الملف السياسي: شهد العالم في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الجديد تطورات تكنولوجية وعلمية وانفتاحا عالميا غير مسبوق لدرجة ان الحدود القومية لم يعد لها اثر حقيقي كفاصل بين الامم والشعوب على أنه وبالرغم من كل مظاهر التقدم سالفة الذكر، الا ان العالم اجمع لا يشعر بالامن والاطمئنان، بل ان كوكب الارض لم يكن عبر التاريخ اقل امنا مما هو عليه اليوم. فقد تميزت فترة ما بعد الحرب الباردة بظهور اشكال جديدة من الصراع لم تكن شائعة من قبل، وان كانت موجودة في مرحلة الحرب الباردة فان التعامل معها كان سيتم ضمن اطار الحرب الباردة والمتمثلة بالتعامل معها كشأن خليجي، او يتم استغلالها من قبل الطرف الاخر في نزاعه العقائدي ومن اهم تلك الظواهر النزاعات العرقية. لقد نتج عن ظاهرة اختلال التوازن في العلاقات الدولية بسبب زوال الاتحاد السوفييتي مجموعة من النزاعات واشكال الصراع الدولي والاقليمي والتي انفجرت في ثنايا مسيرة التحول في العلاقات الدولية، والتي كان ولا يزال احد اهم مظاهرها النزاعات العرقية، الحروب الدولية ذات طابع الهيمنة، النزاعات الحدودية، النزاعات الاقتصادية، النزاعات ذات الطابع الاممي الحضاري، والنزاعات الدينية. ففيما يتعلق بالنزاعات العرقية فقد اصبحت احد اهم المظاهر القاتمة للعلاقات الدولية لدرجة ان ظهرت العديد من المصطلحات التي تعبر عن فظاعة الحقد الذي تخفيه بعض الاغلبيات العرقية ضد الاقليات. فظهر مصطلح التطهير العنصري ETHNIC CLEANSING ليعبر عن ظاهرة العنف والقتل البشع الذي تعرضت له الاقليات لا سيما الاقليات المسلمة في اوروبا، في يوغوسلافيا وغيرها على ان النزاعات العرقية قد امتدت الى كافة بقاع العالم. فقد تعرض المسلمون في الهند ولا يزالون في اضطهاد مستمر، كما انتشرت ظاهرة النزاع الطائفي في افريقيا والجمهوريات التابعة للاتحاد السوفييتي وفي الشرق الاقصى والاوسط وامريكا اللاتينية وغيرها. جذور العنف الطائفي في الهند تعود جذور الصراع بين المسلمين والهندوس الى تاريخ وصول الاسلام الى شبه القارة الهندية، على انه لا يمكن القول ان طبيعة العلاقات التاريخية التي ربطت المجتمعات الهندية والمسلمة في شبه القارة على انها كانت ذات طابع صراع مستمر، كما انه ليس صحيحا القول ان الحكم الاسلامي للهند يمكن وصفه بأنه نظام حكم معاد ومنفصل عن الشعب. فقد ساد الوئام بين الهندوس والمسلمين قرونا طويلة لا سيما في عهد حكم السلاطين المغول، بالرغم من اتخاذ بعض السلاطين المسلمين سياسات يمكن وصفها بأنها لم تكن ودية تجاه الهنود، على ان عموم القول فيما يتعلق بتاريخ العلاقات الهندية الاسلامية وحكم السلاطين المسلمين يمكن القول انه حكم اتسم بالعدل ورحمة الحكام بالمحكومين بغض النظر عن انتمائهم الديني والعرقي، واستمر ذلك الوضع حتى انحسار الوجود الاسلامي السياسي في الهند بحكم السيطرة الاستعمارية البريطانية على شبه القارة الهندية. فقد اكدت احداث ومجريات التاريخ الاسلامي ان الحكام المسلمين في الهند اعتنوا اشد العناية بمعابد الهندوس وقدموا لذلك المعونات المالية من خزانة الدولة كما ان الحكام المسلمين تميزوا بأنهم كانوا يكنون كل الاحترام والتقدير للهندوس ولعاداتهم وتقاليدهم وانهم عاشوا بحرية في اوطانهم بلا اضطهاد، لذلك فان الكتابات الحديثة التي ظهرت واعادت كتابة تاريخ الهند لا سيما حقبة الحكم الاسلامي ووصفتها بأنها حقبة ظالمة تميزت باضطهاد الحكام المسلمين للهندوس، وتدمير معابدهم وبناء مساجد على انقاضها، كل هذه الادعاءات لا تصمد امام حقيقة التاريخ الاسلامي في الهند كما انها لا تصمد امام مسيرة التأريخ المنصف للوجود الاسلامي ومساهمات المسلمين الحضارية في الهند. لقد شكل الاستعمار البريطاني نقطة تحول خطيرة في تاريخ العلاقات بين الهندوس والمسلمين فقد سعت بريطانيا وبناء على سياستها الاستعمارية المعهودة، لاثارة التفرقة والصراعات العرقية والطائفية بين المسلمين والهندوس على ان بريطانيا وان نجحت في بعض مساعيها الا ان التحالف بين المسلمين والهندوس بل وحتى السيخ قد توثق وقويَ في العشرينيات من القرن الماضي، وذلك بانضمام الاعراق الثلاثة ودعمها لحزب المؤتمر الهندي، والذي قويت شوكته في الوسط السياسي الهندي، على ان الاختلافات بين الانتماءات المتعددة داخل حزب المؤتمر قد بدأت تظهر لا سيما عندما شعر المسلمون ان الاغلبية الهندوسية قد سيطرت على قرارات حزب المؤتمر مما دعا القيادات الاسلامية للدعوة في الاربعينيات من القرن الماضي لانشاء دولة مستقلة للمسلمين منفصلة عن الهند تحت اسم باكستان. لم تقابل دعوة الانفصال ذلك بالترحيب لا سيما من الهندوس والذين حملوا جناح وغيره من القيادات الاسلامية مسئولية تقسيم الهند من هنا ظهرت البداية الحديثة للصراع بين المسلمين والهندوس تحديدا بعد الانفصال وما ترتب على ذلك من نزاع حول انضمام الولايات المختلفة لكل من الهند والباكستان لا سيما ولاية جامو وكشمير ذات الاغلبية المسلمة والتي ادت الى اشتعال ثلاثة حروب بين الدولتين منذ عام 1949، واضافة الى مناوشات عسكرية غير محدودة بين البلدين. لقد نتج عن الانفصال وجود اكبر اقلية اسلامية داخل الاتحاد الهندي والذي قام على أسس علمانية وايديولوجية يفترض انها ديمقراطية تحفظ حقوق كافة الاقليات بغض النظر عن انتماءاتها الدينية والعرقية الا ان حقيقة الامر عكس ذلك تماما، فقد كانت الدولة ولا تزال طرفا في الاضطهاد الذي تتعرض له الاقليات في الهند لا سيما المسلمون. مسئولية الحكومة عن العنف الطائفي يؤكد دستور الهند على ان الدولة ذات طابع علماني تحتكم الى قواعد قانونية لا سيما ما يتعلق منها بمسألة توفير آليات لحل النزاعات الطائفية في الدولة متعددة الاعراق Mechanisns for the Resolation of Intes Group Conflicts In the Coantry على ان القواعد الدستورية الهندية لا تعطي توضيحا سليما لطبيعة تلك الآليات، كما انها لم توضح جليا موقع الاقليات المختلفة بمواجهة الاغلبية الهندوسية والتي تتمتع بكافة الامتيازات، بمعنى اخر فانه لا يمكن الاعتماد فقط على قواعد الدستور الهندي في مسألة حماية الاقليات وحقوقها الدستورية والتي اثبتت التجربة انها غير كافية وبحاجة الى تعديل واضافات جوهرية. من ناحية اخرى فان استمرارية العنف الطائفي في الهند وبهذا الحجم يدعو حقيقة الى التساؤل فيما اذا كانت الحكومة الهندوسية الحاكمة جادة فعلا في مسألة حماية الاقليات وحقوقها وحماية اماكن عبادتها ومنجزاتها. من هنا يبدو التساؤل فيما اذا كانت الحكومة الهندية وديمقراطيتها قادرة على حماية الاقليات في اضطهاد الاغلبية الهندوسية. في تقديري ان الحكومة الهندية الحالية وان ادعت جديتها في حماية المسلمين من اضطهاد الهندوس، فانها لا تبدو كذلك اطلاقا، بل على العكس تماما، فانها تبدو وكأنها متعاطفة مع الجهة المعتدية الهندوسية التي تشن حملة اضطهاد مؤسسي ضد وجود المسلمين في الهند. فالحكومة اليمينية الهندية المتطرفة ليست الا تحالفا ينظم احزابا معادية عقائديا للوجود الاسلامي في الهند بل تسعى وتمجد اضطهادهم لا سيما المجلس الهندي العالمي HIND WORLD COUNCIL يرتبط التساؤل بمدى جدية الحكومة الهندية في التصدي الى مسألة اضطهاد الاقليات، تساؤل اخر يتعلق بطبيعة نظام الحكم فهل حقا يمكن اعتبار الهند «كدولة ديمقراطية ـ علمانية» وهل الديمقراطية الهندية قادرة على حل النزاعات الطائفية وتأمين الامن والسلام الاجتماعي في الهند وللاجابة عن هذا التساؤل يمكن القول ان مجرد اجراء انتخابات شكلية في بلد ما، لا يجعل منه ذلك الاجراء بلدا ديمقراطيا. فالانتخابات ضرورية الا انها ليست كافية لتحقيق الديمقراطية الحقة في اي مجتمع. يرتبط بذلك مدى مقدرة النظام الديمقراطي الشكلي في تأمين السلام الاجتماعي في ظل غياب العدل وهيمنة الاغلبية وتمسكها باطروحاتها الفوقوية SUPERIOR العلوية المرتبطة بادعاءات دينية تمجد فئة من مواطني الدولة على الفئات الاخرى. ان الديمقراطية الحقة هي نظام قيمي يتمثل باحترام الاخر فردا كان ام جماعة عرقية ربما في ذلك احترام ثقافة الاخر وحقه في الوجود والعيش الكريم اسوة بكافة افراد المجتمع، اما اذا كان النظام القائم يدعي الديمقراطية الا انه في الوقت نفسه يمجد اضطهاد الاغلبية للاقليات ويتبنى اطروحات عنصرية، فانه لا يمكن اطلاقا ان يتصف ذلك النظام بأنه ديمقراطي عادل اطلاق. فالنظام السياسي الديمقراطي والنامي والناضج سياسيا يتميز بمقدرته على ابتكار آليات لحل النزاعات العرقية وفقا لقواعد القانون العادل وفقا لمفهوم التنمية الشاملة الذي يرعى احوال وشئون الشعب باكمله بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية، اما اذا بنى النظام الحاكم وجوده وسيطرته على الحكم بتغذية النزاعات الطائفية فانه بلا شك يسير ببلده نحو الانهيار. موقف الدول العربية الاسلامية ترتبط الهند بعلاقات اقتصادية وسياسية متينة بالدول العربية والاسلامية. التساؤل المطروح هنا يتعلق بماهية الدور الذي يمكن ان تلعبه الدول العربية والاسلامية فيما يتعلق بالاضطهاد العرقي للمسلمين في الهند. اولا: يجب الا تتوانى الدول العربية والاسلامية في الدفاع عن حقوق الاقلية المسلمة في الهند درءا لتهمة «التعصب الديني» فعالم اليوم شئنا أم ابينا مقسم وفقا لاعتبارات دينية وعرقية، فالعالم الغربي يصف نفسه بالعالم «المسيحي المتحضر» بمعنى انه سينتمي دينيا للمسيحية ويدافع عن حقوق المسيحيين في العالم اجمع. فعلى سبيل المثال، عندما ثار العنف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في تيمور الشرقية، قام الغرب اجمع بالضغط على الحكومة الاندونيسية التي قدمت تنازلات اقليمية ادت الى ظهور تيمور الشرقية كدولة في طريقها الى العضوية في المجتمع الدولي، من ناحية اخرى فان العالم العربي المسيحي، لا يتورع عن انتقاد بعض الدول العربية. وذلك فيما يتعلق بمعاملة الاقليات المسيحية بالرغم من المعاملة التفضيلية التي تتمتع بها تلك الاقليات، وعليه فان الحكومات العربية والاسلامية يجب ان تثير مسألة العنف الطائفي جديا والا تنظر لها على انها مسألة داخلية نترك للحكومة الهندية للتعامل معها، بل يجب ان ينظر لها في سياق العلاقات والمصالح التي تربط الهند بالعالمين العربي والاسلامي. ثانيا: يجب ان تحث الدول العربية والاسلامية الحكومة الهندية على اتخاذ اجراءات فعلية لكبح جماح التعصب الهندوسي ضد الطوائف الاخرى وان تكف الدولة عن تقديم العون والمساعدة للجماعات المتطرفة في حربها ضد الوجود الاسلامي ورموزه في الهند. ثالثا: يجب ان تستخدم الدول العربية ورقة التعاون الاقتصادي مع الهند للضغط على الحكومة الهندية بغية تحسين اوضاع الاقلية المسلمة وغير المسلمة والكف عن التعديات الهندوسية غير المبررة، كما يتوجب ان تحث الدول العربية حكومة الهند على اتخاذ كافة الاجراءات للتخفيف من حدة التوتر في شبه القارة الهندية والعمل على حل النزاع في كشمير وفقا لقواعد القانون الدولي. من ناحية اخرى يتوجب النظرة الى نموذج «تدمير المسجد البابري» ومحاولة المتطرفين الهندوس بناء معبد هندوسي على انقاضه، على انه يشكل النموذج المبدئي لهدم المسجد الاقصى من قبل المتطرفين اليهود والذين يسعون لبناء الهيكل المزعوم على انقاضه. اما فيما يتعلق بالموقف الدولي من مسألة العنف الطائفي في الهند فلا بد ايضا من ان يقف المجتمع الدولي موقفا حازما من هذه المسألة وان تتخذ الدول والمنظمات الدولية كافة الاجراءات لحماية الاقليات بينما كانوا وفقا لقواعد القانون الدولي والاعراف الدولية، وان يسعى المجتمع الدولي لاحلال السلام في شبه القارة الهندية وذلك من خلال انهاء احد اهم بؤرة في كشمير يجدر القول هنا الى ان هناك تلكؤ وترددا واضحا من قبل الولايات المتحدة وغيرها لانتقاد الهند وذلك خشية التأثير على مسيرة الحرب الدائرة في افغانستان. اما فيما يتعلق بالحكومة الهندية، فانه يتوجب عليها ان تكف عن وقوفها الى جانب التعصب الطائفي وان تسعى لاحلال ثقافة عبر الهند تحث على التعايش والتسامح بين الاعراق وان تسهم الحكومة بتنفيذ برامج تنموية شاملة ترفع من مستوى الشعب الهندي التعليمي والاقتصادي، وتصميم قيم التعايش الاجتماعي السلمي لتحل محل قيم الاضطهاد والعنف الطائفي والذي ستكون فيه الهند الخاسر الاول حكومة وشعبا ودولة ومجتمعا. ـ استاذ العلوم السياسية ـ واشنطن