السياسي:ان معظم الحروب الكبرى وانهيار الامبراطوريات والقوى العظمى على مدى التاريخ، بدأت بحدث صغير سرعان ما تحول الى شرارة يتطاير لهبها ليظل شهورا، أو أعواما أو عقودا تنهار خلالها دول وتقوم اخرى ويموت خلق ويأتي آخرون وفقا لقانون التدافع الذي وضعه خالق الكون جل شأنه. والشواهد على ذلك لا حصر لها ولا نهاية سواء في التاريخ القديم أو المعاصر أو الحاضر الذي نعيشه ونحياه، ومع كثرة المذابح التي تعرض لها المسلمون على أيدي «الهندوس» في شبه القارة الهندية لاسيما خلال العقود الأربعة الأخيرة فإن ما تعرضوا له منذ بداية أزمة مسجد «بابري» في ايوديا عام 1989 من حيث الشكل أو طريقة التعامل، كان حينها ينذر ببوادر أزمة من نوع خاص يمكن ان يؤدي تفاقمها أو انفجارها الى عواقب وخيمة تهدد كيان الهند التي تضم «خمسة وعشرين» ولاية تنتشر على مساحة شاسعة يتوزع عليها أكثر من 850 مليون نسمة يتكلمون 14 لغة مختلفة ويدينون بست ديانات معروفة هي «الاسلام والهندوسية والمسيحية والسيخ والبوذية والجيان» بجانب عشرات المعتقدات الأخرى التي تهبط بالانسان فكرا وسلوكا وحياة الى أدنى المستويات بداية من عبدة الأوثان وحتى عبدة الحيوانات. يعتبر التعصب الديني السياسي أو ما يسمى بالطائفية أحد المتغيرات الاجتماعية المهمة لما تسببه من أضرار اقتصادية ونفسية لحقت بالقارة الهندية، فالملاحظ ان التوترات الطائفية كان لها أثرها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ولم يستطع «الحزب الحاكم» ان يضع نهاية لهذه المأساة الاجتماعية السياسية التي تكلف الهند غاليا لا في الجانب السياسي والوحدة الوطنية فحسب، بل وتعمل على تأخير الهند اجتماعيا واقتصاديا. وهذا ما نلاحظه اليوم بين الهندوس والمسلمين من جهة، وبين الهندوس والسيخ في منطقة البنجاب التي تعتبر «سلة الهند الخضراء» وينسحب ذلك على مناطق كثيرة في الهند مثل منطقة التاميل نادو في جنوب الهند، ومنطقة كشمير في الشمال الغربي ومنطقة أسام في الشمال الشرقي. كما ان الاستعمار البريطاني قد لعب دورا مهما في خلق التناقضات الدينية بين الشعب الهندي، فمن استقراء بسيط للتاريخ نلاحظ ان البريطانيين كانوا مرة يقربون الهندوس على حساب المسلمين والسيخ ومرة أخرى يحصل العكس، وهو ما يجري الى يومنا هذا، فالمتغيرات الاقتصادية والسياسية من نهب خيرات وتشويه للتطور الاجتماعي كلها أدت الى ان تأخذ تلك المتغيرات أبعادا دينية، فالفوارق الاجتماعية والاقتصاية والسياسية هي التي فرضت الصراعات الدينية اليوم، ولاشيء يستطيع ان يحل التناقضات الدينية ما لم يسع النظام السياسي الى احداث تغيرات أساسية في بنى المجتمع. ورغم سيطرة «الهندوس» على معظم مقاليد الأمور في البلاد باعتبارهم أغلبية حسب الاحصاءات الرسمية التي تشير الى انهم يزيدون على 80% من مجموع سكان الهند الا ان هناك العديد من الحركات الانفصالية والمحاولات التي تقف ضد الهيمنة الهندوسية، من أبرزها مطالبة مسلمي كشمير بانفصال الولاية عن الهند وفقا لقرار تقسيم شبه القارة الهندية الذي تم عام 1947، الا ان الهند ترفض اقرار هذا الأمر بعدما وافقت عدة مرات على قرار الأمم المتحدة الخاص بمنح سكان جامو وكشمير حق تقرير مصيرهم، وقامت بينها وبين جارتها باكستان أكثر من أربع حروب بسبب قضية كشمير منذ عام 1947 وحتى الآن، وقد قام مسلمو كشمير بانتفاضة كبرى ضد الحكم الهندوسي في نوفمبر 1990 ومازالت تتوقد حتى الآن بين فترة وأخرى. ولا يطالب مسلمو كشمير وحدهم بانفصال الاقليم، فالسيخ كذلك يطالبون باقامة وطن مستقل لهم في ولاية البنجاب، وقد قامت القوات الهندية باقتحام المعبد الذهبي الواقع في مدينة «امريستار» الذي يعتبر أقدس مكان للسيخ مرتين احداهما عام 1984 في عهد «انديرا غاندي» والثانية عام 1988 في عهد ابنها «راجيف» وكان مصير انديرا هو القتل بعد شهور قليلة من عملية اقتحام المعبد الذهبي على يد أحد حراسها السيخ الذين توعدوا ايضا ابنها راجيف بالقتل بعد عملية الاقتحام الثانية، لكنه قتل عام 1991 في عملية لايزال يكتنفها الغموض ولايزال السيخ يطالبون بوطنهم المستقل ويجاهدون في سبيل ذلك كثيرا. ومع وصول عدد المسلمين الذين قتلوا بسبب أحداث المسجد البابري أو بسبب الدفاع عنه الى ما يقرب من أربعة آلاف شخص، ومع استمرار تفاقم أعمال العنف في الهند بين المسلمين الذين يبلغ عددهم 120 مليون مسلم والهندوس الذين يزيدون على 600 مليون، حتى جاءت تصريحات رئيس الوزراء الهندي قائلا: «اننا نواجه أزمة وموقفا بالغ الخطورة على البلاد». وهذه الدلائل تشير الى ان هدم مسجد بابري لم يكن حدثا عاديا رغم حالة الضعف والاضطهاد الذي يعيشه مسلمو الهند منذ عقود، حيث ان الشرطة الهندية لا تصوب أسلحتها في النزاعات الطائفية التي تقوم بين المسلمين والهندوس الا الى صدور المسلمين، وقد جاءت في دراسة نشرت مؤخرا ان 655 مسلماً قد قتلوا على يد الشرطة الهندية في اضطرابات حدثت في نوفمبر 1993 في ثلاث عشرة ولاية من أصل خمس وعشرين ولاية من ولايات الهند ولم يقتل هندوسي واحد. تطهير المدن وذلك يؤكد ان ما يقوم به الهندوس من اضطهاد ضد المسلمين لهو أمر مدروس ومخطط له، وقد يكون لأهداف منها اجبار المسلمين على الرحيل عن المدن المهمة وتركها، كما حصل في جنوب مدينة نيودلهي وفي بومباي، تلك الحملات تهدف الى تطهير المدن ذات الاغلبية الهندوسية من المسلمين الذين كانوا يعيشون فيها منذ عدة قرون، وقد بدأ بالفعل رحيل المسلمين في بومباي وربما غدا يكون في نيودلهي أو أحمد اباد. وتتفاقم الأزمة وترتفع حصيلة أحداث وأعمال عنف شهدتها المدن الهندية، لتعتبر أسوأ عملية انتقام طائفي شهدتها البلاد منذ أكثر من عشر سنوات حين ارتفع عدد ضحاياها الى أكثر من 665 شخصا معظمهم من المسلمين، ردا على قيام المسلمين في 27 فبراير الماضي بقتل 58 هندوسيا في بلدة جودرا بولاية كوجرات، كانوا عائدين من بلدة ايودا حين لقوا حتفهم نتيجة حرق القطار الذي كان يقلهم بعد ان شاركوا في طقوس دينية استعدادا لبناء معبد هندوسي في موقع مسجد بابري الاسلامي التاريخي و(الذي كان قد دمر من قبل هندوس متطرفين في السادس من نوفمبر 1992 مما أدى في حينها لاضطرابات طائفية قتل فيها الكثير). وتم نشر عناصر الجيش في أحمد أباد العاصمة الاقتصادية لكوجرات ومدن اخرى لفرض احلال الهدوء واستتباب الأمن والاستقرار. الدعوة لاحلال الوئام من جهة اخرى، فقد تزايدت لدى المسئولين مخاوف انتقال أعمال العنف الطائفي لولايات أخرى في الهند، وبالفعل فقد انتقلت أعمال العنف تلك في ولاية «كوجرات» الى ولاية «راجستان» المجاورة، كما شهدت مدينة حيدر أباد الشمالية أحداثا مماثلة، كذلك حاول الهندوس فرض اضراب بمدينة بومباي، وتجاه تلك الاحداث أعلن رئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجبايي ان حكومته ستتعامل بحزم مع هذه الاحداث، ودعا المسلمين والهندوس في بيان وقعه مع زعيمة المعارضة سونيا غاندي وعدد من الاحزاب الاخرى لالتزام الهدوء، كما وقادت زعيمة حزب المؤتمر سونيا غاندي وحوالي 150 من نواب حزبها في البرلمان اعتصاما احتجاجيا صامتا أمام نصب بطل الاستقلال «المهاتما غاندي» في داخل مجمع البرلمان ودعوا لاحلال السلام والوئام في البلاد. كذلك دعا البيان الشعب الهندي لضرورة عزل المتسببين في تلك الاحداث والحفاظ على قضية الوفاق القومي كضرورة ومطلب حتمي، في حين اتهم ناب الحكومة الائتلافية الهندية بقيادة حزب «بهارتيا جاناتا» والحكومة الاقليمية في كوجرات بالتخاذل في مواجهة الاضطرابات الطائفية. وبجانب موقف حزب المؤتمر المعارض في البرلمان في الموقف الرسمي تجاه الاحداث الطائفية فقد صرح زعيم الحزب الشيوعي الهندي «نيلوبتال باسو» بان ما يجري ليس اقل من ابادة الاقليات برعاية الدولة، وفي ولاية جامو وكشمير الولاية الهندية الوحيدة ذات الاغلبية المسلمة نفذ السكان ايضا اضرابا عاما احتجاجا على الهجمات التي استهدفت المسلمين، وبتصاعد الهجوم والتنديد على الحكومة والبرلمان تم اتخاذ قرار بتأجيل جلسات البرلمان لفترة مقبلة. وتستمر السلطات الهندية في اجراء محادثات مع المجلس الهندوسي العالمي الذي يتزعم حملة بناء المعبد، والذي اعلن عن استعداده لقبول حل وسط واصدر بيانا تمسك فيه بخططه لبناء المعبد ولكن بطريقة سلمية ومن دون اراقة دماء هندوس او مسلمين حسب اعتقادهم، وذلك من خلال اجراء رمزي في 15 مارس الجاري بوضع الركائز والاعمدة التي جهزت لبناء المعبد الى موقع مجاور لمسجد بابري، وهذا الموقع هو ملكية حكومية وليس موضع نزاع بين الهندوس والمسلمين مما يضفي على الموقف وضعا محايدا في مناخ سلمي آمن. وفي كل الاحوال فانه لم يتضح للان ماذا كان بيانا المجلسين الهندوسي والاسلامي سيؤديان الى اتفاق فعلي قبل الموعد المحدد للبدء في عملية البناء، وان لم يكن كذلك فانه بلا شك ستواجه الهند موقفا ينذر بتجدد الاضطرابات العنيفة. ـ كاتبة عراقية