بيان الاربعاء: رغم الضجة التي احاطت في مطلع العام الماضي بما يسمى بـ «الرسوم الاضافية» التي تفرضها بغداد على صادراتها النفطية فان هذه الرسوم الاضافية لم تتلاش قط بيد ان واشنطن ولندن تسعيان الآن إلى انهاء هذا الاجراء غير القانوني الذي سكت عنه الجميع طيلة 14 شهراً متصلة. ويمكن تلخيص مسألة الرسوم الاضافية هذه على النحو التالي: حيث ان القانون يحتم على شركات النفط الكبيرة ان تدفع ثمن مشترياتها من نفط العراق إلى الأمم المتحدة، وحيث ان بغداد ارادت اقتطاع حصة من هذا الثمن بعيداً عن المنظمة الدولية، واصرت على ذلك والا لن يحصل المشترون على ما يريدون، فقد اتفق الجانبان على صيغة مريحة للجميع، تلك هي الاعتماد على شركات وساطة، هي في حقيقتها «واجهات» تابعة لبغداد اقيمت في قبرص وبعض العواصم الأوروبية. وتقوم تلك الشركات «الواجهات» بشراء النفط من بغداد بـ 20 دولاراً للبرميل مثلاً، ثم تبيعه للشركات الكبرى بـ 22 دولاراً للبرميل. ويذهب الفارق، أي دولارين، إلى بغداد فيما يذهب الثمن الاصلي، أي العشرين دولاراً إلى الأمم المتحدة. وكانت الشركات الكبيرة تقبل بذلك لأسباب واضحة أهمها ان بوسعها تحقيق مكاسب مادية اضافية ببيع النفط بعد ذلك بـ 25 دولاراً أي بسعر أعلى، وتتفاوت عادة هذه الاسعار حسب أسواق النفط العالمية، فهي ارقام متحركة وفقاً لحركة السوق، الا ان المحصلة النهائية تلخصت في كافة الاحوال بأن العراقيين كانوا يحصلون على ما يتراوح بين 5 ـ 15% من أسعار مبيعاتهم النفطية خارج قنوات الأمم المتحدة. ويتعين القول أيضاً ـ للانصاف ـ ان الولايات المتحدة وبريطانيا حاولتا انهاء هذه المخالفة الواضحة لقرارات الامم المتحدة في ديسمبر 2000، فرد العراقيون بوقف صادراتهم النفطية. ويذكر من تابعوا تلك المواجهة ان بغداد «سمحت» ببيع 18 مليون برميل فقط طيلة ذلك الشهر فيما كان معدل بيعها المعتاد آنذاك يتجاوز 50 مليوناً «للشهر بأكمله». وحين قامت بغداد بهذه «النقلة» العنيفة على رقعة الشطرنج في مباراتها مع واشنطن ولندن، تراجع الجميع عن الحديث عن الرسوم الاضافية، فالوضع الاقتصادي العالمي لم يكن يسمح آنذاك بخصم ما يزيد على مليون برميل يومياً من التدفق النفطي إلى الأسواق. وهكذا ظلت «الواجهات» تعمل باطمئنان، بل ان بغداد قامت بتنقيح النظام بأن وضعت حلقة اخرى في السلسلة التي تعقب البيع، اذ اصبحت تبيع لشركات وسيطة، فيما تقوم هذه الشركات الوسيطة بالبيع إلى شركات تجارية، لتقوم هذه الاخيرة بالبيع إلى الشركات الكبرى. وكان ذلك يعني ان حصة بغداد تزداد باطراد. الا ان ذلك لم يسفر عن وضع يمكن وصفه بالتهرب من قرارات الأمم المتحدة فحسب، بل اسفر أيضاً عن جانب طريف في المشهد برمته. ذلك ان الولايات المتحدة ظلت خلال ذلك العام الذي مضى اكبر مستورد للنفط العراقي في العالم بمعدل وصل إلى 790 الف برميل يومياً، أي نحو نصف صادرات بغداد من الخام كل يوم. بعبارة أخرى كانت شركتا فاليرو اينرجي كورب وشيفرون تكساكو كورب، وهما شركتان امريكيتان أبا عن جد تدفعان للعراق على نحو ما تلك الرسوم الاضافية التي يقول الامريكيون الآن انها تذهب لتمويل برامج بناء أسلحة الدمار الشامل العراقية. وحيث ان الامريكيين يقولون انهم يعتزمون ضرب العراق لتحطيم هذه الأسلحة فانهم ـ باختصار ـ سيدمرون ما سبق ان ساهموا في تمويله عبر الرسوم الاضافية اياها. ولكن يبدو ان واشنطن ولندن تريدان الآن حقاً وقف اسلوب «الرسوم الاضافية».. ولكن كيف؟. من السهل بطبيعة الحال اغلاق هذه الشركات والبيوت التجارية الوسيطة، الا ان ذلك ليس هو الشرط الذي يجب ان يتوفر اذا كان لجورج بوش وتوني بلير ان يوقفا تدفق الدولارات إلى بغداد عن طريق هذه القناة الجانبية التي تتسع كل يوم. ان الشرط الذي يتحتم توفره للقيام بذلك هو وجود قدر اضافي من العرض، أي من النفط الخام المصدر من هذا البلد أو ذاك، يكفي لسد ثغرة اغلاق بغداد لانابيبها. فضلاً عن ذلك فان من الضروري أيضاً ان تستعد الأمم المتحدة لاحتمال افلاس صندوق النفط مقابل الغذاء اذا توقفت الصادرات النفطية العراقية، والمؤكد ان هذا الاحتمال يعد احتمالاً مقلقاً للمنظمة الدولية والعواصم الغربية بسبب ما سيسفر عنه من ضغوط واتهامات بمحاولة تجويع الشعب العراقي اكثر مما هو جائع بالفعل. حصار وضغط لقد فكرت واشنطن في محاصرة «الرسوم الاضافية» تدريجياً فادخلت نظاماً يقضي بتسعير النفط العراقي بعد اسابيع من بيعه.. أي بيعوا أولاً، ثم سوف نحدد السعر بعد ذلك. وفضلاً عن ان هذا النظام لا يبدو منطقياً بحال، فانه ادى إلى خفض صادرات النفط العراقي بنسبة 35% منذ نوفمبر الماضي. وكان الامريكيون يريدون دفع ثمن أقل مقابل صادرات النفط العراقية للضغط على الوسطاء ووسطاء الوسطاء. ولكن بغداد خفضت صادراتها تدريجياً، فيما لم يتحمس المشترون لنظام يقضي بالشراء دون معرفة السعر، وبات من الضروري اعادة النظر في هذا «التكتيك» غير المؤثر. وحاول الامريكيون ان يضغطوا من جهة أخرى عن طريق وقف صفقات قدرت قيمتها بنحو 5 مليارات دولار تعاقد عليها العراقيون على ان يدفع برنامج النفط مقابل الغذاء ثمنها بعد اجازة عناصر كل صفقة. ولكن الامريكيين اعترضوا على عناصر تقدر قيمتها بذلك المبلغ الكبير. بينون سيفان وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المكلف ببرنامج النفط مقابل الغذاء قال ان البرنامج يتعرض لمحنة حقيقية، وان لجنة اقرار الصفقات «مزقتها الخلافات السياسية الداخلية على نحو يهدد باصابتها بالشلل. واضاف سيفان «اننا نرى بالفعل شروخاً كبيرة في قدرتنا على تطبيق البرنامج بفعالية بسبب المعوقات السياسية والاجرائية التي نواجهها». ويعني ذلك ـ باختصار ـ ان الامريكيين والبريطانيين يحاولون عرقلة عمل اللجنة من داخلها، وهو أمر منطقي على أي حال اذ ان لديهم خيارات بديلة تتراوح بين نظام العقوبات الذكية الذي طرحه كولن باول والعمليات العسكرية ضد «محور الشر» الذي تتصدره بغداد. إلا ان بغداد لديها أيضاً بدائلها. فقد اجاد العراقيون الآن لعبة التحكم في الامدادات، بزيادتها أو انقاصها، على نحو يؤثر على توازنات سوق البترول العالمية، ومن ثم يؤثر على الخطط الاقتصادية التي تضعها حكومات الدول المستوردة. ذلك ان توازنات سوق النفط تتسم بقدر كبير من الحساسية، فاذا كان حجم امداد معين يكفي لتغطية الطلب عند سعر 25 دولاراً للبرميل ـ مثلاً ـ فان زيادة هذا الحجم او انقاصه بمقدار مليون برميل يومياً فقط يمكن ان يقذف بالسعر إلى مستويات تبعد كثيراً عن نقطة الـ 25 دولاراً. وواقع الحال هو انه ليس لدى واشنطن او لندن خيارات كثيرة لتفكيك نظام «الرسوم الاضافية»، او لتسعير نفط العراق قسراً، ذلك انهما تستندان إلى جدار مائل، وذلك هو احتياجهما إلى نفط رخيص في لحظة اقتصادية صعبة كالتي يمر بها العالم اليوم. ان هامش المناورة هنا محدود للغاية. الا ان بوسعهما قلب الطاولة بأكملها رأساً على عقب، اما بوقف العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء بعد التأكد من ان بوسع منتجين آخرين وبوسع الاحتياطات النفطية الاستراتيجية الغربية معاً ان تسد ثغرة الامدادات العراقية التي ستتوقف، أو ان بوسعها شن الحرب ضد العراق. عندها سيصبح هامش المناورة فسيحاً