يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يتضمن عرضاً لجانب من الآراء الجريئة والصريحة التي يطرحها مؤلفه حول نقد الديمقراطية في مفهومها الغربي وأسرار الحرب الشعواء التي يشنها البعض في الاعلام الغربي ومحاولتهم المشبوهة ربط الارهاب بالمسلمين. ويلقي الكتاب الضوء على خطورة التحديات التي فرضها عصر المعلومات والعولمة، ويدعو الى ضرورة الأخذ بأسباب التقنية وفي الوقت نفسه استلهام العبر والدروس من الماضي الاسلامي العريق. ومؤلف الكتاب أشهر من أن يتم التعريف به، فهو رئيس الوزراء الرابع لماليزيا، وقد لعب دوراً بالغ الأهمية في مسيرة بلاده باتجاه تحقيق «رؤية 2020» الهادفة الى تحويل ماليزيا الى دولة متطورة حقاً، وقد شغل هذا المنصب منذ 16 يوليو 1981 ويعد من أبرز القادة على المسرح السياسي العالمي. وأصدر في عام 1970 كتابه «المعضلة الملاوية» وأعقبه في 1986 بكتابه «التحدي» وفي 1999 أصدر كتابه «خطة جديدة لآسيا». يقول المؤلف الدكتور مهاتير محمد في الفصل الرابع عشر «التعاون لاحداث النمو الاقتصادي» من كتابه الذي نناقشه هنا ان هناك عاملين مشتركين يربطان بين أعضاء مجموعة الدول الثماني النامية أولهما أن كل أعضاء هذه المجموعة من الدول النامية التي تعمل لتقدم بلدانها وشعوبها والوصول بها الى مراحل متقدمة من التنمية، وثانيهما أن المسلمين يغلبون على سكان دول المجموعة. هناك ايضاً مجموعة من البلدان الإسلامية التي يمكن إدراجها ضمن مجموعة الثماني، غير أن توسيع عضوية المجموعة غالباً ما يتسبب بإبطاء مسيرة خطى التعاون بين الأعضاء ويعرقل مسيرته. وعلى الرغم من أن ماليزيا تقف في الوقت الحالي مع عدم توسيع عضوية المجموعة، إلا أن ذلك الموقف لا يعني أبداً أنها تدعو الى الإنغلاق أو حصر عضوية مجموعة الثماني الإسلامية على دول بعينها، بقدر حرصها على الإبقاء عليها فاعلة وقادرة على تحقيق الأهداف التي أُنشئت المجموعة من أجلها. إنني على يقين بأن عضوية المجموعة ستُفتح لبقية الدول الإسلامية الأخرى بمجرد إحراز التقدم الكفيل بدفع مسيرة المجموعة الى الأمام، ونؤكد أن قصر العضوية حاليا على ثماني دول فقط لم يُقصد منه استثناء أية دولة بعينها أو الاساءة لها. مصادر القوة والضعف لقد أصبح تعزيز التعاون بين الدول هو الصيغة الشائعة لتسريع معدلات التنمية والتقدم، ونلاحظ أن الدول المتطورة نفسها أصبحت أكثر ميلاً لإنشاء تكتلات وتجمعات بينها بغية توسيع اقتصادياتها. وهناك إجماع واسع على أن رفع معيشة المواطنين وجلب الرفاه لهم، قد اصبح من أهم الأهداف التي تسعى الحكومات الوطنية الى تحقيقها، وان هذه الغاية لا يمكن إدراكها إلا من خلال تحقيق التنمية الاقتصادية وتفعيلها. لا شك في أن دولاً نامية مثل دولنا، بحاجة أكثر إلحاحاً للتعاون البيني لتحقيق التنمية الاقتصادية، نظراً لأن شعوبنا ليست بحاجة حالياً الى الرفاه والوفرة والترف بقدر ما أنها في أمسّ الحاجة لضرورات الحياة الأساسية التي تحفظ لها كرامتها مثلها مثل المجتمعات البشرية الأخرى. ويقول ان عدد سكان مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية يبلغ نحو ثمانمئة مليون نسمة. صحيح أن في العدد الكبير من السكان مظهر من مظاهر القوة، لكنه وبنفس القدر يمكن أن يكون نقطة ضعف. إن مساهمة هذا العدد الكبير من البشر في تعزيز قوة دول المجموعة أو إضعافها، يعتمد الى حد كبير على حكوماتنا الوطنية المسئولة بالدرجة الأولى عن إحداث التنمية في بلداننا. وإذا نظرنا الى التجربة الخاصة ببلادنا، نجد أن ماليزيا البالغ عديد سكانها 20 مليون نسمة وهي الأقل سكاناً وسط دول المجموعة، قد نجحت في معالجة عدد من المصاعب وتجاوزت عقبات عديدة كانت تعترض مسيرتها التنموية، وقد تمّ كل ذلك بفضل محدودية عديد السكان فيها. نحن لا ندّعي أننا ندرك الكيفية التي نقود بها عدداً كبيراً من السكان ونعالج بها قضاياهم سيما أننا في الوقت الحالي بصدد اتخاذ مزيد من الإجراءات التي تعزز المسيرة الديمقراطية في البلاد ووضع السلطة في يد الشعب. إن زيادة عدد السكان تعني المزيد من التباين في الرؤى ووجهات النظر التي يصعب التوفيق بينها، وان تجربتنا في هذا المضمار ليست كبيرة ولم تنضج بعد علماً بأن أي إخفاق في إدارة النظام الديمقراطي وتعزيز الاستقرار السياسي، سيؤدي حتماً الى تهديد التقدم الاقتصادي في البلاد. هذا، بالطبع، ليس اقتراحاً بالتخلي عن النظام الديمقراطي، لكن طالما أن الوقت لا يسمح بأن نقف مكتوفي الأيدي الى أن تتعلم شعوبنا الطريقة التي توفر أسباب النجاح للنظام الديمقراطي، علينا إذاً ألا ننتظر، ولنبدأ باقتحام التجربة لنتيح لمواطنينا الإفادة من هذه التجربة لمعرفة أسباب نجاح النظم الديمقراطية وأوجه القصور فيها. ولعل من المفيد التذكير بأن صلاحية أي نظام للحكم تعتمد على صلاحية القائمين عليه، وأن النظام الجيد لن يقود الى الأهداف المبرمجة له لمجرد كونه جيداً، وان ملاءمة النظام الجيد وفعاليته تتوقفان على مدى قدرات المسئولين على تطبيقه وكفاءتهم وسعة أفقهم. لا للفوضى باستقراء تجارب عديدة نلاحظ أن الحريات الديمقراطية في عدد كبير من بلداننا الإسلامية غالبا ما تقود الى الفوضى وعدم المسئولية، لأن الحكومات المُنتخبة لا تجد فرصة كافية في الحكم لتنفيذ برامجها، إذ يُطاح بها بواسطة الاضطرابات المطلبية والتظاهرات وأعمال الاحتجاجات. وعندما تجرى الانتخابات وتتشكل حكومة جديدة، تنتهي الى المصير نفسه. صحيح أن للنظم الديمقراطية مزايا ايجابية كثيرة، لكننا لا نجني منها إلا الفوضى التي لا توفر مناخاً ملائماً لإحداث التنمية. ونلاحظ في هذا المقام أن الدول المتطورة قد لا تحتاج لحكومات لتقود عملية التقدم فيها، بينما نجد أن البلدان النامية التي تعيش في حالة مستمرة من الفوضى والاضطرابات، لا يتوقع منها النهوض بشعوبها من مستنقع التخلف الاقتصادي. لقد تم الزجّ بنا في أتون معركة اضطرتنا لقبول النّظم الديمقراطية بحسب تعريفها عند الدول المتطورة القوية التي تتوفر على إمكانات أكبر لمجابهة الأزمات المتلاحقة، التي تطرحها تلك النّظم واحتوائها. نحن مُطالَبون بالعمل على بلورة وصياغة النظم الديمقراطية الخاصة بنا والتي تكفل قبل كل شيء مبدأ الإطاحة بالحكومات المُنتخبة بواسطة صناديق الاقتراع بعيداً عن الوسائل الأخرى، على أن يُتاح لكل حكومة فرصة إدارة شئون البلاد لدورة انتخابية كاملة. أما إذا فشلت الحكومة في إدارة البلاد وعجزت عن تلبية طموحات جمهورها، ينبغي اقصاؤها عن الحكم بواسطة صناديق الاقتراع أيضاً في الانتخابات التالية. مقابل ذلك، لا بدّ للحكام من أن يدركوا أنهم ليسوا مُخلدين في مقاعد الحكم، وأن مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. وفي هذا السياق، لابد من تنشيط وتعزيز التعاون بين بلداننا الأعضاء بمجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية. وبرأيي إن قضية حماية وتأمين النّظم الديمقراطية السائدة في بلداننا، ينبغي أن تحظى في أعمال اجتماعاتنا بالأولوية التي تستحق. نحن نؤمن بأنه لابدّ من أن نحكم شعوبنا بواسطة نُظم ديمقراطية، لكن ينبغي في الوقت نفسه أن تكون تلك النظم خاصة بنا ومُستوحاة من بيئتنا، نظراً لأن الديمقراطية الليبرالية التي تلائم بعض الدول، قد لا تكون كذلك في مجتمعات اخرى لها ظروفها الخاصة. ومما لا شك فيه أن الارتقاء بالوضع المعيشي لشعوبنا وجلب الرفاه والنمو لها، أهم بكثير من كفالة حق بضعة أفراد في الإخلال بالأمن والسلم الاجتماعيين، لا لسبب إلا للدعاية لأنفسهم وترويج مصالحهم، علماً بأننا جربناهم في أكثر من مرة، ولم يثبتوا إلا فشلاً ذريعاً. إن النظام الديمقراطي ليس قانوناً مقدساً لأنه من بنات أفكار البشر، والبشر خطاءون، وليس لأحد أي كان الحق في أن يتهمنا بالهرطقة اذا ما رفضنا قبول تعريفه للأنظمة الديمقراطية. ولا بدّ من أن نؤكد أن بلداناً نامية مثل بلادنا بحاجة الى استقرار سياسي قبل كل شئ وأكثر من أي وقت مضى. نعم إن الإمبراطوريات أصبحت من مخلفات الماضي، إلا أن الهيمنة السياسية والاقتصادية لم تتبدل، ومازالت تمارس على نحو أشد ضراوة، وإذا لم ننجح بترتيب بيوتنا من الداخل، واستمرت بلداننا على هذه الحال من الضعف السياسي، فإننا سنعود القهقرى وتصبح دولنا مستعمرة خاضعة للنفود الأجنبي من جديد. إن عدم الاستقرار السياسي يُضعف حتى الدول القوية اقتصادياً، بل يمكن أن يشلّ قدراتها على نحو تام. إذاً ما بالنا بدول مثل دولنا التي تعاني أصلاً من ضعف اقتصادي وعدم استقرار سياسي! أي ديمقراطية نريد؟ انا هنا لا أُدافع عن نُظم حكم شمولية ولا أُروج لها، بقدر ما أنني أنادي بديمقراطية مثل التي طُبّقت في البلدان الغربية عندما كانت ديمقراطياتها في طور الطفولة قبل أن تتجذر ويقوى عودها. إننا لا نطالب بأكثر من منحنا فرصة تطوير ديمقراطياتنا بحسب إيقاع تطور مجتمعاتنا من دون أن يتدخل أحد ويسعى لفرض رؤاه على واقع لم ينضج بعد، ولنا أسوة في أن الديمقراطيات الغربية نفسها عندما كانت أقل ليبرالية، لم تتعرض لتهديد من أحد قط، ولم يسع الآخرون لإدانة ممارسات فيها يرون أنها لا تتفق مع روح الديمقراطية. وعندما يتحقق الاستقرار السياسي في دولنا يمكننا عندئذ أن نركز كل اهتمامنا وجهدنا على تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية وجلب الرفاه لشعوبنا. وعلى الرغم من أنه بامكان أي دولة من دولنا أن تنهض بعملية التنمية الاقتصادية بمفردها، إلا أن تعزيز التعاون فيما بينها وتبادل الخبرات والمعلومات سيجعل من تحقيق النمو أمراً سهلاً وأقل تكلفة، لكن ينبغي التأكيد على أنه لا توجد دولة مُلمّة بمفردها بكافة الجوانب المتصلة بعملية إدارة التنمية كافة. ونحن في ماليزيا لا نخجل من الاعتراف بأننا نقلنا تجارب عديدة من الشعوب الغربية، وعملنا على تكييفها مع واقعنا، وعندما ظهرت تجارب ناجحة في المشرق لم نتردد في التوجه بسياساتنا شرقاً للإفادة من هذه التجارب الجديدة، كما أننا استفدنا افادة قصوى من أخطاء الآخرين وتجنبنا الوقوع في مزالق كثيرة. ومازلنا نبحث في كل مكان لنتعلم من تجارب الشعوب التي سبقتنا. ومن هنا يأتي ترحيبنا وحماسنا للإنضمام لعضوية هذه المنظمة (مجموعة الدول الإسلامية الثماني النامية) والتي نأمل أن نستفيد من تجارب أعضائها وأن نتعاون معهم ونعزز علاقاتنا التجارية معهم. ثمة اعتقاد مفاده أن الدول الفقيرة ليست بالشريك التجاري الجيد، ولكن ينبغي أن نعي تماماً أن الدول الغنية ترتبط باستمرار بعلاقات تجارية قوية مع البلدان الفقيرة، وأنها مستفيدة من هذه العلاقات وإلا لقطعتها من دون تردد. وطالما أن الدول الغنية تجني فوائد وأرباحاً من نظيراتها الفقيرات، فلماذا لا نسعى نحن للإفادة من بعضنا بعضا على أساس المنافع المتبادلة! ونشير هنا الى أن التجارة بين دول مجموعة الخمس عشرة وبقية الدول النامية، نمت بمعدلات فائقة منذ إقرار صيغة التعاون (جنوب-جنوب) فيما نمت التجارة بين الدول النامية بمنطقة جنوب شرق آسيا بمعدل ثلاثة أضعاف خلال خمس سنوات، وبذات القدر يمكن لدول مجموعة الثماني زيادة التجارة البينية بينها إذا ما تبنّت السياسات اللازمة ووفرت الإطار القانوني لذلك، وهو أمر يتطلب قبل كل شئ تبادل المعلومات والبيانات. أنني بحق، أشعر بالسعادة لأن هناك عدداً من اللجان التي تعمل لهذا الغرض، وبرغم العقبات التي تعترض طريق هذه اللجان والتي تتسبب بتأخير إنجاز المهام الموكولة اليها، إلا أنني على يقين بأننا سنتخطى تلك العقبات متى ما توفرت بيننا الإرادة السياسية. ان الدول الاسلامية بحاجة الى قيادة سياسية قوية مقتدرة نظراً لأن الإرادة السياسية أمر ضروري لإحراز أي تقدم بهذا الصدد. وكما سبق أن ذكرت ان بلداننا إلى جانب كونها دولاً نامية، فإن المسلمين يشكلون غالبية السكان فيها، مع ملاحظة أن قطاعاً واسعاً من المسلمين وغير المسلمين على حد سواء يلقون باللائمة على الإسلام فيما لحق بنا من تخلف. هذا الافتراض يفتقر الى الصحة ويعوزه الدليل نظراً لأن الإسلام لم يحفز القبائل العربية المتناحرة على التوحد وإقامة أعظم امبراطورية عرفها التاريخ فحسب، بل انه اثرى وجدان كل الذين اعتنقوه مادياً وروحياً وساهم مساهمةً لا تُنكر في مجال المعارفة الإنسانية. إن تخلف المسلمين اليوم لا يمكن أن يعزى للإسلام بقدر ما أنه يعود الى التفسير الخاطئ للتعاليم والأحكام الإسلامية. معيار المصداقية لقد آن الأوان لتبدأ دول مجموعة الثماني الإسلامية النامية الاقتداء بالدول المتطورة لتعمل في شكل منتدى محدد الأهداف لتبادل الآراء والأفكار وتشرع بتطوير برنامج عمل واضح القسمات بما يؤدي الى تفعيل التعاون بينها. وفي تقديري ينبغي علينا ألا ننساق في بداية الأمر وراء الأحلام والطموحات غير الواقعية، وأن نتوخى جانب الحذر والتبصر في تخطيط هذه البرامج والمشاريع، وأن نمضي قُدماً فيها بخطوات مدروسة وايجابية. إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا تحدث بين عشية وضحاها، وعلى الناس ان يتحركوا لإحداثها. وينبغي التأكيد هنا على أن مصداقية وجدوى مجموعة الثماني تتوقفان على النتائج التي يمكننا تحقيقها سنوياً، والتي لا تقبل التشكيك. وتقتضي الأمانة ألا نتظاهر بالنجاح إذا ما فشلنا في إدراك تلك النتائج. وفي هذا الحال يكون من الأفضل أن يمضي كل منا في طريقه بدلاً من التهافت على اجتماعات ومؤتمرات لا طائل منها. هذا هو التحدي الذي لا بدَ أن نواجهه بشجاعة وأمانة. تأليف: د. مهاتير محمد، عرض ومناقشة: د. جمال المجايدة