عاشت الأرجنتين، مؤخراً، عشرة أيام أحدثت هزة عنيفة بالمجتمع الأرجنتيني بحيث أنه لن يعود إلى ما كان عليه أبداً. كان الجميع يعرف أن الديمقراطية لم تحل المشكلات الاقتصادية العميقة لأمريكا اللاتينية. لكن عدداً قليلاً من الاشخاص راودهم الشك في أن الديمقراطية الأرجنتينية، التي لا يزيد عمرها على 18 عاما، يمكنها ان تطيح بحكومتين في غضون عشرة أيام فقط. وفي انطلاقة جديدة كلياً، لم تؤد الأزمة الى انقلاب عسكري وانما الى انقلاب مدني. وللمرة الولى، وفي ظل تدهور شعبية السياسيين الى ادنى مستوياتها، لم يتدخل منقذ وطني يرتدي البزة العسكرية لملء الفراغ الذي خلفته الاحزاب الراديكالية والبيرونية. والآن بات تسلسل الأحداث واضحاً تماماً. فبعد أن تم نهب المحلات التجارية في العديد من المدن في التاسع عشر من ديسمبر الماضي، اتهم الرئيس السابق فيرناندو دي لاروا اللصوص الجوعى بأنهم اعداء الجمهورية واعلن حالة الطواريء. وقد أثارت تصريحاته نقمة شعبية واسعة النطاق واشعلت انتفاضة ديمقراطية وسلمية بالكامل. وفي الجلبة التي تصم الآذان والتي صدرت عن اعداد لا حصر لها من الاشخاص الذين يقرعون على أواني الطعام المعدنية، خرج الألوف من الأرجنتينيين الى الشوارع في جميع انحاء البلاد داعين الى استقالة الحكومة التي كانت قد انتخبت قبل عامين بنسبة 48% من الأصوات. وقد حاول بعض المعلقين ان يقلل من تأثير الاحداث، زاعمين بأن هذا لا يعدو كونه مجرد عرض للمزاج السييء من جانب الطبقات المتوسطة التي انزعجت من القيود التي فرضت على عمليات سحب الأموال من البنوك. وفي الواقع، ان التمرد كان نتيجة تحالف بين الفقراء والطبقات المتوسطة في المدن التي باتت هي الاخرى تعاني بشكل متزايد من الفقر.. لاحظ ماذا كان الناس يغنون في التاسع عشر من ديسمبر: النشيد الوطني واغنية سخرت علانية من حالة الطواريء التي اعلنتها السلطات. وتبع ذلك دعوات الى استقالة دومينجو كافالو، وزير الاقتصاد. فقد كان هذا الشخص موظفا مدنياً في ظل حكم العسكر والبيرونيين والراديكاليين وأحد المناصرين للمعجزة الاقتصادية الفاشلة المتمثلة في نموذج للسوق الحرة وضع حدا للتنظيم الحكومي ونظام الرفاه الاجتماعي برمته. وفي العشرين من ديسمبر طالبت الجماهير التي شجعتها استقالة كافالو، برحيل روا ايضاً، وقد فشل روا الغافل عن تنامي الاستياء ضده في فهم الرغبة بالتغيير التي منحته الفوز في انتخابات عام 1999. كما أنه لم يول اهتماماً يذكر للانتخابات البرلمانية التي اجريت في الرابع عشر من اكتوبر العام الماضي، التي استحوذت فيها حالات الامتناع عن التصويت وأوراق الاقتراع الفارغة على نسبة كبيرة من اصحاب حق الاقتراع (حيث بلغت حوالي 40% في بعض الاقاليم). وفي هذه المرة ابدى رد فعل على ما يجري ولكن بصورة وحشية. فقد هاجمت قوات الشرطة المحمولة انصار حركة «امهات ساحة مايو» ومناضلين بارزين من منظمات لحقوق الانسان. وأسفرت الهجمات عن مقتل 30 شخصاً واعتقل ألوف غيرهم، وبدا ان الاحداث مرشحة للتدهور اكثر مع احراق السيارات وتحطيم نوافذ المحلات التجارية. ولحسن الحظ ان روا استقال في الوقت المناسب. هناك على الدوام اشخاص يلقون بأشد الاضواء كآبة على الاحداث التاريخية الرئيسية أو يقدمون نظريات متطرفة تتعلق بالمؤامرة. فعلى امتداد سنوات، جرى تقديم ابطال أحداث السابع عشر من اكتوبر عام 1945 (التي شهدت بروز الحركة البيرونية) على أنهم ثلة من المنحرفين اجتماعياً، الذين جرى التلاعب بهم من قبل الشرطة والأجهزة البيروقراطية.. وعلى نحو متوقع، زعم معلقون ان البيرونيين او ضباط الجيش هم الذين يقفون وراء الاضطرابات الاخيرة. ويشير تفسير اكثر تسامحاً إلى ان الاضطرابات عكست حالة اليأس لدى الناس بدون ان يكون لذلك توجه سياسي أو أجندة سياسية. وقد أكدت الصحف المحافظة على خطر انحطاط اي حركة شعبية وحذرت من أنه ينبغي على الناس في ظل نظام ديمقراطي ان يتحاوروا ويحكموا من خلال ممثليهم المنتخبين. ونحن لا يمكننا بالتأكيد ان نستنتج بأنها كانت حركة تخريبية مناهضة للديمقراطية تلك التي اطاحت بحكومتين خلال عشرة أيام. والعكس صحيح، فمن خلال التخلص من اكثر عاداتها المتعلقة بثقافتها السياسية رسوخاً، اعادت الارجنتين اطلاق ديمقراطيتها، وودعت القرن العشرين. ويواجه الارجنتينيون فشل نظام الرفاه الاجتماعي والافلاس المالي الذي حرم نصف السكان تقريباً من العمل، والديون الوطنية التي لا تطاق. ولكنهم لم يلجأوا الى منقذ عسكري ولا إلى مخلص مدني. وانما قاموا بالاطاحة بحكومة حزب راديكالي كانت صماء عن سماع مشكلاتهم، ثم رفضوا أول فريق بيروني حاول ان يحل محله. وفي الثالث والعشرين من ديسمبر الماضي طلب الكونجرس من ادولفو رودريجيز سا تشكيل حكومة جديدة. فضمت الحكومة بعضاً من أكثر الشخصيات فساداً من ماضي البلاد القريب. وتبعت ذلك سلسلة من البلاغات اللافتة للنظر، فقد تم تعليق تسديد الدين الوطني وجرى تخفيض رواتب الموظفين الكبار في الحكومة وتقديم اعتذار علني لحركة «الامهات» على الأعمال الانتقامية الشرسة من قبل الشرطة واتاحة مليون فرصة عمل جديدة وتسليم أعضاء في الجيش الارجنتيني مطلوبين لمحاكم أوروبية على انتهاكات للحقوق المدنية. ولكن تلك البلاغات لم تجد نفعاً، فالجماهير ملأت الشوارع مجدداً للاحتجاج مرة ثانية لا على العروض الجديدة وانما من اجل رفض السياسيين الفاسدين واللصوص الذين زعموا ان بمقدورهم تفعيل تلك العروض. وادعى المتاجرون بالكآبة مجدداً أن ما يجري هو تمرد ديمقراطي يتم تضليله من قبل ديماجوجي بيروني ذكي، ولكنه فاسد. كانت الموجة الثانية من الاحتجاج اقل عفوية من الاولى بالتأكيد. ففي الثامن والعشرين من ديسمبر، نظمت جماعات عديدة غير منحازة مظاهرتين كبيرتين. الاولى تجمعت امام المحاكم للمطالبة باستقالة اعضاء هيئة المحكمة العليا. والثانية التأمت في «ساحة مايو» في بونيس ايرس، داعية الى قداس عالمي تكريماً للابرياء الذين سقطوا في الاحداث. وكانت هذه الاحتجاجات الصاخبة بالاواني هي التي اسفرت عن استقالة ادولفوسا. وقد وقع عدد كبير من المنظمات على الدعوة لتنظيم موجة جديدة من الاحتجاجات بالاواني بدءاً من منظمات معروفة لحقوق الانسان الى عدد ضخم من المنظمات غير الحكومية ذات الاسماء الغريبة مثل حمام مشمس، عاش الاطفال، تنامي الحب، ومؤسسة الباب المفتوح، ومؤسسة تشي بيبي. يحتاج اي تفسير كامل للاضطرابات التي استمرت عشرة ايام بين موجتي الاحتجاج بالأواني الى ان يأخذ بعين الاعتبار العديد من الحركات الاجتماعية. فقد دخلت مجموعات عديدة كانت تعمل منذ سنوات على تنظيم المساعدة الذاتية وشبكات التكامل الاجتماعي على نحو مفاجيء الى الحلبة العامة. وعلى امتداد شهور، كان الألوف من العاطلين عن العمل يقيمون الحواجز على الطرق. وفي منتصف ديسمبر، اجرت الجبهة الوطنية ضد الفقر استفتاء شارك فيه ثلاثة ملايين مواطن. اما الحكومة الحالية التي يتولى رئاستها البيروني ادواردو دوهالدي، فهي ثمرة اتفاق بين الحزبين الرئيسيين ـ البيرونيين والراديكاليين ـ بدعم من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وفي كل مرة، قامت المؤسسات بدورها المناط بها، بقبول الكونجرس للاستقالات المتعاقبة وتنصيب الرؤساء المؤقتين. يحظى دوهالدي بدعم جزء كبير من الناخبين وهو السياسي الوحيد المؤهل للتعامل مع حالة الطواريء. وعلى الرغم من ان غالبية كبيرة في الكونجرس صوتت له، إلا أن هناك حوالي 40 نائباً في مجلسي الاعيان والعموم ـ ناهيك عن الشارع ـ الذي يعارضه ويريد اجراء انتخابات ملائمة. تقوم الحكومة تدريجياً بتقديم برنامج اقتصادي طاريء بعد ان قررت اخيراً الغاء مساواة البيزو بالدولار والقبول بتخفيض قيمة العملة. وسيكون من السخف التنبؤ حول المستقبل السياسي للحكومة الحالية واحتمال نجاح خطتها الاقتصادية. والحقيقة هي ان وجود دوهالدي وفريقه في السلطة يرجع الى عدم توفر اي شخص آخر. وقال السياسيون صراحة إن هذه المرة هي فرصتهم الاخيرة. لقد استوعب الارجنتينيون العاديون الدرس وقرروا الاعتناء باحتياجاتهم الاكثر الحاحاً مبقين أوانيهم المعدنية في متناول اليد. وادرك اولئك الذين لعبوا دوراً في الايام العشرة الحاسمة قوتهم ويعتزمون تنظيم أنفسهم خارج إطار الاحزاب السياسية التقليدية وهم يريدون ان يكون لهم رأي في القرارات الاقتصادية والسياسية (الأمر الذي حققوه حتى الآن بنوع من الرفض في الشوارع). والتطور الكبير الآخر هو تشكيل تجمعات الاحياء التي هي عبارة عن دكاكين للحديث يتم فيها تسويق جميع أشكال الافكار الجريئة والخلاقة. شهدت الارجنتين 13 عملية انتخاب رئاسية بالاقتراع العام خلال القرن العشرين، الاولى جرت في عام 1916 والاخيرة في عام 1999، وحقق الراديكاليون والبيرونيون ستة انتصارات لكل منهما (بيرون نفسه انتخب ثلاث مرات) ولكن في مناسبات عديدة خلال الاحداث الاخيرة، هتف الجمهور «لا راديكاليين ولا بيرونيين». سيستغرق الامر وقتاً لكي تتشكل قوة سياسية جديدة، وكما كانت الحال في ظروف اخرى، فإن القديم والجديد قد يواصلان التربيت على الأكتاف وقد يستمر المثقفون في تشاؤمهم حيال ماضي الارجنتين الذي لا يزال ظاهراً، ولكن جيلاً جديداً، ولد في ظل الديمقراطية، يبرز للعيان حالياً واذا استطاع الشعب ان يقاوم العاصفة، فان الارجنتين قد تعيد تحديد شروط التفاعل الاجتماعي والسياسي. عن «لوموند دبلوماتيك»