الملف السياسي: توزعت ردود فعل الجهات الصهيونية على أكثر من ناحية حيال مبادرة ولي العهد السعودي لاقامة سلام عادل في الشرق الأوسط، وبدت ردود الفعل متناقضة ومتصادمة في بعض الاحيان، فبينما طالبت بعض الجهات ان تقوم الحكومة السعودية بتوفير مزيد من التفاصيل والشروح للنقاط الجوهرية في مشروع الحل الذي طرحه الأمير عبدالله، قامت جهات اخرى برفض المشروع جملة وتفصيلا باعتباره قائماً على شروط مسبقة. وفي مفهوم هؤلاء فإن أي مشروع للتسوية ينبغي ألا يحتوي على شروط مسبقة من ناحية العرب، وإنما تأتي الشروط من الجانب الاسرائيلي، مثلما كان الوضع أيام مؤتمري مدريد وأوسلو، حيث وضعت اسرائيل كل الشروط الابتدائية التي استبعدت بمقتضاها الأمم المتحدة كراعية للمفاوضات، وذلك حتى لا تعطي الفرصة لأحد لكي يراجع قرارات مجلس الأمن السابقة التي ضربت بها اسرائيل عرض الحائط، كما استبعدت الشروط الاسرائيلية أي وسيط بين الطرفين حتى ولو كانت الولايات المتحدة الامريكية، فالاسرائيليون كانوا يريدون الانفراد بالخصم العربي المستضعف مباشرة ليحملوا عليه ما يريدون من التنازلات. وهكذا، فحق فرض الشروط المسبقة هو حق خاص بالطرف القوي، ولا يجوز ان يستمتع به الطرف الضعيف. وأكثر ما أثار الاسرائيليين في مقترحات المبادرة السعودية هو ما جاء بشأن القدس وضرورة استرجاعها لأصحاب الحق من المسلمين، وكانت اسرائيل قد فرضت في كافة محادثات الصلح التي أجرتها سابقا مع الاطراف العربية ألاّ يشار الى موضوع القدس من قريب ولا بعيد، وان تخلو منه كل أجندة الاجتماعات، وقد فرضت ذلك الشرط الغليظ حتى لمن تطوع في 1976 بالطيران الى القدس ومخاطبة الكنيست واستهلال مشوار التنازلات، فلم تجامله اسرائيل ولو بمجرد التظاهر بقبول اجراء أي مفاوضات حول ذلك الشرط، وظلت تهدد كل من يتجرأ بالحديث عن التفاوض حول مستقبل القدس. مقترحات خطرة ولأن حديث القدس جاء على رأس الشروط السعودية، فكان لابد ان تتصاعد حملات الهجوم الاعلامي على المملكة العربية السعودية، وان تتسع دائرة التهديدات الابتزازية الصهيونية للسعودية، حيث طرح المنظّرون اليهود من أنفسهم مستشارين ومخططين للسياسات التي يجب ان تتخذها الحكومة الامريكية ضد السعودية على سبيل التأديب. وقد تخطت الحملة كل ما كان معهودا، حيث تجرأت مجلة « The National Review» النافذة في دوائر صناع القرار، وتحدثت في عددها الأخير في مقال مستفيض جعلته موضوع الغلاف، عن ضرورة ان تتخذ الولايات المتحدة سياسة جدية لإحداث شقاق بين الأردن والمملكة العربية السعودية، وتحريض أشراف الأردن على المطالبة بالسيادة على الحجاز وادارة الحرمين الشريفين، ثم تتدخل الولايات المتحدة على إثر ذلك النزاع للتمكين للأردن من اجتياح الحجاز وفرض سيطرته على مكة والمدينة. وفي غش بائس لصناع القرار زعمت المجلة ان خطوة مثل تلك ستحظى بتأييد العالم الاسلامي أجمع، لأن الأشراف ظلوا يديرون الحرمين الشريفين لأكثر من ألف عام الى ان انتزعهما منهما الوهابيون قبل سبعين عاما فقط، وهكذا فالمشروعية هي للاشراف، وهم لحسن الحظ ـ كما تقول الصحيفة ـ أقل تعصباً من الناحية الدينية من الوهابيين! بمثل هذه المقترحات الخطرة أخذ غلاة اللوبي الصهيوني في واشنطن يواجهون مبادرة الأمير عبدالله محاولين تحطيمها ووضع المملكة العربية السعودية في حالة دفاع عن النفس ضد تهمة الارهاب، لا في حالة مبادرة باقتراح مفاوضات احلال السلام. وهكذا فبينما تؤيد نحو أربعين دولة من أعضاء الأمم المتحدة الرؤى التي حملتها مبادرة ولي العهد السعودي، فإن اللوبي الصهيوني في واشنطن يحاول ان يعترض الرأي العام العالمي كله، لا الرأي الأمريكي وحده، ليقطع الطريق على المبادرة السعودية بمثل هذا الضجيج. وقد لوحظ ان الحملة الإعلامية التي طالت المملكة العربية السعودية لعدة أشهر، قد خفّت حدتها قليلا قبل ان تعود للالتهاب عقب طرح المبادرة السعودية بشكل رسمي. الموقف الهلامي ومع ان الحكومة الامريكية تبدو مستاءة من جهود اللوبي الصهيوني الذي يحاول ان يخرّب علاقة امريكا الحساسة بالسعودية، إلا ان الحكومة الامريكية لا تملك في النهاية إلا ان تتأثر على نحو ما بالضغوط الصهيونية على الصعيدين الإعلامي والسياسي، ولذلك فقد جاء موقف الحكومة الامريكية العملي من المبادرة مائعاً جداً، فعلى خلاف الاستجابة السريعة للتساؤلات الغاضبة للأمير السعودي في أغسطس الماضي، فإن متغيرات 11 سبتمبر قد فعلت فعلها في المزاج الأمريكي، ودفعت بالرئيس الامريكي بوش للارتماء أكثر في الاحضان الاسرائيلية باعتبارها الاحضان الآمنة. ولذلك لا تريد الحكومة الامريكية ان تتخذ أي موقف من المبادرة السعودية قبل ان يتخذ الاسرائيليون موقفهم الرسمي، وكتعبير عن هذا الموقف الامريكي المتذبذب تجيء التعبيرات الهلامية المطاطة لوزير الخارجية كولن باول.. فبينما يصف المبادرة السعودية حيناً بأنها مهمة وانها جديرة بالاعتبار، فإنه يصفها أيضاً بأنها شبيهة بمبادرات كثيرة عرضت من قبل وماتت فكأنها شيء لا جديد فيه! إن الادارة الامريكية محرجة لأنها لم تقدم مشروعها الخاص لحل نزاع الشرق الأوسط. ولم تشأ ان تجاري المحاولات السابقة التي قام على ادارتها كلينتون وتوقفت أخيراً في طابا. ومما يؤكد عدم تحمس الادارة الأمريكية حالياً لأي مبادرة سلام في الشرق الأوسط، سواء من تصميمها هي أو من أي مصدر جاءت، ان المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض لم يتردد حتى في الأسبوع قبل الماضي من نقد مبادرات كلينتون السالفة، قائلا انه قد رشق سهامه نحو القمر، وان مبادراته ولدت من العنف، ولم تجلب أي بارقة أمل في السلام. وبرغم ان آري فيشر اضطر للاعتذار عن تصريحه بعد عدة ساعات من اطلاقه له، الا ان الاعتذار جاء مؤكدا للموقف لأنه اعتذر عن تخطيه لأسلوب اللياقة ولم يعتذر عن خطأ بيّن فيما قال وقد دعم اعتذاره المقولة السائدة بأن لأمريكا في حربها الحالية ضد الارهاب وحربها المقبلة ضد العراق ما يشغلها لوقت طويل في اعطاء الانتباه لأية مبادرات سلام في الشرق الأوسط، وان اهتمامها بأي مبادرات سلام حاليا في الشرق الأوسط سيتعارض مع مشروع الحرب المقبلة ضد العراق. وقد جددت ادارة بوش نظرتها المتحيزة لأحداث الصراع الفلسطيني الاسرائيلي المتصاعدة حاليا وكررت ترديد الملاحظات السابقة نفسها التي أثارت غضب الأمير السعودي ودفعت به لتوضيح وجهة نظره للادارة الأمريكية، فبمناسبة العملية الأخيرة التي أطاحت بستة من اليهود المتشددين وجهت ادارة بوش النقد اللاذع للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات طالبة منه ان يعمل كل ما في وسعه «حتى وهو محاصر»! لايقاف عنف الفلسطينيين ضد الاسرائيليين، وذكر المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض في لهجة ملؤها النصح للفلسطينيين قائلا: ان مثل هذه الأعمال الارهابية الاجرامية تضر أولاً وأخيراً بمصالح وآمال الطرف الفلسطيني. وفي محاولة لتطويق المبادرة السعودية دعت بعض أطراف الادارة الامريكية لدمجها مع تقرير ميتشيل الذي صدر في شرم الشيخ في 30 ابريل الماضي ورفع الى الرئيس بوش، ولم يعره في حينه أدنى اهتمام. ولا يحتوي تقرير ميتشيل على مبادرة حقيقية، وإنما على توصيات عامة تدور حول ضرورة ان تقوم كل من الحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية بايقاف العنف واعادة بناء الثقة بين الطرفين (كأن الثقة كانت موجودة من قبل)!! والعودة الى المحادثات لتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، عسى ان تقود الى عقد مفاوضات شاملة بين الطرفين. في هذه العموميات غير ذات المعنى يراد للمبادرة السعودية واضحة الشروط ان تندمج، فحين يصبح تقرير ميتشيل هو الأصل تفقد المبادرة السعودية معناها بالكامل، لأنها قامت أساساً على الشروط، وهي الشروط التي لا تتفق مع استعدادات الطرف الاسرائيلي، ولا تتفق بالتبعية مع استعدادات الطرف الأمريكي اللائذ بحماية اللوبي الصهيوني المستأسد في واشنطن. ان اللوبي الصهيوني في واشنطن المعروف باسم «ايباك» يتعصب لقضايا اسرائيل اكثر من سائر الاسرائيليين، فهو يمثل اقصى اليمين الاسرائيلي، وهو دائماً اقرب الى الليكود من حزب العمل، وهو يضيف الى تنطع الليكود العنجهية المعروفة عند ممارسي السياسة الخارجية الامريكية ولذلك فانه يلقي بثقله على كافة المجالات حتى يلحق الهزيمة بالمبادرة السعودية، ولكن لا شيء يؤدي الى نجاح خطط ايباك، مثل تخلف اداء العرب في واشنطن حيث لا يوجد لوبي مقتدر لأي دولة عربية هناك. ان اشتباك (ايباك) الراهن مع مبادرة الأمير السعودي ينبغي الا يرهب احداً، فلتفرغ الصحافة الصهيونية في امريكا كل ما في جعبتها من الاتهامات بدون ان يتأثر بها احد وليصمد لها السعوديون والعرب جميعاً، بل فليقاوموها بالاستمرار في طرح المبادرات القوية، والاتجاه الى تكوين لوبي سعودي قوي في واشنطن، وقد تستغرق المواجهة وقتاً طويلاً، وجهداً ضخماً، لكن منازلة السعوديين وسائر العرب والمسلمين لا يباك اعلامياً ودبلوماسياً وسيلة مضمونة في الآجل تسحب البساط من تحت اقدام هذا اللوبي المستأسد وحده في الميدان. ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة