الملف السياسي:أحداث العنف الطائفي في الهند بين المسلمين والهندوس ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في بلد «فسيفساء» تتكون من خليط من الأعراق والقوميات، وتتركب جغرافيتها من تباينات واختلافات اثنية تعود إلى قرون سحيقة. الهند دولة المليار نسمة والتي يعتنق نظامها السياسي العلمانية كمنهجية في الحكم منذ الاستقلال عام 1947 لابعاد التأثير الديني عن الحكم كي يمكن التوفيق بين خارطة الاختلافات والحفاظ على التناغم الطائفي والاحتكام للدستور واعلاء الشأن القومي. ان أحداث مسجد بابري والصراع المزمن بين المسلمين والهندوس قضية خطيرة لها أبعاد كبيرة، ربما تتجاوز أهدافها المنظورة والآنية، وهي في محصلتها تمثل تهديداً لكيان الدولة الهندية ذاتها وتآمراً ربما يفضي إلى انقسام يهز الامبراطورية الهندية برمتها. وإذا كانت بعض القيادات الهندوسية المتطرفة تعتقد ان اقامة معبد في موقع مسجد بابري التاريخي يعد أمراً يسيرا، وبداية لهزيمة المسلمين واستلابهم وكسر شوكتهم والاستحواذ على مواقعهم ودور عباداتهم، فإن تلك الحسابات القاصرة والمتعصبة سرعان ما تنعكس سلباً على أوضاع الهند عموماً، وستشعل تداعياتها انحاء شبه القارة الهندية خاصة في باكستان وبنجلاديش وحتى أفغانستان واندونيسيا، وبالتالي تتسع دائرة العنف، الأمر الذي من شأنه ان يلقي بظلاله على العلاقات بين الهند وجيرانها ويؤثر على الوضع الملتهب في كشمير التي تمثل بؤرة توتر مستمر بين الهند وباكستان. في السياق ذاته وجهت بعض القوى السياسية الهندية انتقادات للتخاذل الحكومي في التعامل مع الأحداث وعدم الحزم منذ البدء مع الغوغاء، الأمر الذي ترك فرصة للتصادم والانتقام وسقوط مئات الضحايا وتدمير المنازل واحراق الممتلكات. لقد ألمحت بعض الأحزاب إلى تورط بعض المسئولين في الحزب الحاكم بإثارة الأحداث وتغذيتها لتحقيق مآرب سياسية، وإذا ما ثبتت صحة مثل تلك التحليلات فإن ذلك ينبئ بمخاطر الانزلاق إلى عنف طائفي سيمتد لهيبه إلى بقية الولايات، الأمر الذي سيهدد معه النظام السياسي وكيان الدولة الهندية. ولا شك ان صعود اليمين ممثلاً في «بهارتيا جاناتا» وتحالفه مع أحزاب اليمين المتطرف قاد الهند إلى مناخ أزمة كان أخطر نتائجها اهتزاز الدعائم الثلاث التي قامت الهند الحديثة عليها وهي العلمانية، والديمقراطية، والوحدة. ان المسكنات وحدها لا تكفي لمنع مواجهة شاملة متوقعة بين الهندوس والمسلمين مع التهديد بنشوب حروب دينية تتجاوز حدود الهند، بل وشبة القارة الهندية إلى نطاق أوسع، في قارة آسيا، لذا فإن تحديد آلية لتجاوز الصراع الطائفي واحياء صبغة الهند العلمانية الديمقراطية التي تكفل حرية التعبير والعقيدة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق، إنما تمثل الطريق الصحيح نحو التفاهم والتعايش بما يتلاءم مع تركيبة المجتمع الهندي وخصوصيته وبما ينأى به أيضاً عن درجات أعلى من العنف، الأمر الذي يتطلب اعادة نظر في بعض الفعاليات على الخريطة الحزبية في طروحاتها بعد ان أثبت الواقع ان تحقيقها يعني تقويض الكيان الذي يمثل تجربة لها، تميزها على الصعيد العالمي.