بيان الاربعاء: المتتبع لما يحدث في بلادنا العزيزة يصاب بالدوار وفقدان القدرة على تفسير ما يحدث بعد أن أصبحنا مجرد أدوات تحركنا الأحداث ولا نصنع الحدث، نتحدث عن الثوابت وعن معدلات غير مسبوقة في النمو وعن استقلالية القرار وإرادتنا مرهونة للغير. في مقاله الذي نشره في ولاية ميسوري تحدث دانفورث بلغة فيها استعلاء ووصاية فهو في موقع يمكنه من محاسبة الدول وفرض ما يريد عليها وفي الوقت نفسه نحاول نحن تضليل الرأي العام ونبشره بأن الحلول قريبة والسلام في متناول اليد وأمريكا التي هددناها في الماضي «أمريكا قد دنا عذابها» الآن تغير نهجها وأصبحت أكثر اعتدالا، الغريب نحن في عالم مفتوح على بعض نسمع ونرى في كل ليلة الهيجان الامريكي في افغانستان والانحياز غير المبرر للاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني حتى تصريحات كبار المسئولين في الإدارة الامريكية حول النظام الحاكم في السودان مفرداتها مشبعة بالإتهامات والتهديدات. إنها الغفلة وتصديق ما كتب عن العقل العربي في الغرب فهو في نظرهم يعطي وعن قصد وزناً للرغبات والأماني التي يود العربي أن يحققها أعظم مما يعطيه للواقع الفعلى الموضوعي، أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر تريد أن تفرض إرادتها على العالم بإعادة ترتيب الأوضاع بما يتلاءم مع رؤيتها، في بداية التسعينيات من القرن الماضي شكلت حرب الخليج الثانية ترجمة عملية للتوجه الجديد الذي تبنته الولايات المتحدة وهو تقليص حدود السيادة الوطنية في مواجهة ما يسمى بالإرادة الدولية وهو المبدأ الذي طورته لاحقاً الولايات المتحدة في يوغسلافيا وكوسوفو، استغلال امريكا للمظلة الدولية مهدت له قمة مجلس الأمن في اجتماعها التاريخي في 31 يناير 1991م في هذا الاجتماع صدرت توصيات كان لها أثر فيما حدث بعد ذلك وهو اطلاق يد أمريكا للتحرك في كل أنحاء العالم دون قيود تذكر. التوصيات التي أجازتها قمة مجلس الأمن: 1 ـ رفض البناء الايديولوجي كأساس للعلاقات الدولية لإنتهاء عصر الايديولوجيات المتباينة وإذا كان من الضروري وضع أساس ايديولوجي للعلاقات فليكن قوامه الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، حرية الانتخابات ونزاهتها. رفض البناء الايديولوجي يعطي لأمريكا الفرصة والسند القانوني لمعاداة أي نظام أو دولة تسعى لاعتناق ايديولوجية مغايره واكتساب هذا العداء صفة الشرعية الدولية. 2 ـ النقطة الثانية وهي التي ترتب عليها التحرك الأخير للولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر وهي: التأكيد على أهمية العمل الجماعي ضد الارهاب والنظم المسانده له سواء استدعى هذا العمل فرض العقوبات والحصار الاقتصادي أو اللجوء إلى القوة العسكرية. أولا: الارهاب كمصطلح مختلف حوله تعريف امريكا للارهاب وتصنيفها للدول حسب رؤيتها غير مقبول في دول كثيرة، الارهاب انواع ارهاب الدولة وارهاب الفرد ولامريكا أسلوبها والمعايير المزدوجة التي تتعامل بها مع الدول الرافضة لسياستها. استناداً الى توصية قمة مجلس الامن اعلنت امريكا بعد احداث 11 سبتمبر الدامية الحرب ضد الارهاب وهي الحرب التي بدأت في افغانستان ولكنها لن تنتهي هناك ففي القائمة دول أخرى مصنفة راعية وداعمة إلى للارهاب. في حديث له بعد الاحداث الدامية قال الرئيس بوش على كل الدول أن تعلن أين تقف معنا أم مع الارهاب. السودان والمشروع الامريكي السودان دولة محورية في أفريقيا والعالم العربي موقعه الفريد وعلاقاته المتشابكة مع أغلب دول شمال وغرب وشرق أفريقيا إضافة الى تدفق البترول وارتباطه بوجود الصين وهي دولة منافسة في العمق الافريقي وما احدثه البترول من تصعيد في اهتمام الأسرة الدولية بالحرب الأهلية. بدأ الاعداد لمشروع امريكى قادر على استيعاب كل التغيرات المحلية والدولية و توظيفها لخدمة الاستراتيجية الامريكية فى المنطقة. التحرك الامريكي في السودان لم يبدأ من فراغ حسب ما جاء في تصريحات السيناتور دانفورث التي قال فيها نحن لم نكن بعيدين عن المبادرات السابقة وهو تحرك مدروس ومبرمج وفق خطط معروفة ومتدرجة «أسلوب الخطوة خطوة» الجديد الآن هو بداية تطبيق المشروع الذي أعده مركز الدراسات الاستراتيجية الامريكية. ففي أمريكا تلعب بنوك التفكير دوراً مهما في ترشيد القرارات السياسية لوجود علاقة قوية لهذه البنوك مع مواقع اتخاذ القرار وهي التي شكلت مستودعات خبرة غذت الادارات الامريكية المتتالية بالمسئولين والخبراء وتقوم بدورها باستيعابهم لدى إنتهاء خدمتهم الرسمية، علق على دور بنوك التفكير هنري كيسنجر ذات مرة إذ قال: (إن مسئولي السياسة الخارجية لا يقومون ببناء رصيد من الافكار بل انهم يقومون بإلانفاق من هذا الرصيد أما الافكار فتأتي من بنوك التفكير). عندما ظهرت ورقة مركز الدراسات وبدأ تداولها شكك البعض في علاقتها بالإدارة الامريكية إلى أن جاءت الخطوات الاخيرة مؤكدة اتساق الخطوات الامريكية وان تباعدت عن بعضها فهي فى النهاية تصب في مجري واحد. الآن لم يعد الحديث عن إقامة دولة بنظامين أو عن ضغوط أمريكية مباشرة على النظام الحاكم في السودان مجرد استنتاجات بعد أن تعاملت أمريكا مباشرة مع الأزمة السودانية وبدأت تحركها الشامل وفق أسس أهم ما يميزها: 1 ـ تعيين مبعوث خاص اسما ولكنه في الحقيقة وصي على السودان مهمته إدارة شبكة معقدة ومتطورة ولها أذرع عديدة في أوروبا وأفريقيا بهدف إدارة التحولات المطلوبة في السودان بكفاءة عالية. 2 ـ تكثيف الضغوط على النظام الحاكم في السودان فهو دائماً محل اتهام ومطالب بتقديم تنازلات. 3 ـ أستغلال ضعف الحركة السياسية السودانية وتفككها والعمل على تمرير المشروع الامريكي مع موافقتها الخجولة و تحفظاتها المكتومة. 4 ـ التعامل المباشر مع المواطنين خاصة في المناطق المسماه مهمشة وتحذيرهم بما يمكن أن تقدمه أمريكا لهم من مساعدات وحماية عجزت النظم الوطنية عن توفيرها. 5 ـ تجاوز القيادات الحالية خاصة في الشمال والعمل على إبعادها تدريجيا «بوسائل مختلفة مثل تلميع أسماء جديدة» القيادات الحالية في نظر أمريكا جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل المرتقب. 6 ـ اختزال كل القضية في طرفين هما الحركة الشعبية والنظام الحاكم في السودان. 7 ـ تشجيع التآكل المستمر في المبادرات الإقليمية «الإيجاد والمبادرة المصرية الليبية» وإخضاع التحرك الاقليمي لمعادلة جديدة ومصغره طرفاها مصر عن المبادرة المشتركة وكينيا عن الإيجاد أما ليبيا فسوف يتم ابعادها بحرمانها من أي مشاركة في جهود السلام في السودان. 8 ـ الاستفادة من العلاقات المتشعبة لدول الاتحاد الأوروبي وخبرته في التعامل مع دول المنطقة. الآن لبريطانيا مبعوث خاص بالسودان ولفرنسا علاقة مميزة ومستقرة مع السودان منذ تسليم كارلوس وشاركت إيطاليا والنرويج في منبر شركاء الإيجاد وآليته التنفيذية. و في بريطانيا ودول أوربية أخرى عقدت ندوات وورش عمل لم يرشح منها إلا القليل أهمها ندوة إعداد مشروع الدستور بخبرة اجنبية ربما يهدف إيجاد معالجة لقضية علاقة الدين بالدولة، وندوة أخرى درست موضوع المشاركة في الثروة وأوصت بإنشاء آلية تعمل على تحديد وتقسيم عائدات البترول. المشروع الامريكي موجه أساسا لمعالجة قضية الحرب والسلام في جنوب السودان أما الديمقراطية بالنسبة للولايات المتحدة فهى ليست أولوية، في التقرير الذي أشرف عليه جون بريندرقاس المساعد السابق لوزير الخارجية الامريكي للشئون الافريقية ما يؤكد على هذا المعنى إذ جاء فية بالحرف الآتي: أـ يجب أن يقتصر استخدام القوة الدولية على مساعي السلام (تحقيق السلام الشامل لا أقل ولا أكثر)!!. ب ـ للمجتمع الدولي قوة مؤثرة (حوافز عقوبات تتعلق بالدعم السياسي والعون الاقتصادي والعسكري إلى جانب منح الشرعية) يمكن استخدامها حيال أطراف النزاع لتشجيعها لإتخاذ الخطوات اللازمة باتجاه تحقيق سلام شامل ودائم، من الضروري لأولئك الذين يودون السلام أن يناقشوا بصورة عاجلة خطة ترمي لتفصيل هذه القوة. معوقات التحول الديمقراطي في السودان: 1 ـ فسر البعض في الغرب ظاهرة تعثر الديمقراطية في المنطقة العربية بتعارضها مع الاسلام والبعض الآخر أرجعها إلى تسلطية الثقافة العربية وافتقارها للقيم والمبادئ الديمقراطية فهي في نظرهم إفراز لتجربة تاريخية طويلة من التسلط والاستبداد كما أنها افراز لتنشئة سياسية اجتماعية تكرس في المواطن في العالم العربي قيم الطاعة والامتثال والسلبية. 2 ـ النظام الحاكم في السودان بحكم تكوينه وتوجهه الرافض للمبدأ الديمقراطي. نعم يوجد انفتاح نسبي أطلق عليه البعض مسمى الديمقراطية الدفاعية وهو مجرد إجراءات شكلية لجوهر الديمقراطية «المؤسسات والشعارات» أما المحتوى كما هو لم يتغير، الهامش المتاح من الحريات منحة من السلطة ومحكوم بإرادة السلطة وليس بأطر قانونية. 3 ـ الديمقراطية ليست أولوية بالنسبة لأمريكا في بلاد العرب ومنها السودان لأسباب يمكن اجمالها في الآتي: أصدقاء أمريكا في المنطقة علاقتهم بالديمقراطية محدودة إن لم تكن معدومة. لضمان استمرارية الوجود الامريكي والمصالح الامريكية فى المنطقة تقف امريكا دائماً مع من يخدم مصالحها لذلك يصعب على الولايات المتحدة الترحيب بأي قوة لها تحفظات على مصالحها وسياساتها حتى ولو جاءت عبر صناديق الانتخابات. والانتخابات في المنطقة العربية تعني وصول قوى ممثلة للنسيج الاجتماعي والديمقراطية الحقيقية تنطوي على تعقيد إجراءات اتخاذ القرار فضلاً عن خضوع الحكومات الديمقراطية للمساءلة والمحاسبة عن سياساتها وقراراتها وهو أمر لا تحبذة أمريكا بالنسبة للدول الحليفة والمروضة حيث اعتادت أن تتعامل بسهولة ويسر مع حكام يتمتعون بسلطات واسعة ولايخضعون لمساءلة حقيقية لذلك كان طبيعياً تركيز امريكا في تعاملها مع النظام الحاكم في الخرطوم رغم ثقتها المفقودة في أطروحاته وعلاقاته بأسلوب اقرب إلى إعادة الصياغه كي تتلاءم سياسته مع الاستراتيجية الامريكية. ما سبق يمكن ان يفصل في نقطتين مهمتين «الديمقراطية وعلاقة الدين بالدولة» الديمقراطية ليست فقط مؤسسات وإجراءات أو وصفة يقدمها للسودان المبعوث الامريكي دانفورث كي يتم تطبيقها في بلد عجز أهله عن ايجاد الحلول الناجعة لمشاكله - الديمقراطية مضمون قيمي ـ ثقافى(القبول بالتعددية الفكرية والسياسية المشاركة احترام حقوق الإنسان) كيف يتم تطبيق نظام ديمقراطي بدون تكريس هذه القيم في الوعي الجمعى للمواطنين وترجمتها لسياسات وممارسات عملية. النقطة الثانية وهي نقطة أساسية وينبغي التعامل معها بحكمة وعمق حفاظاً على الوطن ووحدة ترابه. أولا: يجب أن نفرق بين الاسلام والتيارات التي تتحدث بأسم الاسلام. الاسلام كدين لا يتعارض مع قيم الديمقراطية فهو يؤمن بالحرية والعدالة والمساواة واحترام حقوق الانسان. ثانيا: الاسلام لم يفرض شكلاً معيناً لنظام الحكم وترك هذه المسألة لاجتهادات البشر لتتبنى النظم التي تلائم ظروفها المتغيرة بما يحقق المبادئ العامة (الحرية - العدالة - المساواة والمشاركة) هذه المبادئ تشكل قيم الديمقراطية بمعناها الحديث. ثالثا: في الاسلام الدولة مدنية. لتأكيد هذه المعاني يجب أن تتفق كل القوى المؤثرة في المجتمع على وضع ضوابط تمنع احتكار الدين أو توظيفه سياسيا لحساب مصالح انتهازية من قبل أي قوة سياسية سواء كانت في الحكم أو المعارضة.