اكد الدكتور فاروق الباز العالم العربي البارز في وكالة الفضاء الامريكية (ناسا) ورئيس قسم ابحاث الفضاء بجامعة بوسطن الامريكية ان ماتعانيه الامة العربية من استنزاف مستمر لكوادرها العلمية امر شديد الخطورة. وقال الباز في حوار مع «البيان» ان التخلف العلمي العربي ماهو الا جانب واحد من جوانب الضعف الذي تعانيه منطقتنا العربية في الوقت الذي مثلت فيه اسرائيل المركز الثاني عالميا بعد امريكا من حيث معاهد الابحاث والقدرات العلمية والمركز الثاني عالميا بعد المانيا من حيث عدد المهندسين قياسا بالسكان وقدرتها الفائقة على استيعاب التطورات التكنولوجية فيما يقع العرب في ذيل القائمة مشيرا الى انهم اي العرب يصرفون على السلاح اكثر بمراحل من انفاقهم على البحث العلمي، وفيما يلي نص الحوار. ـ كيف تفسر التراجع العربي في مجال التقدم التكنولوجي مقارنة باسرائيل وماهو السبب وراء نزيف العقول العربية وهجرتها للدول الغربية؟ ـ القضية الاساسية تعود الى كونها قضية أولويات وأسلوب ادارة وسياسة وليس امكانيات مادية فالعرب ينفقون سنويا على السلاح 60 مليار دولار فيما لا ينفقون على البحث العلمي سوى ستمئة مليون دولار فقط وتنفق الجامعات العربية 1% فقط من ميزانياتها على البحث العلمي فيما تنفق الجامعات الأمريكية 40% من ميزانياتها على البحث العلمي ثم نتساءل لماذا يتقدمون ونتأخر نحن ولماذا يستقطبون علماءنا ويحتفون بهم في الوقت الذي تحتفي فيه الحكومات العربية ومعظم ساعات الارسال في وسائل اعلامها بالفنانين ولا تمنح العلماء والمبدعين أي قدر من الاهتمام، تساؤلات عديدة حول اسباب هجرة العقول العربية للدول الغربية، العرب مطالبون حاليا بالاجابة قبل فوات الآوان واتساع الهوة بيننا وبين الاخرين. فإسرائيل هي العدو التقليدي والتاريخي لامتنا العربية وهي تأتي في المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة من حيث معاهد الأبحاث والقدرات العلمية وفي المرتبة الثانية بعد ألمانيا في عدد المهندسين قياسا على عدد السكان وفي المرتبة الرابعة بعد اليابان والولايات المتحدة وفنلندا من حيث استيعاب التطورات التكنولوجية فيما يقع العرب في ذيل القائمة. نزيف العقول ـ ماهي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هجرة العقول العربية الى الدول الغربية؟ ـ المسمى الحقيقي لهذه الأزمة هو نزيف العقول وليس الهجره لأن الجسم العربي مصاب بالانيميا والضعف وبالتالي يفتقر إلى العلماء الافذاذ من ابنائه اذا استمر الوضع العربي على ماهو عليه من حيث الاهتمام بالمستوى التكنولوجي والعلمي فسيتعرض المستقبل العربي للخطر ان لم يكن له مستقبل من اساسه أما هجرة الافذاذ الى الغرب فيعود الى السياسة المتخلفة التي تحكم البلاد العربية وفي مقدمتها السياسة العلمية والتعليمية والبعض هاجر لعدم استيعاب الجامعات العربية لقدراته وطموحاته فيضطرون الى الهجرة الى الغرب والبعض يهاجر لأنه يريد دراسة علوم معينة غير متوفرة في البلاد العربية وقد هاجر الالاف لهذا القصد ثم استقروا في البلاد الغربية وتزوجوا وصارت عندهم عائلات وأحبوا العيش هناك واستمرت حياتهم لشعورهم بالراحة والاطمئنان النفسي والسياسي الى آخره. ـ إلى أي درجة ترى تأثير العامل السياسي على التطور التكنولوجي في البلاد العربية إضافة إلى كونه عامل طرد للعلماء المتميزين ؟ ـ غياب الاستقرار معناه غياب الإنتاج والإبداع فنرى أن نسبة كبيرة من هجرة العلماء العرب إلى أمريكا وأوروبا تعود إلى عوامل سياسية مرت بها الشعوب العربية، هجرة كبيرة من دول كالعراق وكذلك دول المغرب وسوريا وهذا يفسر مدى تأثير العامل السياسي على هجرة العلماء العرب إلى الغرب إضافة إلى أن هجرة هؤلاء العلماء تعود إلى إنتشار البيروقراطية والمحسوبيات والواسطات في البلاد العربية فعدم الإستقرار السياسي في عالمنا العربي ينعكس بالسلب على حركة التقدم العلمي في مجتمعنا العربي فالباحث العلمي يحتاج إلى الأستقرار النفسي هو وعائلته حتى ينتج ويبدع ويعطي فيضطر في هذه الحالة إلى الهجرة. التقدير الحقيقي ـ وما هي إذن العوامل التي توفرها الدول الغربية للعلماء والباحثين مقارنة بما هو موجود في العالم العربي ؟ ـ العلماء الموجودين في الغرب سواء كانوا في أمريكا أو أوروبا يشعرون بأن التقدير الحقيقي يعود إلى مدى عطائهم غير مقرون بدين أو لغة أو جنس فلا يوجد أي فارق بين الأوروبيين أو الأمريكيين أو أي أجنبي آخر فالدول الغربية تفتح ذراعيها لجميع العلماء مهما كانت إتجاهاتهم أو دولهم بعكس الواقع الموجود في بلادنا الذي يتسم بالبيروقراطية والروتين الذي أصبح كنتوء سرطاني منتشر في كل جسد الأمة العربية من أعلى قمة لأدناها مما أثر بالسلب على حركة العوامل الأخرى كالتقدير الذي يجده الباحث بشكل عام في الغرب وأسلوب التعامل معه والحياة التي يعيشها والإمكانيات التي تؤهله مقارنة بما هو موجود في العالم العربي أليس كذلك ؟ نحن في العالم العربي نفتقد إلى الكثير الذي يمكن أن يقودنا نحو التقدم والتطور المنشود فنفتقر أولا إلى مراكز بحوث ونفتقر إلى مراكز تدريبية والمؤسسات العلمية الكبرى التي تتبنى النابغين كما نفتقر إلى المرونة الإدارية في الإدارة العلمية السليمة فهذا العالم الهارب من بلاده إلى الغرب لا يجد في بلاده ما يشعره بأنه يستطيع أن يتقدم وينتج بينما إذا ذهب إلى بلد غربي يمكنه أن يتقدم كزميله الغربي في أمريكا أو في أي بلد أوروبي. عدد قليل ـ هناك إحصائيات عديدة تدل على الفوارق الكبيرة بين العالم الغربي والعالم العربي في مجال صناعة العلماء كيف يمكن لنا أن نتدارك هذا ؟ ـ إن عدد كل المراكز البحثية في العالم العربي ومعظمها في الجامعات ستمئة مركز فقط فيما يبلغ عدد المراكز البحثية المتقدمة في فرنسا وحدها 1500 مركز وعدد الباحثين العرب جميعا لا يتجاوز تسعة عشر ألف باحث بينما عدد الفرنسيين وحدهم 31 ألف باحث وهذه دلالة قوية على الفوارق الشاسعة بيننا وبين الغرب .. ولن نذهب بعيدا عن الموقع الجغرافي للعرب .. فإسرائيل التي زارها منذ فترة العالم المصري أحمد زويل حينما زار معهد (وايزمان) العلمي وجد أن هذا المعهد لا يوجد مثله في جميع الدول العربية وهذا يعني أن هناك تحديا كبيرا أمام العرب. وهي تستقطب سنويا آلاف العلماء من جميع أنحاء العالم وتغريهم بكل شئ ، بالأبحاث والأموال وتقدم لهم جميع المساعدات سواء كانوا من أمريكا أو أوروبا ومن مختلف الديانات والجنسيات ويقيمون في إسرائيل ويزداد الفارق بمرور السنين بين العرب وإسرائيل لصالح الأخيرة. ـ ماذا عن الميزانيات المنخفضة التي تنفقها الدول العربية على البحث العلمي ومدى تأثير ذلك على مستوى الكفاءة العلمية للباحثين العرب مقارنة بالباحثين في أمريكا وأوروبا؟ ـ قضية ميزانيات البحث العلمي والانفاق على البحث العلمي تعتبر من المعوقات الكبرى التي عاقت حركة التطور العلمي في مجتمعنا العربي فالدول الغربية يصل إنفاقها على البحث العلمي ما يزيد عن 3.5% من الناتج القومي بينما أن الدول العربية لا يزيد إنفاقها على 0.116% من ناتجها القومي وذلك يؤثر بالسلب على مستوى الكفاءة العلمية للعلماء العرب مقارنة بالكفاءة العلمية للعلماء الأمريكان أو الأوروبيين فإذا ما قدرنا الخسارة المادية للعالم العربي نتيجة لهجرة العلماء العرب إلى الغرب نجدها تصل إلى 200 مليار دولار . قضية امكانيات ـ ماذا عن الدور الذي تقوم به الجامعة في الغرب مقارنة بدور الجامعة في عالمنا العربي خاصة إنه معروف في الغرب ان كل جامعة تقوم بتخصيص جزء من ميزانيتها للبحث العلمي يصل إلى 40% كما هو الحال في الجامعات الأمريكية ؟ ـ الفوارق بين الجامعات الغربية والعربية تعود بالدرجة الأولى إلى الإمكانيات التي يضعونها تحت إشراف العالم أو الباحث فمثلا لايمكن لأي باحث أو عالم أن يخطو خطوة واحدة بدون الإنترنت أو الكمبيوتر الذي هو تحت التصرف الآن في جميع المؤسسات العلمية في الغرب بل وفي العالم أجمع ويدخل في جميع الأبحاث بينما نجد أنه في العالم العربي لا يستخدم الإنترنت إلا حوالي 1% فقط من مجموع السكان وهذا يدل على الفارق الكبير بيننا وبينهم وهناك خلفية راسخة لدى الغرب أن العرب بينهم وبين آليات التكنولوجيا الحديثة عداء كبير فيرى البعض أن المسئولين في العالم العربي يخشون حتى الآن من الإنترنت لأسباب سياسية ـ خشية أن يفلت زمام المبادرة أو الأمر من بين أيديهم. رغبة حقيقية ـ هناك مشروع قائم حاليا تنفذه بعض الدول التي تماثلنا كالهند وغيرها باستقطاب علمائها أو مشروعات الاستفادة من الكفاءات العربية في الخارج ما هو مضمون هذا المشروع وما هي أهميته ؟ ـ هذا المشروع يحتاج بدءا أن تكون هذه الدولة عندها الرغبة في الاستفادة من هؤلاء العلماء الهند مثلا والصين أيضا تستفيد من علمائها وهم قاطنون في الدول الغربية يستفيدون منهم لأن التكنولوجيا ليست حكرا على أحد تباع وتشتري فيمكن الاستفادة منها ولايمكن أن يقف أمامها أي دولة لكن الإنسان إذا أعطيناه قيمته وأخذنا هذه التكنولوجيا ووضعنا لها الخطة المعنية نستطيع أن نحقق الكثير والهند أدركت هذا ورأت أن هؤلاء العلماء والباحثين الموجودين في الدول الغربية يمكن الاستفاد منهم وهم في هذه البلاد ليست بالضرورة في حاجة أن تحضرهم. البداية تحدث من علماء لديهم شغف الحضور إلى معاهد هذا التعليم العالي في أمريكا أو غيرها أما الآن فالجميع يحاول أن يهاجر وليس فقط العلماء بما يفقد الأمة العربية رصيدها من العلماء والباحثين الذين هم أمل المستقبل. ـ اخيرا كيف تشخص حالة العالم العربي تكنولوجيا وواقعنا العلمي وكيف ترى المستقبل ؟ ـ واقعنا العلمي مرير ويعيش أزمة تمثل ظاهرة من ظواهر الأمراض العويصة التي تشهدها المنطقة العربية في القرن العشرين كله وخاصة في النصف الثاني منه وموضوع البحث العلمي والعلماء ما هو إلا جانب من جوانب الضعف الذي نعيشه في المنطقة كلها لأن الهجرة كانت في البداية تحدث من علماء لديهم شغف الحضور إلى معاهد التعليم العالي في أمريكا أو غيرها أما الآن فالجميع يريد أن يهاجر وليس العلماء فقط مما يفقد الأمة العربية رصيدها من العلماء والباحثين الذين هم أمل المستقبل .