في إطار الجولة العربية الأخيرة للرئيس السوري بشار الاسد وصل الى بيروت ليجد استقبالاً رسمياً اطلقت فيه المدفعية 21 طلقة لتحيته ومعانقات من أبرز السياسيين اللبنانيين، ومجموعة من التصريحات التي تعبر عن مدى عمق صداقة بيروت وتعاونها الأبدبين مع شقيقتها الواقعة على الجانب الآخر من سلسلة الجبال السامقة في شرق المتوسط. والتعاون هو بالتأكيد ما كان يريده الرئيس بشار الاسد ، لأنه شأن اللبنانيين أنفسهم، كانت لديه بعض التحفظات إزاء مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله الأخيرة للسلام مع اسرائيل. وهذا لا يعني ان أياً من الرئيس الاسد أو الرئيس اللبناني اميل لحود سيوجه من قريب أو بعيد الانتقاد لولي العهد السعودي، الذي كان يدافع على الدوام عن الدولتين في صراعهما مع الاسرائيليين. لكن «خطة السلام» الخاصة بالأمير عبدالله والتي تدعو إلى انسحاب اسرائيلي كامل من جميع الأراضي العربية التي احتلت بعد حرب يونيو 1967 مقابل اعتراف عربي كامل باسرائيل (من دون العراق أو ليبيا، بالطبع) قد تفسد السياسات الراسخة لكل من سوريا ولبنان. فسوريا تريد كما كان يصر الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد دائما ـ انسحاباً اسرائيلياً كاملاً من مرتفعات الجولان السورية المحتلة قبل حدوث أي تطبيع للعلاقات الدبلوماسية. ولبنان يريد تضمين أي خطة سلام عودة الـ 150.000 لاجيء فلسطيني ـ البعض يقول انهم 250.000 ـ الذين يعيشون في لبنان في اكواخ ومبان اسمنتية متواضعة في مخيمات اللاجئين التي انتشرت في لبنان منذ عام 1948. وهؤلاء هم الرجال والنساء ونسلهم الذين تقع بيوتهم واملاكهم فيما يعرف الآن باسرائيل. ولا توضح مقترحات الأمير عبدالله، أو على الاقل النسخة الغامضة عنها المتداولة الآن، ما الذي يأتي أولا: الاعتراف ام الانسحاب، وهذا ما يقلق السوريين الذين يعتقدون ان الاسرائيليين قد يحاولون خداعهم بنيل الاعتراف ومن ثم التنصل من اتفاقية الانسحاب ـ فهم قد فعلوا ذلك من قبل في اتفاقيات للانسحاب مع الفلسطينيين عدة مرات. ولا يبدو ان هناك اي فقرة في الخطة السعودية تتعلق بالفلسطينيين في لبنان، الذين يصّر الكثير من اللبنانيين، بغير وجه حق، على أنهم كانوا سبباً في إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، التي استمرت 16 عاماً. ويعتزم الأمير عبدالله تقديم مقترحاته امام رؤساء الدول العربية في القمة العربية التي ستبدأ اعمالها في بيروت في السابع والعشرين من مارس الجاري (وهو اجتماع سيغيب عنه الرئيس العراقي صدام حسين لـ «أسباب أمنية»). لكن الرئيس الاسد سيكون هناك، وسيتوقع ان يحصل على تأييد كامل من لبنان لموقفه. وبالأخذ بعين الاعتبار المعاهدات الملزمة للدولتين ونفوذ دمشق ووجود عشرين ألف جندي سوري يحمون لبنان على أرضه، فان الاسد ليس لديه من مبرر يدعوه للشك في حصوله على ذلك التأييد. لم يشر أي من الرئيسين الى خطة السلام السعودية في بيانهما المشترك، الذي زيّن بالمفردات المفضلة لكل الاجتماعات العربية، مثل «التضامن» و«الصمود» و«العمل العربي الفاعل» بالاضافة الى اشارات «للسياسة العدوانية والدموية» لاسرائيل في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. وأفاد البيان الختامي لاجتماع الاسد ـ لحود أن اي تسوية في الشرق الاوسط يجب ان تضمن «تحريراً كاملاً للاراضي العربية المحتلة وتضمن حق الشعب الفلسطيني بالعودة الى ارضه واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس». وهذا بالطبع، مطلب عادي يشمل كلاً من: قرار مجلس الامن الدولي 242 وقرار غير ملزم للجمعية العامة للأمم المتحدة صادر بعيد حرب عام 1948، يدعو الى عودة اللاجئين إلى ديارهم. والمشكلة في هذا الوقت ـ بالنسبة للسوريين واللبنانيين وللأمير عبدالله ـ تتمثل في وجود رجل يعيش في القدس ويحب بناء المستوطنات الاسرائيلية على الاراضي الفلسطينية واسمه، بالطبع، ارييل شارون. ومنذ الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، تساءلت الجماعات المسيحية اللبنانية عن السبب الذي يفرض بقاء القوات السورية في لبنان، وهذه حقيقة ينبغي اضافتها. وقد كانت زيارة الاسد الى بيروت الاولى من نوعها التي يقوم بها رئيس سوري خلال اكثر من نصف قرن، وهي توحي بأنه يعتزم الابقاء على العناق «الاخوي» نفسه للبنان الذي حافظ عليه والده. يذكر ان الرئيس اللبناني اميل لحود كان يتحدث على الهاتف مع الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد عندما توفي بنوبة قلبية قبل عامين، ويقال ان هناك علاقة صداقة حقيقية تربطه بالاسد الابن. ولكن ذلك لن يمنع المسيحيين من التساؤل عن المستقبل اللبناني الذي يصفه الكثيرون بأنه مستقبل مجهول. عن «اندبندنت»