الملف السياسي: لم تكن أعمال العنف الطائفي التي شهدتها ولاية جوجارات الهندية أخيرا، والتي راح ضحيتها حوالي 800 مسلم قتل معظمهم حرقا في بيوتهم بواسطة الهندوس المتطرفين، لم تكن هذه الأعمال غير متوقعة في اطار مناخ التطرف الهندوسي، الذي ساد الهند في السنوات الأخيرة، ومنذ تولي حزب بهارايتا جاناتا BJP اليميني المتطرف الحكم في مارس 1988 واذا كانت ولاية جامو وكشمير هي الساحة الرئيسية التي شهدت قمة أعمال القمع الوحشي الذي تعرض له المسلمون في الهند خلال السنوات الأخيرة، إلا أن المسلمين في باقي الولايات الهندية ويزيد عددهم عن 150 مليون مسلم ـ تعرضوا أيضا لأعمال عنف واضطهاد لا تقل في وحشيتها عما تعرض له مسلموا كشمير، وذلك بشهادة ليس فقط لجان حقوق الانسان الدولية، بل واللجان الهندية أيضا العاملة في هذا المجال. أما ولاية جوجارات وحدها التي كانت مسرحا للأحداث الأخيرة، فهي تقع في غرب الهند ويشكل المسلمون 40% من سكانها يشتغلون بالصناعات الحرفية وصناعة النسيج ويتميزون بالقدرة على ممارسة الأعمال الشاقة، كما يمارسون التجارة ولهم مراكز أعمال صغيرة نشطة، مما جعلهم في مستوى معيشة أعلى مقارنة بغيرهم من الهنود، وهذا أحد الأسباب التي جعلتهم هدفا للعنف الهندوسي، ويشكل المسلمون خمسين بالمائة من سكان عاصمة هذه الولايات أحمد أباد التي يبلغ اجمالي سكانها خمسة ملايين نسمة، ويتواجد بها الكثير من المعاهد التعليمية الخاصة بالمسلمين، وكذا مراكز الأعمال. وفي كل عام تقريبا وخلال احتفال الهندوس بأعيادهم الدينية، مثل الهولي و ديوالي دأب الهندوس المتطرفون على التعرض لممتلكات المسلمين بالاحراق والسلب والنهب، حتى أصبح المسلمون يتحسبون لها مقدما باخلاء ممتلكاتهم والانعزال بعيدا. وكانت مثل هذه الحالات تمضي دون متابعة لسببين: أولهما لأنها تقع في منطقة بعيدة في غرب الهند، وثانيا لأن أعمال العنف هذه أصبحت جزءا معتادا من نمط الحياة هناك. إلا أنه خلال الثمانينيات، ومع تزايد أعمال العنف والبطش والقمع والتنكيل التي يتعرض لها المسلمون في الهند، وضع أحد الكتاب الهنود المشهورون ويدعى ك.ل.جوبا كتابا أسماه الأصوات المجهولة كشف فيه المآسي المروعة التي يتعرض لها المسلمون في الهند، حيث أوضح أنه في كل سنة يقتل أكثر من 1000 مسلم تقريبا وتخرب ممتلكاتهم في الهند على أيدي الهندوس المتطرفين، وتحت عنوان مأزق المسلمين في الهند قال جوبا لقد حان الوقت لأن يرفع المجتمع الدولي صوته باسم الانسانية ليجبر الهند على الالتزام بمفاهيم السلوك الانساني المتحضر، إن الهند التي تدعي أنها تمثل الديمقراطية الأكبر في العالم، تمارس سلطاتها أعنف صنوف التحيز الطائفي ضد الأقليات المتواجدة بها، خاصة الاقلية المسلمة الأكثر اضطهادا، ويجدر بالهند أن تؤمن لهذه الأقليات حقوقهم الانسانية كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات مع غيرهم من الأغلبية الهندوكية في هذا البلد كما نص على ذلك الدستور الهندي. المنظمات الهندوسية المتطرفة في الهند لقد كان هدم واحراق مسجد بابري الذي يعود تاريخه للقرن السادس عشر في مدينة أيوديا لاقامة ما يسمى بمعبد رام على أنقاضه في عام 1992، مما تسبب في وقوع أحداث عنف طائفي راح ضحيتها عشرات الآلاف آنذاك، ثم اصرار الهندوس المتطرفين من أتباع حزب VHP اليميني المتطرف فيشوا هندو باريشاد الهندوسي وهو بمثابة مؤتمر هندوسي عالي، وجماعة شيف سينا وجماعة ماهاسبها على المشروع في بناء المعبد في 15 مارس الحالي عقب مؤتمرهم الأخير، وكان سببا في اشتعال الأحداث على النحو الذي جرى مؤخرا، كان ذلك رمزا للاضطهاد والحقد الأعمى والكراهية التي يكنها الهندوس المتعصبون للمسلمين في الهند، والتي وجدت مناخا مشجعا بعد تولي حزب بهاراتيا جاناتا الحكم، وكان من نتاجها أيضا حرق مسجد كشتوار في ولاية كشمير في يناير 2001، وهو من المساجد الأثرية الكبيرة في الهند، ويرجع تاريخه أيضا الى القرن السادس عشر. وبجانب حزب VHP اليميني المتطرف يوجد أيضا تنظيم RSS Rashtring Swayamsewak sany والتي تعتبر الأساس الايديولوجي الذي قام عليه حزب جاناتا الحاكم، ويعتبر هذا التنظيم هو المتحكم فعلا في سياسة حزب جاناتا، لأن كثيرا من أعضائه وعلى رأسهم كريشنا أدفاني وزير الداخلية أعضاء في منظمة RSS وينفذون ايديولوجيتها على الأصعدة السياسية والأمنية والاجتماعية، وهو ما يفسر ضلوع RSS في العديد من حوادث العنف التي يتعرض لها المسلمون والمسيحيون وطائفة المنبوذين، حيث يؤمن هذا التنظيم بأنه يتعين على جميع المواطنين في الهند - أيا كانت دياناتهم - إتباع قيم الثقافة الهندوسية. ويعتبر أدفاني من أكثر الوزراء الهنود تطرفا في حقده وعدائه للمسلمين وللعرب، وقد كان يقف بنفسه ومعه وزيران آخرن في الحكومة الحالية، يشرفان على هدم مسجد بابري في عام 1992 عندما كانت حكومة حزب المؤتمر بزعامة ناراسماراو في السلطة أنذاك، كما يعد أدفاني من أكثر المسئولين الهنود زيارة لاسرائيل وتشجيعا على تعميق علاقات الهند الأمنية والدفاعية والمخابراتية معها، كما طالب أثناء زيارته لاسرائيل في يونيو عام 2000 بأن يكون التعاون النووي بين البلدين أحد مجالات الشراكة الاستراتيجية بين الهند واسرائيل، وذلك بدعوة أن البلدين يواجهان تهديدا مشتركا يتمثل في زعمه في: الارهاب الاسلامي و القنبلة النووية الاسلامية . لذلك لم يكن غريبا أن تطالب أحزاب المعارضة الهندية وزير الداخلية أدفاني بالاستقالة، لأن قوات الشرطة والأمن في الأحداث الأخيرة لم تتدخل مبكرا لوقف المذابح التي ارتكبها المتطرفون الهندوس ضد المسلمين في ولايته ولأن عدم التدخل هذا كان بأوامر من أدفاني مما أدى الى وقوع هذا الحجم الضخم من الخسائر البشرية والمادية. واذا كان رئيس وزراء الهند فاجبايي ـ وهو رئيس حزب جاناتا ـ قد وصف هذه الأحداث بأنها تعد عار على الأمة الهندية برمتها ودعا الى الهدوء، وهو ما تجاهله الهندوس المتطرفون الذين كانوا يرفعون اللافتات التي تدعو الى تعلم كيفية حرق المسلمين، فإنه ينبغي لنا أن نذكر رئيس وزراء الهند بأنه كان واحدا ممن شجع على أعمال العنف هذه، فقد أكد في خطاب ألقاه في 9 سبتمبر 2000 أمام جمع من الأمريكيين الهنود خلال زيارته للولايات المتحدة، وكان هذا الاجتماع برعاية الحزب المتطرف VHP التزامه ببرنامج عمل المنظمات الهندوسية المتطرفة التي على صلة بحزبه الحاكم، وأبرزها راشتريا سوايا نسيفاك سنج ، وهي إحدى المنظمات المسلحة التي تمارس ارهاب وترويع الأقليات الدينية في الهند، لاسيما المسلمين ونصارى والمنبوذين. وقد تعهد فاجبايي في هذا الاجتماع بأنه سواء بقي في موقعه رئيسا للوزراء أم لا، فسيظل دائما جنديا مخلصا لجماعة راشتريا سوايا نسيفاك سنج التي ينتمي اليها أصلا. وعندما سئل عن سبب عدم بناء الحكومة لمعبد رام أيوديا مكان مسجد بابري، أجاب فاجبايي لم نحصل على اجماع الآراء من الشعب بعد، فاذا أعطانا الشعب أغلبية الثلثين سنحقق الهند التي نحلم بها وقد أثارت تصريحات فاجبايي هذه استياء الكثيرين من الزعماء الهنود في حزب المؤتمر والحزب الشيوعي، حيث كشف عن حقيقة برنامجه الخفي الذي يسعى الى تحقيقه بمساعدة المتطرفين الهندوس، واتهموه باشعال فتنة طائفية جديدة في الهند. الهندوس وبناء الدولة الكبرى أكدت تصريحات فاجبايي هذه على صلة حزبه بالمتطرفين الهندوس الذين يحلمون ببناء دولة الهندوس الكبرى ليس فقط في جنوب آسيا، بل ولها امتدادات أيضا في شرق وغرب آسيا، خاصة في العالم الاسلامي، إذ تقول الأساطير الهندية أن الامبراطورية الهندوسية كانت تمتد في يوم من الايام من سنغافورة شرقا الى نهر النيل غرب، مرورا بشبه الجزيرة العربية، وفي هذا الصدد قال جواهر لال نهرو ـ أول رئيس وزراء للهند عقب استقلالها عام 1947 في كتابه اكتشاف الهند Discavery of India إن الهند كما صنعتها الطبيعة لا يمكنها أن تلعب دورا ثانويا في شئون العالم، فإما أن تعتبر من القوى العظمى أو أن لا يكون لها وجود. يفسر هذا المفهوم الدبلوماسي الهندي لـ إس.آر. باتيل في كتابه السياسة الخارجية للهند فيقول: ومن الضروري جدا أن تسيطر الهند على سنغافورة والسويس اللذان يشكلان البوابة الرئيسية لها واذا ما سيطرت عليهما قوى أخرى معادية للهند فإنها تهدد استقلالنا كذلك فإن حاجة الهند للبترول تجعلها دائما تهتم بالبلاد العربية في منطقة الخليج ثم يبرر باتيل هذه الأطماع التوسعية فيقول في كتابه: يسود فراغ سياسي هائل في المنطقة بعد مغادرة الانجليز لها، ويجب سد هذا الفراغ، وبما أن للهند قوة بحرية عظيمة، فمن الضروري أن يتحول المحيط الهندي وبحر العرب من سنغافورة الى السويس خليجا تملكه الهند كتاب Foreign Paliey of India . إن كتب الهندوس التاريخية التي تتحدث عن أخاند بيهارات Akhand Beharat باعتبارها دولة الهندوس الكبرى التي ينبغي أن تشتمل ليس فقط شبه القارة الهندية قبل استقلالها عن بريطانيا ، أي قبل تقسيمها بين الهند وباكستان ولكن أيضا جزءا كبيرا من أفغانستان وسريلانكا وجنوب شرق آسيا وجزء من غرب آسيا، وقد ألهمت هذه النبوؤة المزعومة التي تتحدث عن امبراطورية هندوسية واسعة تضم هذه المساحات الشاسعة من الأراضي، واشعلت حماس كثيرا من المفكرين والسياسيين الهنود السابحين في دنيا الوهم والخيال، خاصة ممن ينتمون الى الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل (جاناتا) مطالبين بالسعي والعمل لتحقيقها، لذلك نجد الاستراتيجيون الهنود يحددون دائرة المجال الحيوي للهند في المنطقة الممتدة من مضيق مالاكا بين أندونسيسا وماليزيا شرقا، وحتى منطقة قناة السويس غربا، وهو ما يفسر ممارسات كثيرة وقعت في الخمسين سنة الماضية، منها ثلاثة حروب شنتها الهند ضد باكستان قطعت فيها الهند أوصال هذه الدولة المسلمة: أولا استقطاع الولايات المسلمة في حيدر أباد وجوناجار وكشمير وضمها الى الهند في عام 1947، ثم فصل باكستان الشرقية تحت اسم دولة بنجلاديش عن باكستان الغربية في حرب 1971 وحملتها العسكرية على سريلانكا عام 1980 ثم انسحابها منها بعد تكبدها خسائر جسيمة هناك على يد ثوار التاميل ، كما أنزلت الهند قواتها في جزر المالديف بدعوى اخماد انتفاضة هناك، كذلك فرضت حظرا تجاريا على نيبال حتى تخضع لهيمنة الهند. لذلك لم يكن غريبا أن تسعى الهند لشراء حاملة طائرات ثالثة بالاضافة للحاملتين الموجودتين، وذلك لبسط هيمنتها على منطقة بحر العرب والمحيط الهندي حتى ديجو جارسيا جنوبا وسنغافورة شرقا. وأن تطور الصاروخ الباليستي أجوني ليصل مداه الى 5000 كم ليغطي المنطقة الممتدة من الصين الى كازاخستان الى تركيا شمالا وحتى مصر والقرن الافريقي ومنطقة الخليج غربا واليابان ودول الآسيان وجزء من استراليا شرقا، وهو ما يعني تغطية منطقة المصالح الحيوية للهند على اتساع هذه الرقعة، مع الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية لتحقيقها، كما يقول في ذلك كريس سميث في كتابه ترسانة الهند فإذا ما وضعنا في الاعتبار ما أصدرته الهند في وثيقتها المعروفة عقيدة الهند النووية وعلمنا أنها تمتلك مخزونا من البلوتونيوم واليورانيوم المخصب يمكنها خلال العشر سنوات القادمة من إمتلاك حوالي 400 رأس نووية، لأدركنا حجم التهديد العسكري التقليدي، وفوق التقليدي الذي تشكله الهند على أمن واستقرار بلدان هذه المنطقة بالنظر لأحلام الأحزاب الهندوسية المتطرفة التي تحكم الهند حاليا وتضع نصب أعينها تحقيق حلم دولة الهند الكبرى. ـ خبير استراتيجي مصري