بيان الاربعاء: لم يكف العالم ومنذ احداث سبتمبر من العام الماضي عن الحديث عن الإرهاب ومفهومه ووسائل مقاومته والتفرقة بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال. وانعقدت مؤتمرات وندوات دولية لمناقشة هذه القضية ومعرفة اسبابها ووضع مفاهيم محددة لها. والدول العربية والإسلامية معنية أكثر من غيرها بهذه المسألة ولابد ان يكون لها دور فاعل في هذه المناقشات لأن الغرب يخلط بين الإسلام والإرهاب وكذلك يخلط بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال. ويتطلب تجسير الهوة في التصورات والنظرة للإسلام بين العرب والمسلمين وبين الامريكيين والأوروبيين اعادة صياغة المفاهيم ووضع الامور في نصابها ليكون هناك اجماع حول مفهوم محدد للإرهاب ومقاومته في اطار الشرعية الدولية لا بقيام دولة بمفردها بفرض ماتراه على الجميع. التقرير التالي يستكشف جوانب هذه المسألة التي لا تزال تشغل العالم. ضبابية المفاهيم وقال الدكتور يونان لبيب رزق المفكر المعروف واستاذ التاريخ بجامعة عين شمس ان الإرهاب صناعة غربية. في الأصل نشأت في أوروبا وأمريكا حيث وجدت الجماعات الارهابية ومارست الأعمال الارهابية في تلك البلاد منذ حوالي قرنين من الزمان وبدعم ومساندة من الحكومات ففي الولايات المتحدة تأسست جمعيات عملت على ترويع بعض الفئات وتخويفها والحيلولة بينها وبين الحصول على حقوقها مثل السود وغيرهم كذلك اضطهدت ألمانيا النازية جميع العناصر التي لا تنتمي الى الجنس الآري وانكرت عليهم حق المواطنة رغم انهم ولدوا وعاشوا في ألمانيا وكانوا على استعداد للدفاع عنها، أيضا تمارس اسرائيل الارهاب في أبشع صوره ضد الفلسطينيين وترفع شعارات عنصرية مثل شعب الله المختار وأرض الميعاد وغير ذلك. ويرى د. رزق ان حملات الدعاية المنظمة التي تقودها كل من الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل لصياغة مفاهيم جديدة وغير دقيقة للارهاب تخلط بين ممارسة الارهاب وحق الشعوب في المقاومة المشروعة ضد الاحتلال كما تخلط بين المنظمات الارهابية وحركات التحرر الوطني مشيرا الى أن المسميات الجديدة التي تتبناها أمريكا وبعض الدول الغربية الآن فيما يتعلق بالارهاب ناتجة عن ظروف سياسية جاءت بعد أحداث سبتمبر الماضي وتستهدف استلاب حقوق بعض الدول وثرواتها لمصلحة الغرب. ويشير إلى أن المنظمات الفلسطينية التي تقاوم اسرائيل خاصة ذات الطبيعة الدينية مثل حماس والجهاد الاسلامي - وكذلك حزب الله في لبنان - ليست ارهابية وانما تدافع عن أرضها ومقدساتها وكرامتها ضد الاحتلال الصهيوني موضحا أن الولايات المتحدة واسرائيل تحاولان الصاق تهمة الارهاب بهذه المنظمات والربط بينها وبين مايحدث في افغانستان بالنسبة لتنظيم القاعدة المتطرف رغم ان هذه المنظمات هي جماعات وطنية تستخدم العنف ضد الهيمنة الاسرائيلية. ويضيف د. رزق قائلا اذا كان الغرب يريد أن يجعل المنظمات الفلسطينية ارهابية اذن فحركات الانصار التي كانت تحارب الاحتلال الألماني في أوروبا في اثناء الحرب العالمية الثانية هي أيضا ارهابية معربا عن دهشته لعدم وجود معايير واضحة في أذهان الغربيين لتحديد الأعمال الارهابية والتفرقة بينها وبين المقاومة المسلحة. ويرى أن الشعوب التي تكافح الاحتلال لها الحق في استخدام كافة الوسائل لطرد المستعمرين من أراضيها مشيرا الى جود نماذج عديدة لمقاومة الاحتلال فالهند على سبيل المثال استخدمت المقاومة السلبية ضد الاحتلال الانجليزي في حين استخدمت الجزائر المقاومة العنيفة ضد الاحتلال الفرنسي وجمعت مصر بين الأسلوبين في مقاومة الاحتلال الانجليزي ولم يستطع أحد يزعم أن الجزائر مارست الارهاب وهي تكافح من أجل تقرير مصيرها. الارهاب وليد القهر ويشير السفير طه الرشيدي الى أن الارهاب موجود منذ بدء الخليقة وقد لازم المجتمعات التي تقوم على الرق والاقطاع لأن هذه المجتمعات تقهر فيها ارادة الجماهير وتكبت لسنوات طويلة وهذا يولد الانفجار ضد الفئة المستغلة المتسلطة قليلة العدد موضحا أن وجود نماذج لمجتمعات قاومت الاحتلال أو القهر بوسائلها السلمية لا يمنع ان يقوم المواطنون المقهورون بعمليات ارهابية واغتيالات كانت توجه للمستعمرين وأعوانهم وبعض تلك العمليات كانت توجه خطأ لابناء الحركة الوطنية في المجتمع وهذا حدث في مصر فقد تم اغتيال بعض الذين يدافعون عن قضايا الوطن مثل النقراشي باشا وأحمد ماهر وغيرهما. ويرى ان الارهاب ظاهرة تاريخية تظهر وتختفي حسب الظروف السياسية السائدة فعندما يصل القهر والظلم الى حد معين في مجتمع يحكمه نظام متسلط ومستبد فلابد أن يكون هناك عنف وانفجار وكذلك اذا كان هناك احتلال يهيمن على بلد ويستنزف خيراتها ويشرد ابناءها فلابد أن تقع أحداث عنف أو مقاومة مشروعة. ويؤكد الرشيدي أن مقاومة الاحتلال واجب وطني تقره الشعوب وتقره هيئة الأمم المتحدة وتشجع عليه. اختلاط المعايير ويؤكد الدكتور فؤاد حسين نائب رئيس المجمع العلمي المصري على ضرورة أن تكون هناك تفرقة واضحة بين الارهاب وبين المقاومة المشروعة وعدم الخلط بين حركات التحرر وجماعات الارهاب مشيرا الى أن الولايات المتحدة الامريكية تحاول أن تخدع نفسها وتحاول خداع العالم ومغالطته من خلال الخلط بين العمليات الارهابية والكفاح المشروع ضد الغزو والاحتلال كما يحدث في الاراضي العربية المحتلة في فلسطين وجنوب لبنان وهي تسعى من خلال ذلك الى تحقيق مصالحها دون اقامة أي اعتبار لمصالح الشعوب والدول الأخرى. ويشير الى أن الارهاب يرجع الى عوامل سياسية تتمثل في التخويف وفرض الهيمنة ومحاولة الاستيلاء على حقوق الآخرين ويرجع أيضا الى عوامل اقتصادية تتمثل في تحقيق مصالح خاصة غير مشروعة موضحا ان الغرب يحاول توظيف الارهاب توظيفا خاطئا من أجل قهر الشعوب والاستيلاء على ثرواتها. نشأة اجرامية ويؤكد مختار السويفي عضو اتحاد الكتاب المصريين أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تختلف عن اسرائيل من حيث ممارسة الارهاب بل هناك تعاون بين الدولتين في هذا المجال مشيرا الى أن كلا من أمريكا واسرائيل نشأت نشأة اجرامية وقامت على ابادة الهنود الحمر واستولت على أراضيهم وممتلكاتهم واسرائيل تعمل على ابادة الشعب الفلسطيني وطرده من بلاده وجلب يهود العالم ليسكنوا أرض المعاد المزعومة. ويضيف قائلا كذلك نهجت كل من أمريكا واسرائيل نهج التفرقة العنصرية فمارست الأولى التفرقة العنصرية ضد السود والزنوج والملونين ومارست الثانية العنصرية ضد العرب وحتى ضد اليهود الشرقيين مثل يهود الفلاشا ويهود اليمن لصالح اليهود الغربيين. ويشير الى أن الدول العربية والاسلامية بريئة تماما من الارهاب الذي تتحدث عنه الآن أمريكا وأوروبا واسرائيل فلم يحدث طوال التاريخ العربي والاسلامي ان قام العرب والمسلمون بأعمال مثل تلك التي قام بها اليهود والأمريكان ضد السود أو ما قام به الأوروبيون في جنوب أفريقيا وانما كان الاسلام يؤكد على المساواة بين الناس وعدم التفرقة بينهم سواء بسبب الدين أو اللون أو الجنس فالناس في الاسلام متساوون كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أسود الا بالتقوى والعمل الصالح. ويرى أن أمريكا هي المسئول الأول عن الارهاب في العالم لأنها دولة منحازة وتكيل بمكيالين وتفرق بين الشعوب بل تمول حركات ارهابية ضد حكوماتها وشعوبها وأحيانا تحول حكومات لقهر شعوبها وهي في ذلك كله تنطلق من مصالحها الخاصة دونما اعتبار للاخلاق والدين والانسانية مشيرا الى أن أمريكا رغم نجاحها في اقامة حضارة الا انها تفتقد القيم التي يمكن تحرس هذه الحضارة وتحافظ عليها. ويطالب بأن تكون هناك معايير واضحة لتحديد الاعمال الارهابية تتفق عليها دول العالم بحيث تكون مكافحة الارهاب جماعية وفي اطار الشرعية الدولية اما أن تحاول الولايات المتحدة أن تفرض تصورها الارهاب على العالم كله فهذا مرفوض.