الملف السياسي: تعتبر الهند رسميا دولة علمانية منذ استقلت عام 1947 إلا أن التعصب الهندوسي قد أشعل العنف الطائفي في ربوع البلاد منذ عام 1961 في ولايتي مادهيا براديش، وأوتارا براديش، ثم صدام الهندوس والمسلمين في أحمد أباد عام 1969 الذي أدى لمصرع ألف شخص. وقتل الآلاف من السيخ في اضطرابات العاصمة دلهي بعد اغتيال أنديرا غاندي رئيس وزراء الهند عام 1984 على أيدي اثنين من طائفة السيخ، وهنا نذكر أن المهاتما غاندي نفسه قد لقي مصرعه على يدي متعصب هندوسي تصور أن زعيم الهند كان متسامحا مع المسلمين وحريصا على استمرار وحدة شبه القارة الهندية. وفي عامي 85 ، 1986 ، تجددت اضطرابات أحمد أباد بين المسلمين والهندوس، إلا أن أخطر الصدامات بين الطائفتين قد حدث في جامو وكشمير التي سقط فيها أكثر من 33 ألف قتيل منذ عام 1989 حتى الآن. أما جذور العنف الطائفي الحالي الذي بدأ في 27 فبراير الماضي فترتبط بمسجد بابري في مدينة أيوديا الذي بني عام 1528 ، وصمت الهندوس طويلا قبل أن يزعموا عام 1853 أن المسجد قد بني في المكان الذي ولد فيه رام شاندر أحد آلهة الهنود، وعالج المستعمر البريطاني آنذاك صدام طائفتي المسلمين والهندوس بأن سمح للطائفة الأخيرة بالصلاة في الساحة الخارجية للمسجد، الأمر الذي يذكرنا بمطامع الصهاينة في ساحة المسجد الأقصى وحائطه الغربي الذي يسميه اليهود والمفرطون العرب كذبا وبهتانا باسم حائط المبكى. وفي عام 1984 ، شكل الهندوس لجنة من غلاة المتطرفين لتحرير مسقط رأس الإله المزعوم رام، وأشرفت اللجنة على وضع حجر أساس معبد رام في الأرض المجاورة لمسجد بابري عام 1989. وأقدم الهندوس المتعصبون عام 1992 بزعامة منظمة VHP المتطرفة على تدمير المسجد بصورة كاملة، مما أدى إلى اشتعال الصدام الطائفي في ولاية أوتار براديش بكاملها، وسقوط ألفين من المسلمين والهندوس صرعى التعصب الهندوسي المقيت، وامتدت الاضطرابات إلى بومباي في يناير 1993. وقد فرضت الحكومة الهندية سيطرتها على أرض المسجد، وتركت للمحكمة العليا الهندية البت في تحديد إلى من تؤول ملكيتها، وهو قرار قد يصدر في 19 مارس الجاري بعد أن تأخر عشر سنوات كاملة تثبت قصور التشريعات الحالية عن مواجهة الخلافات الطائفية بالسرعة والحسم المنشودين. المسلمون في الهند دخل العرب المسلمون إلى الهند في القرن الثامن الميلادي، وتلاهم الأتراك في القرن الثاني عشر، ولم تمنع التجارة مع أوروبا انتشار الإسلام في الهند في الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر الميلادي حتى سيطر الاستعمار البريطاني على أغلب ربوع البلاد في القرن التاسع عشر وبدأ يمارس ضغوطه على المسلمين وتحريض الهندوس ضدهم، وإشعال الصراعات الطائفية بوجه عام بين الهندوس والمسلمين والمسيحيين والسيخ والبوذيين. والإنجليز هم الذين أدخلوا مصطلح كراهية الإسلام Islamophobia ، وحذروا من قيام كيانات إسلامية تتمتع بالحكم الذاتي في أرجاء الهند كدولة علمانية. ويشكل الهندوس اليوم 81.3% من السكان، ويليهم المسلمون وهم قرابة 12% من مواطني الهند الذين تعدوا المليار نسمة مع بداية القرن21 الميلادي، ويعاني الجميع من ارتفاع نسبة الأمية التي تصل إلى 48% من مجموع سكان الهند، ومن تعدد الأحزاب والمنظمات الدينية المعتدلة والمتطرفة التي تسعى إلى درجات متفاوتة من الحكم الذاتي والسيطرة على التوجهات الدينية والاجتماعية. ومع انتشار الفاقة إلى حد أن 42% من الهنود يعيشون تحت خط الفقر، ومع ارتفاع ديون الهند الخارجية إلى أكثر من مائة مليار دولار، واستمرار 67% من قوة العمل في مجال الزراعة تبدو سهولة استقطاب الجماعات الدينية المتطرفة للأنصار، واليسر في تحريك مجموعاتهم لخلق الاضطرابات الداخلية وإشعالها أو تهدئتها، وضرب فكرة التسامح الديني والعرقي في الهند. ولم تفعل حكومات حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، حتى في عهد فاجبايي الحالي، شيئا يذكر لمنع أسباب العنف الطائفي أو تقليل حدتها، ولتعزيز أسباب الوحدة الوطنية ومواجهة الفقر والجهل وبخاصة في الريف الهندي من خلال تطبيق سليم لمفاهيم الحريات الأساسية للمواطنين والمساواة بينهم. ويتصور حزب بهاراتيا جاناتا، وبالطبع منظمة VHP الهندوسية المتطرفة، أن المسلمين الهنود يعتبرون أنفسهم مسلمين أولا، ثم مواطنين هنودا ثانيا، ولم يهتم ذلك الحزب بدور وسائل الإعلام في التقريب بين الأديان والدعوة إلى التسامح بين أتباعها، وكان تجميد الحزب لمشكلة كشمير سنوات طوالا من أسباب اشتعال الصراع الطائفي في الهند في فترات متعاقبة في السنوات الأخيرة. وبعد أحداث واشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر الماضي بدأ غلاة الهندوس إشعال العداء ضد الإسلام كدين، والمسلمين الهنود كمواطنين في بعض ولايات الهند، واعتبر المتطرفون الهندوس أن عليهم الانتصار لثقافة وقيم الهندوس تماما كما يفعل الأمريكان في أفغانستان دفاعا عن حضارة الغرب وتقدمه، ودعا بعضهم الولايات المتحدة لنصرة الهند في جامو وكشمير، والقضاء على المقاومة الوطنية التي تدعو إلى استقلال كشمير أو إلى انضمام أغلب أراضيها إلى باكستان. وبدأت حكومة دلهي بالفعل إعادة النظر في تدريس المناهج الدينية في المدارس والمعاهد الإسلامية في الهند لتبتعد عما يرتبط بالعنف والإرهاب كما يزعم الأمريكان!! كما قدمت الهند دعما كبيرا لقوات تحالف المعارضة الشمالي في أفغانستان بالسلاح والمال والاحتياجات الإدارية بشكل أسهم بصورة مؤثرة في إسقاط نظام طالبان في كابول في وقت وجيز. ولا تزال حكومة دلهي تطالب الولايات المتحدة بالضغط على إسلام أباد لوقف تسلل الإرهابيين عبر الحدود الهندية الباكستانية التي يحتشد على جانبيها حاليا نحو مليون جندي من قوات الدولتين !! اضطرابات جوجارات نظم الهندوس اجتماعا في بلدة أيوديا الشمالية لبدء حملة وضع حجر أساس معبد رام شاندر في موقع مسجد بابري، ثم ركبوا القطار يوم 27 فبراير الماضي ليحتكوا بعدد من الركاب المسلمين، وينزعوا الحجاب عن بعض نسائهم في العربتين الخامسة والسادسة من القطار، ويشتبك الركاب، وتحترق العربتان دون إدانة مباشرة للمسلمين وحدهم بالمسئولية المنفردة عن الحريق، ويقتل 58 شخصا أغلبهم من الهندوس. وبسرعة يتفجر العنف في كافة أرجاء ولاية جوجارات، وبخاصة في أحمد أباد التي فتحت فيها قوات الجيش والشرطة النار على الهندوس والمسلمين معا ليلقى 111 فرد مصرعهم يوم أول مارس الجاري وحده. ووصل الغل الطائفي بالهندوس إلى درجة إحراق ثلاثين مسلما في منازلهم أحياء في قرية بانداروال، ومائة آخرين في جلال أباد، وإلى محاولة هدم مسجد ثان في تلك المدينة الشهيرة بالاضطرابات الطائفية منذ عقد الستينيات في القرن الماضي. ولا ينتظر مجلس الهندوس العالمي قرار المحكمة العليا الهندية حول مصير أرض مسجد بابري فيقرر إقامة حفل ديني للهندوس فيها اليوم الجمعة 15 مارس بتأييد من بعض وزراء حكومة فاجبايي أنفسهم، كأن أولئك الهندوس لا يحفلون بمصرع سبعمائة قتيل في الأيام العشرة الأولى من الاضطرابات، وبالخسائر المادية التي تجاوزت 250 مليون دولار في ولاية جوجارات وحدها. إدارة الأزمة الطائفية لم يستجب فاجبايي رئيس وزراء الهند لمطلب المعارضة الهندية ممثلة في حزب المؤتمر بزعامة سونيا غاندي، وحزب ساماجوادي بشأن إقالة لال كريشنا أدفاني وزير الداخلية الهندوسي المتعصب، وكذا ناريندرا مودي رئيس وزراء جوجارات المشهور بسلبيته إزاء المشاكل الطائفية في ولايته الأمر الذي يهدد بانفجار العنف الطائفي في ولايات عدة مما يمثل تهديدا سياسيا واجتماعيا خطيرا لكيان الهند ومجتمعها متعدد القوميات والطوائف والأجناس والأديان. وأشار حزب المؤتمر إلى ضرورة الحفاظ على وحدة الهند، وعدم السماح للتيارات المتطرفة بإثارة المشكلات الطائفية الحادة في المرحلة الحرجة حاليا سواء بسبب احتمالات المواجهة العسكرية مع باكستان أو نتيجة تداعيات الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان، والتغييرات الحادة في خريطة التحالفات الدولية في وسط وجنوب القارة الآسيوية. وحذر حزب المؤتمر من إمكان تعرض المعابد والممتلكات الهندوسية في باكستان وبنجلاديش للتخريب كرد فعل متوقع لقمع المسلمين الهنود. وأعادت غالبية أحزاب المعارضة الهندية وبعض القوى العلمانية إلى الأذهان مسئولية حزب بهاراتيا جاناتا المباشرة عن كارثة هدم مسجد بابري عام 1992 ، وألمحت إلى تأخر استعانة رئيس الوزراء فاجبايي بقوات الجيش لفرض الأمن والنظام في جوجارات، بل وأنذرت بخطورة تكرار محنة تفكك الاتحاد اليوغوسلافي واقتتال وحداته في الهند في المستقبل القريب، أو المدى المتوسط، إذا تفاقمت حدة صراع القوميات والأديان في شبه القارة الهندية. ولقد اكتفى فاجبايي بإرسال لواءين من القوات المسلحة إلى مدينة أيوديا تحسبا لتجدد الصدامات في الأسبوع الثالث الجاري. أما مجموعة القادة المسلمين التي تمثل 125 مليون مواطن هندي يدينون بالإسلام، فقد أكدت التزامها بقرار المحكمة العليا الهندية المتوقع صدوره لصالح إعادة بناء مسجد بابري، وهو ما ترفضه منظمة VHP المتطرفة التي يتدفق أنصارها إلى مدينة أيوديا وحولها، ويرفض المسلمون كذلك المقترح الهندوسي بإقامة معبد رام شاندر في رقعة من الأرض تلاصق تماما موقع مسجد بابري المختلف عليه تجنبا للاحتكاك المباشر المنتظر بين المصلين في المسجد والمعبد. ويشعر المسلمون الهنود أنهم يقفون وحدهم في مواجهة أغلبية هندوسية تطغي على حقوقهم الدينية وتنتهك حريات مساجدهم دون تدخل مؤثر من جانب منظمة المؤتمر الإسلامي أو بواسطة بعض الدول الإسلامية التي تحتفظ بعلاقات وثيقة أو خاصة مع الهند أو تستقبل العمالة الوافدة منها. ومع ذلك فالأرجح أن يتم احتواء الأزمة الطائفية الحالية في جوجارات، وتسكينها مرحليا لتستمر أسباب وجذور الصراع الديني قائمة في الهند لسنوات طويلة قادمة وبخاصة مع احتدام مشكلة كشمير وتوسيع نطاق الحملة الأمريكية ضد الإرهاب وامتدادها إلى بعض الدول الإسلامية بالعمل العسكري المباشر أو غير المباشر، إلى جانب حاجة حزب المؤتمر المعارض إلى المزيد من الجهود المنظمة لاستعادة نفوذه في المجتمع الهندي وثقة جماهيره حتى يعود إلى الحكم ويخدم متطلبات الوحدة الوطنية بغير انحياز طائفي. ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط