يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يتضمن عرضاً لجانب من الآراء الجريئة والصريحة التي يطرحها مؤلفه حول نقد الديمقراطية في مفهومها الغربي وأسرار الحرب الشعواء التي يشنها البعض في الاعلام الغربي ومحاولتهم المشبوهة ربط الارهاب بالمسلمين. ويلقي الكتاب الضوء على خطورة التحديات التي فرضها عصر المعلومات والعولمة، ويدعو الى ضرورة الأخذ بأسباب التقنية وفي الوقت نفسه استلهام العبر والدروس من الماضي الاسلامي العريق. ومؤلف الكتاب أشهر من أن يتم التعريف به، فهو رئيس الوزراء الرابع لماليزيا، وقد لعب دوراً بالغ الأهمية في مسيرة بلاده باتجاه تحقيق «رؤية 2020» الهادفة الى تحويل ماليزيا الى دولة متطورة حقاً، وقد شغل هذا المنصب منذ 16 يوليو 1981 ويعد من أبرز القادة على المسرح السياسي العالمي. وأصدر في عام 1970 كتابه «المعضلة الملاوية» وأعقبه في 1986 بكتابه «التحدي» وفي 1999 أصدر كتابه «خطة جديدة لآسيا». يقول الدكتور مهاتير محمد: نحن في ماليزيا نشعر بالحزن الشديد إزاء أعمال القتل التي تجري في بعض الدول الإسلامية ضد غير المسلمين والمسلمين على حدّ سواء. فهذه الأعمال لا علاقة لها بتعاليم الدين الإسلامي من قريب أو بعيد، كما أنها لا تفيد قضية الإسلام، ويجب علينا كأمم إسلامية أن ننبذ خلافاتنا ونوحّد صفوفنا، لكي نواجه الأخطار الداهمة التي تتهددنا. كما يجب ألا نكون أعداء لأنفسنا، لأننا نرى في العديد من الدول الإسلامية حروباً ومعارك يقتل فيها المسلم أخاه المسلم، وتؤدي الى عدم الاستقرار، الذي يؤدي بدوره الى إضعاف الحكومات، وعدم قدرتها على تحمل مسئوليات الحكم وتبعاته بكفاءة وفاعلية، وعدم قدرتها على تنمية وتطوير البلاد بما يكسبها القدرة على منافسة الأعداء في شتى المجالات. بالإضافة لذلك، أدت المنازعات الشخصية والأطماع الفردية والتعطش للسلطة إلى تخريب الإدارة الحكومية وشلّ قدرتها على الوفاء باحتياجات الشعوب. نتيجة لذلك كله، بقيت الأمم الإسلامية في مجملها مُتخلّفة وفقيرة، وغير ماهرة، وغير متعلمة، وغير قادرة على الإسهام الإيجابي في رفاهية المسلمين وعقيدتهم وأممهم. وعلى الرغم من أن الكثير من الدول الإسلامية تنعم بموارد غنية، فإننا لانزال غير قادرين على الاستفادة من هذه الموارد بالصورة المُثلى في خدمة الإسلام والذود عنه وعن الشعوب الإسلامية ضد هؤلاء الذين لا يخفون كراهيتهم لنا ولديننا ولا يتورّعون عن الجهر بنواياهم السيئة نحونا. هذا هي الحال السائدة في بلداننا، والتي تسببت بهروب أفضل العناصر من بلداننا الإسلامية للخارج للمساهمة بعلمهم ومهاراتهم في رفاهية شعوب البلدان التي يهاجرون اليها، والتي يحدث في بعض الأحيان أن تكون معادية لنا. وللأسف الشديد لا تتوافر لدينا الإمكانات التي يمكن ان نقدمها لعلمائنا الأذكياء الموهوبين، مما يجعلهم يشعرون دائما أن البيئة في بلدانهم الأصلية لا تتّسع لأحلامهم، وهو أمر كفيل بدفعهم للتفكير في الهجرة. خواء المزاعم الغربية كما أننا لم نستطع حتى الآن تطوير نظام يحدد الأسس والطرق التي يمكن أن نحكم بها بلداننا. فبعض دولنا يتبع نظاماً ملكياً، فيما يطبّق بعضها الآخر نظاماً ثيوقراطياً، ومجموعة ثالثة اتبعت نظم حكم ديمقراطية. وعلى الرغم من جميع الإدّعاءات والمزاعم التي تسوّقها الدول الغربية من أن الديمقراطية على النمط الغربي هي الديمقراطية الصحيحة، فإن الحقيقة هي أن الديمقراطية أو النظام الديمقراطي قد فشل حتى الآن في إثبات جدواه وفاعليته، سواء بالنسبة للدول الغربية أو حتى بالنسبة لأي دولة في أي مكان في العالم. ففي كثير من الحالات يتمّ بموجب هذا النظام اختيار أشخاص غير ملائمين أو غير صالحين لتولي مسئولية الحكم. وفي هذه الحالة نجد مثلاً هؤلاء الأشخاص يهتمون بمصالحهم الخاصة على حساب مصالح الشعب، مما يؤدي الى صرفهم عن الواجبات والمهام التي يجب أن يقوموا بها، الأمر الذي يؤدي بدوره الى تفشّي الفساد وانهيار القيم الأخلاقية. ولكي يتمكّن هؤلاء من صرف الأنظار عن المشكلات التي تواجهها بلدانهم، نجدهم يركزون على سلبيات وعيوب الحكومات والدول الأخرى. ولذلك نجد هذه الدول تتهمنا نحن في البلدان الإسلامية على وجه الخصوص بأننا ننتهك حقوق الإنسان ونمارس العنف والإرهاب، ونفتقر الى الكفاءة الإدارية اللازمة لتدبير أمور شعوبنا، بل تصل الاتهامات في بعض الأحيان الى حدّ الزعم بأننا نقوم بتدمير البيئة. وبواسطة المنظمات غير الحكومية نجدهم يتدخلون بفاعلية في شئوننا الداخلية، وتحريض شعوبنا على استخدام العنف ضد حكوماتهم، بل وضد بعضها بعضاً. كما تقوم هذه الدول أيضاً بتوفير المأوى والأمان للإرهابيين الذين يقومون بأنشطة تخريبية في بلادنا. ومفاهيم الديمقراطية ونظامها الغربي الحديث، ليس أفضل حالاً من الدول الإقطاعية أو الدول القائمة على حكم الصفوة الثيوقراطية التي سبقت وجود النظام الإقطاعي. صحيح قد يكون الطريق مختلفاً، ولكن الهدف واحد في النهاية. ويجب ألا ننسى أن هذه الدول هي التي أضرمت نيران محاكم التفتيش الإسبانية. وعلى الرغم من أنهم ما عادوا يقومون بحرق الضحايا أحياء، فإن الضغط الاقتصادي الذي يمارسونه على ضحاياهم ليس أقل ألماً من ذلك، إذ يضعون الناس أمام خيارين أحلاهما مُرّ، إما الاستسلام وإما القتل. والأمم الإسلامية ليست بحاجة الى اختراع اشكال جديدة للحكومات، لأن هذه الأنظمة في النهاية لن تكون كاملة، ولن تستطيع أبداً أن تضمن الحكم الرشيد. إن الذي جعل نظام حكم ما راشداً هو نوعية الرجال الذين يتصدون لتصريف شئون الحكم. ولكي نعرف ما هي مواصفات هؤلاء الرجال الملائمين لممارسة الحكم، علينا أن نعود الى تعاليم الإسلام وهي التعاليم الحقة وليست التعاليم التي يتمّ تأويلها لتبرير ما نقوم به سواء كان خطأً أم صواباً، خيراً أم شرّاً. اسئلة حائرة إذا لم نكن متأكدين مما تعنيه التعاليم الحقة، فإننا سوف نكون بحاجة الى توجيه بعض الأسئلة: هل الإسلام يدعو الى الحروب والعنف بين المسلمين سواء كانوا جماعات أو مِلل؟ هل الإسلام يدعو الى قهر الشعوب على أيدي الحكومات؟ هل الإسلام يدعو الى تهديد استقرار الحكومات وقلبها من خلال أعمال غير مسئولة بواسطة الناس؟ وهل الإسلام يدعو الى رفض الحياة الطيبة في هذا العالم أو الحياة الطيبة في الآخرة؟ هل نستطيع أن نقول حقاً إننا كي نكون متديّنين لا بدّ أن نكون فقراء، وأن نكون بلا معرفة وبدون مهارات، وغير قادرين على الدفاع عن أنفسنا ضد أعدائنا؟ هل اعتمد الرسول- صلى الله عليه وسلم ـ على ثروة صحابته وذكائهم أم أنه قام بشراء الأقواس والسهام والسيوف والخيول والجِمال من هؤلاء الذين كان هدفهم المُعلَن والواضح هو تكوين الثروات لأنفسهم، ليس هذا فحسب، بل والقضاء على الإسلام والمسلمين؟ إننا نعرف إجابات جميع هذه الأسئلة، ومع ذلك فإننا لا نهتم باتّباع الطرق التي تدلنا على الإجابات الإسلامية لهذه التساؤلات. وبدلاً من ذلك نُشغل أنفسنا بالتفاهات والصغائر مثل مقدار طول لحية المسلم أو طول جلبابه. وفي بعض الأحيان ندخل في حروب ضد بعضنا البعض بسبب خلافات بسيطة بشأن أساليب التعبير عن ايماننا. ولذلك نجد دائماً أن كل واحد منا يحاول أن يزايد على الآخر فيما يتعلق بمظاهر التقوى والورع الديني، سواء عن طريق اختراع أفكار متطرفة أو ممارسات متشددة جديدة لم تكن معروفة من قبل، من أجل إظهار قوة ايماننا. وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل اننا نحاول أن نفرض هذه الأفكار والممارسات المتطرفة على الآخرين بالقوة، ونقوم بإدانتهم إذا ما رفضوا ذلك. وكل هذه الممارسات تؤدي الى تقسيم المجتمعات وبثّ الفرقة بينها ودفعها الى مقاتلة بعضها بعضا بسبب بعض الخلافات التي تنتج عن اختلاف في فهم الدين. والإسلام دين سلام ودين أخوة ودين مرونة، وممارسات الإسلام ليست متشددة على الإطلاق. وهناك دائماً تيسير في الدين بحيث لا يحسّ الإنسان بأن التعاليم الدينية تُشكّل قيداً على حريته، أو عبئاً يجب عليه أن يتحمله. ففي أداء الصلاة والصوم وتوزيع الزكاة وأداء شعائر الحج، يراعي الإسلام ظروف كل شخص على حدة، ويسمح للظرف السائد أو الطارئ أن يملي طريقة ممارسة الشعيرة أو العبادة. وهكذا فإننا نرى أن المسلم يمكن أن يؤدي صلاته بطرق مختلفة حسب الظرف وحسب حالته الصحية وقدرته الجسدية. والأمر نفسه ينطبق على الصيام الذي يعتمد على حالة الإنسان الصحية وقدرته البدنية أيضاً، بل وعلى المكان الذي يوجد فيه كذلك. كما أن المسلم يخرج الزكاة بحسب قدرته المادية، ويقوم بالحج الى بيت الله إذا استطاع الى ذلك سبيلاً. أما الشئ الذي لا يمكن أن يتسامح فيه الإسلام فهو إنكار أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إذ يجب على المسلم أن يشهد بذلك علناً، أو ينطق الشهادة بقلبه إذا ما أُجبر على إنكارها في العلن تحت الضغط والتهديد. والسرعة التي تمضي بها حركة التقدم، وسهولة الاتصالات وتطور تقنيات الوسائط المتعددة، كل ذلك سوف يجعلنا مُعرّضين ومكشوفين تماماً أمام أي شئ يحدث من حولنا. وهكذا فإن مثل هذه الأشياء قد تقوّض ايماننا، أو قد تدفعنا الى الإنخراط في ممارسات متطرفة، أو الى تدمير أنفسنا بأنفسنا، أو الى رفض كل شئ والإنعزال عن العالم وإغلاق الأبواب على أنفسنا، مما يُفضي بنا في النهاية الى المزيد من التخلف عن ركب الحياة الذي يمضي بخطى حثيثة في كل المجالات. وفي النهاية سوف يفرض التقدم العلمي والتقني نفسه علينا فرضاً، ولن يكون أمامنا في هذه الحالة من وسيلة سوى الخضوع لمقتضيات التطور تماماً مثل أسلافنا الذين وجدوا أنفسهم غير قادرين على مقاومة تقنيات البنادق والمدافع والسفن المصنوعة من الصلب والطائرات الحربية وتغيير طبيعة المعركة والحروب، لأن ذلك لو حدث لكان معناه أنهم يريدون الوقوف بوجه حركة التاريخ مما كان سيعرضهم لمزيد من التخلف عن ركب الحضارة الذي كانوا رواده في يوم من الأيام. لقد خسر المسلمون المعركة لأنهم عجزوا عن التكيف مع مقتضيات التغيير ومع المعارف والعلوم الحديثة التي كانت تقف وراءه. ثورتان اليوم نشهد ثورتين تحدثان في الوقت نفسه: الثورة التقنية، والثورة في مفهوم العلاقات بين الدول والتي يُطلق عليها اسم «العولمة». وسواء قبلنا بهاتين الثورتين أم لا، فإنهما ستفرضان نفسيهما علينا شئنا أم أبينا، تماماً مثلما فرضت الثورة الصناعية نفسها علينا منذ قرون قليلة. ومن حُسن حظنا أن هذه التطورات والتغييرات الثورات جديدة بالنسبة لأعدائنا مثلما هي جديدة بالنسبة لنا، فهم يتلمسّون طريقهم الى هذه التغييرات والثورات، تماماً مثلما نفعل نحن، وسط متاهة المعرفة والمقدرات والإمكانات التي خلقتها ثورة المعلومات، وحقيقة أن إزالة الحدود بين الدول التي فرضتها العولمة. ونحن في الحقيقة لسنا متخلفين عنهم كثيراً في هذه المجالات، بل أن الواقع يقول إن كثيرين منا يساهمون في تقدم هذه العلوم والمهارات الجديدة، وفي صُنع المعرفة والمفاهيم المتعلقة بالعلاقات الدولية. وثمة فرصة لا تُعوّض متاحة أمامنا كي نختصر المراحل، ونختصر عصر الثورة الصناعية وندخل مباشرة الى عصر المعلومات والى العالم المفتوح، وأن نصبح في المستوى نفسه مع الآخرين. ولسوء الحظ فإن الأمر يبدو أحياناً وكأننا على وشك أن نضيع هذه الفرصة من بين أيدينا، كما ضيّعنا من قبل فرصاً أخرى مثلها، ثم جلسنا نبكي عليها ونُبدي ندمنا حيث لا ينفع الندم. لذلك فإنه من المهم أن نتصدى لهذه التحديات التي نواجهها في عالم اليوم.. عالم عصر المعلومات والحدود المفتوحة. وإذا ما نجحنا في ذلك، فإننا نستطيع أن نحدد شكل استجابتنا لهذه المتغيرات والتطورات، وأن نقوم باستنباط أساليبنا الخاصة بنا المتعلقة باستخدام معطياتها، وبحيث لا نتعرض لفقدان ايماننا في هذا الخضمّ الزاخر من التيارات المتلاطمة، أو الى فقدان هويتنا، أو اتجاه مسيرتنا في هذه الحياة. لذلك من المهم أن نُقدر القيمة الحقيقية للقوى العظمى التي تتجمع من حولنا، وهي قوى غالباً ما تكون معاديه لنا. أما إذا اخترنا الانعزال عن المعلومات والمعرفة فإننا سوف نجد أنفسنا تحت هجومٍ وضغطٍ مستمرين، وسوف نجد أنفسنا مُجبرين على التقهقر في معظم الأحيان. وإذا ما قمنا باستيراد هذه المهارات منهم فإن ذلك سيكون مثل قيامنا باستيراد أسلحتنا وقدراتنا الدفاعية منهم. بمعنى أننا سوف نكون مُجبرين في هذه الحالة على القبول بما يقرروه هم وليس ما نختاره نحن، لكي يضمنوا أننا لن نُحقق به النجاح التام.