الملف السياسي: منذ أن كشف الصحفي توماس فريدمان في ال«نيويورك تايمز» عن الأفكار التي تحدث عنها الامير عبدالله ولي عهد المملكة العربية السعودية فيما يتعلق برؤيته لحل الصراع الصهيوني الفلسطيني العربي، وطرحه لمبدأ الانسحاب الشامل من الاراضي المحتلة الفلسطينية والعربية كافة بما فيها القدسا لمحتلة اي بعبارة أخرى العودة الى خطوط الرابع من يونيو على كافة الجبهات بما فيها الانسحاب الكامل والشامل من الضفة الغربية وغزة والقدس فلسطينياً وهضبة الجولان المحتلة سورياً ومزارع شبعا لبنانياً بثمن الاعتراف والتطبيع الشامل من قبل كل الدول العربية باسرائيل وانهاء حالة العداء والاعتراف بها كدولة من دول المنطقة. وهذه الأفكار اوجدت جدلاً واسعاً في العالم حيث يبدو أن الأمير كان ينوي طرح هذه المبادرة بشكل متكامل على القمة العربية المزمع عقدها نهاية شهر مارس الحالي كما حصل سابقاً عندما طرحت مبادرة الامير فهد في مؤتمر فاس «عندما كان ولياً للعهد» بعد خروج الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير من بيروت بعد حصارها وما لاقته هذه المبادرة من صدى في حينه. ونعتقد أن الذي عجل في الكشف عن هذه الأفكار والتي يبدو انها تتعلق في مبادرة بلورها الامير عبدالله لتأتي قبل انعقاد مؤتمر القمة في محاولة لتشكيل موقف عربي موحد ورؤية واضحة حول كيفية الوصول الى طرح مبادرة جماعية عربية في ظل الصمت العربي والعجز الذي تميز خلال فترة الاشهر الماضية على ضوء التصعيد العدواني غير المسبوق من قبل قوات الاحتلال والجرائم التي تقوم بها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني. فخلال السبعة عشر شهرا الماضية من عمر انتفاضة شعبنا الفلسطيني ومقاومته الباسلة وما يتعرض له من قتل ومذابح واحتلالات وقصف بالطائرات والدبابات والاسلحة الثقيلة وفرض الحصار الشامل عليه وتقطيع اوصال الاراضي واستهداف قيادته من خلال الامعان في سياسة التصفيات ومحاصرة الرئيس ابوعمار في رام الله وممارسة سياسة ارهاب الدولة المنظم كل ذلك يجري في محاولة يائسة لثني شعبنا عن الاستمرار في الانتفاضة والمقاومة وفي محاولة لتركيع شعبنا وقيادته وفرض الاملاءات والشروط عليه وتخفيض سقف توقعاته. الا أن شعبنا الفلسطيني اليوم وأكثر من اي وقت مضى مصمم وعاقد العزم على الاستمرار في الانتفاضة كخيار استراتيجي ووحيد هو الذي تبقى لديه من اجل وصوله الى حريته واستقلاله. وفي ظل فشل حكومة شارون الارهابية في كسر شوكة صمود الشعب الفلسطيني وفشلها في وقف وانهاء الانتفاضة والمقاومة وعدم امكانية فرض الحل العسكري على شعبنا وفشلها في توفير الامن والسلام كما وعدت وعدم امتلاكها لرؤية سياسية تنصف شعبنا وتعطيه حقوقه بل تمتلك سياسة تواصل العدوان والقتل والتنكر لحقوق شعبنا. في هذا الوقت بالذات تأتي المبادرة السعودية في محاولة لقطع الطريق على هذه الحكومة العدوانية من مواصلة عدوانها الشامل على شعبنا الفلسطيني وفي محاولة لبلورة موقف عربي موحد تتبناه القمة العربية باجماع عربي وخاصة ان هذه المبادرة تكتسب اهميتها اولا من ثقل المملكة العربية السعودية وحجمها على مختلف الصعد والمواقف المعروفة للامير عبدالله الداعمة للقضية الفلسطينية تحديداً وقضايا امتنا العربية. ان الحكومة العنصرية واليمينية المتطرفة في اسرائيل بزعامة السفاح شارون لا تملك اية امكانيات للوصول الى سلام حقيقي عادل ينصف شعبنا الفلسطيني. بل الهدف الحقيقي الذي تعمل من خلاله هو السيطرة على الاراضي ومصادرتها وتوسيع وبناء المستوطنات حيث اشرف شارون بنفسه منذ توليه السلطة على عمليات توسيع 24 مستوطنة داخل الاراضي المحتلة. اضافة ان هذه الحكومة تعمل وبشكل دؤوب من اجل عرقلة الوصول الى أية تفاهمات او تهدئة وخاصة انها هي التي عرقلت تنفيذ تقرير ميتشيل وخطة تينيت الذي يرى فيه المجتمع الدولي الطريق الوحيد للعودة الى طاولة المفاوضات حينما فرض شارون شرط الهدوء التام لمدة اسبوع قبل الحديث والعودة الى المفاوضات كشرط يدرك مدى استحالة تطبيقه ولافشال اية جهود من اجل ذلك. والموقف الامريكي المنحاز اصلاً والداعم لهذه الحكومة والمشجع لاستمرار عدوانها على الشعب الفلسطيني والذي وصل الى حد التطابق في المواقف بل وتبني المواقف الاسرائيلية وفي ظل فشل الوصول الى مبادرة اوروبية متفق عليها من الجميع بعد التطور الذي حصل على الموقف الاوروبي مؤخراً ازاء ما يتعلق بالوضع الفلسطيني. في الحقيقة جاءت الانتفاضة اواخر شهر سبتمبر 2000 نتيجة الاحتقان السياسي وعبثية المفاوضات التي دارت لمدة حوالي سبع سنوات دون نتائج نتيجة للتعنت والتنكر الاسرائيلي لحقوق شعبنا وفي مفاوضات كامب ديفيد الثانية وطابا رفضت القيادة القبول بما سمي في حينها مبادرة كلينتون كونها قفزت عن موضوع حل قضية اللاجئين وقضية القدس كعاصمة مستقلة لفلسطين. وحال انطلاق الانتفاضة في حينها تحددت اهداف واضحة جرى التمسك بها وعدم المساس بها وشكلت خطوطاً حمراء او ثوابت وطنية لشعبنا والتي تتمثل ب: 1ـ انهاء الاحتلال والاستيطان من اراضينا المحتلة كافة. 2ـ ضمان حق عودة اللاجئين الى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها. 3ـ تجسيد وبناء الدولة المستقلة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس. هذه الثوابت التي شكلت الاطار العام للحقوق الفلسطينية التي جرى تثبيتها في اجتماعات المجلس المركزي الاخيرة في شهر فبراير 2000 وشهر يوليو 2000. لذلك نعتقد ان شعبنا الفلسطيني سيرفض التعاطي مع اية حلول تشكل مساساً بثوابته الوطنية او التخلي عنها ونحن في جبهة التحرير الفلسطينية نرى ضرورة ان تتضمن اية مبادرات او افكار تطرح الان يجب ان تتضمن وتحرص على انصاف حقوق شعبنا وان ترتقي الى مستوى ما قدمه شعبنا من تضحيات وخاصة ان شعبنا يخوض الان معركة مصيرية وحاسمة تتعلق باستقلاله الوطني ونيل حقوقه بما فيها حقه بالتحرير والعودة والدولة. فنحن نعتقد ان حكومة العدوان فشلت حتى الان وستفشل ايضا في كسر صمود شعبنا او فرض الاستسلام عليه ومن هنا فإن شعبنا الفلسطيني مصمم وعاقد العزم على الاستمرار حتى الوصول الى اهدافه. اضافة لذلك نعتقد نحن في جبهة التحرير الفلسطينية ان خيارنا هو الاستمرار في الانتفاضة المقاومة كحق مشروع كفلته قوانين الشرعية الدولية مفرقين بين حق شعبنا في المقاومة ومحاولة وصم نضالنا بما يسمى بالارهاب. ولاشك ان موازين القوى غير متكافئة لكننا معتمدون على قدرة وصمود شعبنا وفشل حكومة العدوان في فرض املاءاتها مدركين اهمية وقوف العالم اجمع امام العدوان الهمجي الشاروني معتمدين على عمقنا العربي ايضاً الذي لن يقف ساكناً الى الابد. اما فيما يتعلق بالموقف الرسمي الفلسطيني الذي يحتاج اليوم اكثر من اي وقت مضى الى موقف عربي جاد لدعم ومساندة قضية شعبنا وضرورة ايجاد استراتيجية عربية شاملة فيما يتعلق بالموقف العربي ازاء الصراع ليشكل ثقلاً ووزناً من اجل الضغط على حكومة شارون لوقف عدوانها والضغط على امريكا التي شكلت انحيازاً سافراً الى الموقف الاسرائيلي بل تبنت الى حد تطابق الموقف الداعم للعدوان وهي التي تشجع استمرار العدوان باعطائها الضوء الاخضر لهذه الجرائم. فالموقف الرسمي الفلسطيني يرحب بأية مبادرة عربية تشكل تضامناً عربياً جدياً ضاغطاً لوقف العدوان وتوفير مقومات صمود شعبنا ومساندته في هذه المعركة الخالدة التي يخوضها دفاعاً من الامتين العربية والاسلامية ودفاعاً عن الاقصى والمقدسات الاسلامية والمسيحية. من هذا المنطلق نرحب بالمباديء السعودية على أمل استكمال عناصرها وآلية تطبيقها والسقف الزمني لتفعيلها رغم ان شارون اعلن رسمياً عن رفضه لهذه المبادرة او الافكار خوفاً من ان تشكل موقفاً عربياً ودولياً ضاغطاً من اجل سحب جيش الاحتلال وتطبيق حل قضية اللاجئين والقدس كاستحقاقات يجب ان يتعامل معها لاحقاً. وفيما يتعلق بإمكانية تبني القمة العربية المقبلة للمبادرة فليس خافياً الضغوطات التي تعرضت لها القمة على أمل تأجيل موعدها او تغيير مكانها من قبل الامريكيين في ظل الوضع المتأزم وحصار الرئيس الذي لابد من حضوره القمة. الا أن القمة ستعقد في نهاية شهر مارس الحالي ليكون الوضع الفلسطيني على رأس جدول الاعمال واولوياته. لذلك نرى ان القمة يجب ان تتخذ جملة من القرارات الواضحة التي ترتقي الى مستوى تحديات شعبنا وتدعم صموده وتنهي معاناته رغم الانقسام العربي الواقع الان. وفي مقدمة القرارات التي نعتقد يجب ان تشكل اجماعاً هو الضغط على حكومة العدوان لتوقف عدوانها وضرورة محاصرتها وعدم التعاطي معها من اجل اسقاطها والضغط على الولايات المتحدة وتهديد مصالحها في المنطقة من اجل الرجوع عن دعم هذه الحكومة العنصرية. لذلك لابد من مبادرة عربية متكاملة تصدر من هذه القمة وتشكل اجماعاً عربياً او شبه اجماع لتشكل حجر الرحى في الوصول الى حل قادم على قاعدة تكامل عناصر المبادرة واعتمادها على قرارات الشرعية الدولية وقي مقدمة ذلك حق عودة اللاجئين حسب قرار 194 وانسحاب الاحتلال وانهاء الاستيطان والدولة المستقلة والقدس كعاصمة. وفي ظل الموقف الامريكي المنحاز كلياً لحكومة الاحتلال والضغوط التي تمارس على الفلسطينيين ومحاولة وصم النضال الفلسطيني بالارهاب وتبرير حصار الرئيس ابوعمار في رام الله وتبرير الجرائم والمجازر بأنها دفاع مشروع عن النفس يأتي الموقف الاوروبي متطوراً بعض الشيء بعد فترة من التراجع والنكوص خلال الاشهر الماضية فيأتي في سياق ذلك الرد الامريكي غير مشجع على مبادرة عربية لها آليات ضغط على حكومة الاحتلال والمطالبة بوقف العنف وتطبيق ميتشيل وتينيت اولا هو الاسطوانة التي تدور الان لذلك تفعيل مبادرة متكاملة لها آليات تنفيذ تحتاج الى موقف عربي جماعي موحد وخاصة ايضا ان حكومة شارون لم تبد ترحيباً بالافكار السعودية الا بقدر ما تراه مفيداً لها على صعيد استخدام بعض الافكار وتجييرها في البند المتعلق بالتطبيع في محاولة لطرح لقاء او زيارة متبادلة لبحث بنود المبادرة. فتم الاعلان عن افكار بتوجيه دعوة لزيارة اسرائيل او ارسال موفدين للتباحث حول المباديء وذلك للتهرب من الموافقة المباشرة وما يليها من ضرورة دفع استحقاقات سياسية على هذه الارضية. لذلك لا تملك حكومة شارون اي حل سياسي يمكن ان ينصف شعبنا بل هي تملك برنامج الحرب والقتل. وليس امام شعبنا امام هذا التعنت والتنكر الا الاستمرار في الانتفاضة والمقاومة والذي ثبت نجاعة هذا الخيار والذي افشل كل مشاريع شارون في تحقيق الاجهاز وانهاء الانتفاضة كما وعد وفي جلب الامن والسلام للاسرائيليين وفشل في فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني الذي يؤكد استمراره في الصمود والتحدي والمقاومة حتى النصر. ـ عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير