الملف السياسي: اليوم الأول: عملية قتل بشعة ضد مجموعة من ركاب أحد القطارات في ولاية جوجارات أكثر المناطق الهندية التي تعاني من تصادمات طائفية منذ عام 1947. اليوم الثاني: استسلام كامل لبطش الدهماء في مناطق واسعة من ولاية جوجارات وسط محاولات وحشية للأخذ بالثأر. اليوم الثالث: اعلان انتشار حالة التوتر. الأيام التالية: فوضى كاملة، فشل قوات الأمن في السيطرة على الموقف. فلو يتحقق صدق القول بأن الأزمات تأتي بأفضل وأسوأ ما في الانسان، فإن الأمة الهندية تكون قد رأت أسوأ ما رأت خلال تلك الاحداث الدامية، فالحكومة فشلت بشكل فظيع في التعامل مع الموقف بعد تلك الحادثة الفظيعة، فقد قام 2000 من الغوغاء بايقاف قطار سابارمارت السريع قبل انطلاقه بقليل من محطة جودرا، وكان القطار مليئا بمجموعة من طائفة كار سيفاك كانوا في طريق العودة الى أحمد أباد، حيث تم حرقهم جميعا من قبل تلك المجموعة من الغوغاء، الأمر الذي تسبب في نشوب الأحداث الدامية التي تعاقبت بعد ذلك. وما هناك من شك في ان الهجوم على هؤلاء كان أمرا تم التخطيط له مسبقا. فلا يمكن وصفه بأنه موجة عفوية من العنف أثارتها على وجه عفوي مجموعة من الغوغاء، حيث لا يمكن تصديق ان هتافات عدائية انطلقت من قطار متحرك أو من رصيف احدى محطات السكك الحديدية كانت بالأمر الفظيع الذي يدفع مجموعة من المسلمين وصل عددها الى ألفي مسلم الى التجمع بسرعة في الثامنة صباحا مسلحين بمجموعة من القنابل الحارقة. لقد تسببت حادثة جودرا في اشعال موجات من العنف الطائفي في اجزاء من الولاية، فلم يكن هناك مدينة من احمد أباد الى بارودا الى سورات وراجكوت وأناند، الا وقد طالتها موجة الهنف تلك التي أثارتها مجموعة من الغوغاء خارجة عن القانون من أجل الأخذ بالثأر، فبجانب العدد الكبير من الابرياء الذين فقدوا أرواحهم في الحادث، كان هناك قدر كبير من الأضرار المادية التي لحقت بتلك المدن. لا يمكن ان يكون هناك سبب أو دافع منطقي يبرر اندلاع تلك الموجة من العنف المدمر وتحمل المواطن الهندي عبء احتواء هذا القدر الهائل من العنف الذي وقع في جودرا والعمل على مواجهته بقدر من الحكمة والاتزان. غير ان الكابوس استمر لعدة أيام، الأمر الذي يفسر سلوك الوزير المسئول عن جوجرات وقوات الشرطة وحجم الثأر الوحشي الذي قام به الهندوس الغوغائيين. فعندما لا تتحرك السلطات بشكل حاسم للاحتواء والسيطرة على العنف والشغب، فإن الأمر لا يرجع الى عدم امتلاكها للوسائل التي تمكنها من السيطرة على الأمر ولكن لأنها اختارت ألا تفعل شيئا. فلو كانت الحكومة تصرفت بشكل بديهي وسليم ومنعت جمع الغوغاء على محطة القطار، لكان ممكنا تجنب هذا القدر من القتل الجماعي، وليس هناك شك في ان ما حدث في جودرا كان فشلا ذريعا للاستخبارات، فالهجمات التي حدثت سابقا، ومنها الهجوم على البرلمان، كان ينبغي ألا يزيد انتباه أجهزة الاستخبارات المركزية واستخبارات الشرطة لتهتم أكثر بولاية جوجارات الحدودية ووضعها الحساس، فالهجوم على القطار كان يحتاج الى إعداد يستغرق أياما، والقيام بهذا الهجوم بهذه السهولة يكشف ان هناك مؤامرة تظهر عواقبها الآن على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي. يقول سيد قاسم رسول الياس المتحدث باسم لجنة مسجد بابري في المجلس القانوني لمسلمي عموم الهند: «تؤثر موجات العنف بشكل حتمي على الرخاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد. عندما تقول ان الأمر طائفي، فإنه ينحصر على طوائف معينة، لكن هذا القدر من العنف الذي حدث يتضمن قوة فاشية تعمل عن عمد على احداث توترات بالهند من أجل الضغط على أحد الأطراف كي يستسلم وليس هنا حاجة كي نقول من هم هؤلاء فهم أناس يروجون لايدلوجيتهم التي تقوم على الفاشية». ويقول فيشو هاري دالميا رئيس وأحد الأعضاء المؤسسين لحزب «فيشو باريشاد» الهندوسي: «الهجمة الأولى التي قام بها المسلمون أشعلت الموقف بأكمله، غير انه كان لا ينبغي على الهندوس ان يتعاملوا معهم بذات الأسلوب، هذا النوع من العنف الطائفي بنبغي ألا يحدث إذا كانت الدولة تريد ان تصل الى رخاء اجتماعي واقتصادي. هناك مجموعة من المجموعات الارهابية تقف وراء هذا النوع من الأعمال، وسوف يفضي التحقيق في الأمر الى حقيقة ما حدث»! ولكن كيف لنا ان نفسر الطريقة التي تصرفت بها المؤسسة العلمانية تجاه الموقف؟ لا يمكن انكار ان ما حدث كان أمرا لا يمكن التسامح فيه ويستحيل تفسيره بأنه جاء نتيجة أمور تحريضية أو استفزازية كبيرة، فماذا حدث للضحايا الابرياء في جوجارات؟ لقد تم حصارهم في عالم كأنه ليس عالمهم، ففجأة اصبحوا غرباء في الأرض التي عاشوا بها لقرون عديدة، ولم يأت أحد لنجدتهم أو انقاذهم من أيدي الدهماء أو يستجيب لصراخهم، واليوم أصبح المناخ فاسدا. ويقول دالميا أحد القادة الهندوس المعتدلين وأحد رجل الصناعة البارزين في البلاد: «الخوف والهلع الذي تمخض عن الموقف سيحتاج وقتا كي ينقشع، وهناك كثير من الوقت قبل ان تصفى الاجواء، فالناس كانوا يعيشون كاصدقاء، غير ان ما حدث قلب الأوضاع، وبالتأكيد لن ينظر العالم الى ما حدث برحمة ولطف». والآن تسيطر حالة من الهدوء على البلاد لا سيما المناطق الريفية، حيث تتوافد أخبار بشأن استمرار العنف هناك، وإذا لم يتم ايقاف هذا العنف فاحتمال تكرار موجات عنف في مناطق اخرى من البلاد وارد. ويقول الياس: «ان العالم يراقبنا، فالهند دولة ديمقراطية عظيمة ولكن للأسف يقوم بعض الناس بإحداث قلاقل وتوترات من أجل مصالحهم الخاصة، ونتيجة لذلك فإن الدول المجاورة حتما تتأثر بالأمر. ولأن الهند أصبحت قرية عالمية، فإن أفراد الشعب لهم مصالح في مختلف بلدان العالم، وبالتالي فهم يتأثرون. لذا فليست فقط الدول المجاورة هي التي تتأثر ولكن الجميع ايضا في انحاء العالم ينظر الى تطورات الموقف بلهفة. لاشك في ان موجات الشغب التي حدثت قد لطخت سمعة الجمهورية الهندية وشوهت صورة الهند كأرض للتسامح في أعين دول العالم، لقد خلف نزاع ايوديا أعدادا من القتلى وسلسلة من الدمار المادي. ويقول دالميا انه «إذا لم يتم الكشف عن الجناة لن يكون من الممكن اتخاذ اجراءات علاجية، ولأن المسلمين هم الذين بدأوا بالهجوم، فإن على القادة المسلمين ان يحملوا تابعيهم على عدم التعاون مع العناصر المعادية للمجتمع، فلقد أضر رد الفعل الذي اتخذه الهندوس بالطرفين معا». ليس هناك شك في ان أرض المهاتما غاندي قد عانت عبر القرون موجات عالية من الصراعات الطائفية، فالانقسام بين الطوائف في المجتمع عميق جدا لدرجة ان أتفه الأحداث يمكن ان تؤدي الى اندلاع أسوأ موجات العنف. ينبغي لأية حكومة مسئولة ان تقوم بدعم ورفع مستويات الأمن في المناطق الحساسة وتتعامل بشدة وحسم مع كل هؤلاء الذين يتحدون القانون وأيا كانت رؤية المراقب للموقف الحالي فليس هناك من شك في ان الحكومة أخطأت في تقدير الموقف والتعامل معه. فالدولة كان عليها ان تختار ان تكون حذرة بدلا من ان تكون غير مبالية. لقد تم قتل شخص عربي وآخر من السيخ في الولايات المتحدة الامريكية في أعقاب الهجمة الارهابية التي قُتل خلالها 300 شخص في مركز التجارة العالمي. وما كان من الرئيس بوش بسبب ما انهال عليه من ضغط شعبي، ان يصرح بأن أي شخص يقدم على مهاجمة المسلمين أو أية أقليات أخرى سيتم التعامل معه بقسوة وبشدة، أما في جوجارات فقد تم ملاحقة وقتل أكثر من 600 مسلم بعد أحداث جودرا، لكن لم يكلف رئيس الوزراء نفسه حتى القول بصفته زعيما للهند بأنه لن يسمح لأي شخص بأن يهاجم المواطنين المسلمين، كما قال بوش في أمريكا.. لماذا؟!! انه أمر يدعو للاستغراب حقا عندما يدعي البعض ان المسلمين تسببوا فيما حدث لهم، هل تسبب الأمريكيون في نيويورك فيما حدث لهم عندما تم مهاجمة برجي مركز التجارة العالمي العام الماضي؟ نعم كان هناك قدر كبير من الاستياء بين الأصوليين المسلمين بسبب السياسات الأمريكية، لكن لم ير أحد ما إذا كان هذا الاستياء مبرراً أم لا، فعندما تم حرق جراهام ستينس وأطفاله أحياء حتى الموت، لم يقل أحد ان المبشرين المسيحيين قد أساؤوا لسمعتهم عندما تورطوا في موجات الكره والحقد وأنهم سبب ما جرى لهم، إذن المسلمون هم سبب ما لحق بهم من أذى وضرر؟ بينما يحاول الجنرال برويز مشرف احتواء التطرف الديني في بلاده يظهر السؤال التالي: هل التطرف الديني آخذ في الزيادة والتصاعد في الهند؟ فباكستان بالرغم من كونها دولة ثيوقراطية فهي تسير بشكل جيد فيما يتعلق بالعلاقات العامة الخارجية، فبفضل الدعم الدولي له استطاع مشرف ان ينتهز الفرصة ويتخلص نسبياً من قبضة التطرف والتشدد وبدأ اصلاحات بعيدة المدى لتحويل دولته إلى دولة عصرية فعلى الوجه الآخر هل تسير الهند في الاتجاه المضاد؟ وبينما تتراجع الأوضاع في الهند إلى الخلف، تؤكد باكستان انه تم زيادة الاجراءات الأمنية حول المعابد الهندوسية والمناطق السكنية للتعامل مع أي أحداث عنف قد تنشأ نتيجة ما حدث في الهند، ولكن يقول هنا دالميا: انظر ان العنف ضد الهندوس مستمر في دولنا المجاورة، باكستان وبنجلاديش، فباكستان ليس بها تقريباً هندوس، ولا يوجد إلا القليل منهم، وينطبق الأمر نفسه على بنجلاديش، كل هذا بصرف النظر عما يحدث في الهند الآن». إن حدوث أي نوع من الرقابة على ما حدث يعتبر نوعاً من الانهزام الذاتي لأنه لا يؤدي إلا إلى انتشار الشائعات التي تعد أكثر خطورة من قول الصدق والحقيقة. فوسائل الاعلام لا تقوم إلا بتصوير ونقل ما يحدث على أرض الواقع، وللأسف فإن الصحفيين من وسائل الاعلام الانجليزية هم أكثر من يعانون ويقع رجال الاعلام الذين ينتمون لطوائف الأقلية تحت تهديد دائم، ففي واقع الأمر يتم الآن اتهام وسائل الاعلام بأنها المسئولة عن نشر اعمال الشغب، ولكن وسائل الاعلام لم تقم إلا بتصوير ونقل ما حدث في الولاية، ولماذا لا تقم بذلك؟ فرغم كل شيء هذا واجبها؟ فهي لا تأخذ أوامرها من السياسيين أو الحكام. حاولت الحكومة الهندية ان تلقي باللوم على الاستخبارات الداخلية الباكستانية وتجعلها مسئولة عما حدث في جوجارات، غير ان الهند لها سوابق عديدة في تاريخ النزاعات الطائفية التي كانت تندلع في البلاد حتى قبل ظهور ما يعرف بالاستخبارات الداخلية الباكستانية، فكيف يمكن تناسي أحداث العنف الدامي التي صاحبت عملية التقسيم، وبالقطع سيكون أفضل لكل من الهند وباكستان ان يتوقفا عن تبادل الاتهامات بينهما بشأن مشكلاتهما الداخلية. يقول هارون يوسف، وزير ولاية نيودلهي للايرادات والتوظيف الريفي والدعم الغذائي والمدني: «أثناء حركة التحرر، لم يكن هناك وجود لأشياء مثل العنف الطائفي، فالهندوس والمسلمون حاربوا معاً ضد البريطانيين، الذين بعد ذلك بذروا بذور الفتنة لهذا الانقسام والفرقة». ويضيف الوزير الذي يرأس أيضاً مجلس الأوقاف بنيودلهي، قائلاً: «لقد تم انتخابي من دائرة دلهي القديمة ويمكنني التأكيد ان المسلمين في المدينة المسورة شعروا بحالة الحزن نفسها التي شعرها الجميع في الهند بعد ان فازت باكستان على الهند في احدى المباريات الرياضية، لا يوجد هناك شيء اسمه الفرقة أو الانقسام بين الطائفتين، فلو كان هناك مثل هذا الأمر، فإنه بسبب أحزاب سياسية معينة». الياس هو الآخر يلقي باللوم على الأحزاب السياسية ويقول: «لا يزال عندنا أناس ورثوا بذور الفرقة والانقسام من البريطانيين، وأشعر ان جميع الأحزاب السياسية على مثل هذه الشاكلة». ويلخص دالما الأمر بقوله: «أثناء الحكم البريطاني للبلاد أراد البريطانيون ان يبثوا أجواء الفتنة بين الهندوس والمسلمين، ونجحوا في ذلك الأمر، ولكن الآن تعدى الأمر جميع الحدود فبعد التقسيم عندما أجيبت مطالب المسلمين كان هناك اعتقاد بأن السلام سيحل على ربوع الدولة، ولكن للأسف فالسياسيون لديهم مصالحهم وأهدافهم الخاصة، فهم لا يهتمون بالسلام أو العنف، فهم قادرون على صنع أي منهما بالطريقة التي تناسب مصالحهم، فالسياسيون يعملون لأنفسهم وليس للدولة أو للشعب، ويمكن ان يأتي هؤلاء من أي حزب». بالتأكيد ليس هناك توافق بين السياسة والدين، فالعلمانية تحتم تهميش الدين بشكل كامل، وعدم ربطه بالحكم وتعطي لنا تجاربنا السابقة أدلة كافية على ان خلط الدين بالسياسة يأتي بنتائج خطيرة، وإذا لم يدرك السياسيون هذا الأمر، فسرعان ما ستدركه الدولة وتعرف ان هذا أفضل لها.