الملف السياسي: لا أعتقد أن المبادرة السعودية لإحلال السلام في الشرق الأوسط سوف تحدث تحولا استراتيجيا في السياسة الإسرائيلية في إتجاه العودة إلى طريق السلام بقدر ما قد تحدث تحركات إسرائيلية، تكتيكية لكسب الوقت وتمييع القضايا ما لم يقل الشعب الإسرائيلي كلمته في سياسات حكومته وذلك لأن حكومة إرييل شارون اليمينية المتطرفة حددت من قبل توجهاتها الحقيقية الرامية إلى تصفية الشعب الفلسطيني وهي توجهات رافضة في الأصل لمبدأ السلام . ومن هنا عندما تأتي مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي وتضع الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة إلى حدود العام 1967 في كفة والاعتراف والتطبيع بين العرب وإسرائيل في كفة أخرى فإنها في الواقع تمثل اختبارا حقيقيا للشعب الإسرائيلي وليس لشارون وعصابته فيما يتعلق بتحقيق السلام العادل والشامل وإنهاء حالة الاحتقان الحالية في منطقة الشرق الأوسط وأرى أن هذا التطور يفرض عددا من النقاط التي يجب أن نضعها على بساط البحث بمنتهى الشفافية ويمكن تلخيصها في نقاط خمس نعرض لها فيما يلي : أولا : هل تسقط المبادرة شارون ؟! من الأهمية بمكان أن يدرك الشعب الإسرائيلي بكل قواه السياسية الحزبية والقومية أن إرييل شارون قد فشل في تحقيق وعوده الأمنية التي لم تكن سوى وعود إنتخابية وتعبير عن حالة مرضية من الغرور . وللأسف نتيجة عقدة ( فقدان الأمن ) المترسبة في أعماق الإسرائيليين انساقوا وراء هذه الوعود الكاذبة ونسوا أو تناسوا أن الأمن ليس سوى نتيجة منطقية مترتبة على إقرار السلام العادل والشامل في المنطقة وأنه لا بديل عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف والإنسحاب من الجولان السوري المحتل وبقية أراضي لبنان ( مزارع شبعا ) ومناقشة حل واقعي لمسألة اللاجئين الفلسطينيين ووقف سياسات الاستيطان والتهديد .. نقول لا بديل عن ذلك حتى يشعر الإسرائيليون بالأمن والأمان اللذين أخفقت سياسات شارون الخرقاء في ضمانهما للمواطن الإسرائيلي! في ضوء ما تقدم تلقي المبادرة السعودية الكرة في الملعب الإسرائيلي وعلى الجانب العربي أن ينتظر - بحذر - ردة الفعل الإسرائيلية : هل ستكون متجاوبة مع الطرح السلمي الجديد ؟ أم ستماطل إسرائيل كالعادة وتحاول الإلتفاف حول المبادرة وتحويلها إلى طرق فرعية تستغرقها التفصيلات خاصة أن ما تراه إسرائيل حتى الآن هو أن المبادرة ليست سوى تطبيع للعلاقات بين العرب والإسرائيليين ويؤكد ذلك رد الفعل الإسرائيلي الأولي على المبادرة وهو الدعوة إلى الزيارات المتبادلة بين السعوديين والإسرائيليين ! خلاصة القول ان المبادرة على النحو الذي طرحت من خلاله موجهة بالأساس في تقديري للشارع الإسرائيلي المغيب عن الوعي ليقول كلمته الأخيرة : ( إما مع السلام أو ضده ) ؟! إذا كان مع السلام فلابد أن تعلن القوى السياسية في إسرائيل ممثلة في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني رأيها بصراحة وتفيق من غيبوبتها !! وهنا لابد من إسقاط الشارع الإسرائيلي لحكومة شارون واستبدالها بحكومة جديدة قادرة على التعاطي بجدية وموضوعية مع المبادرة الجديدة! ثانيا : العدوان على الشعب الفلسطيني يفقد المبادرة معناها!! إن التصعيد الإسرائيلي للعدوان على الشعب الفلسطيني وإحكام الحصار على مدنه وقراه والتوغل بآلياته الحربية إلى مخيماته الآمنة رد إسرائيلي غير مباشر على المبادرة السلمية التي تعلق الشعب الفلسطيني بها ربما لأنه وجد فيها سبيل الخلاص لإنقاذه من البطش والعدوان الإسرائيلي. ومن الواضح أن الفلسطينيين يريدون العودة إلى طاولة المفاوضات من منطلق تمسكهم بمرجعيات السلام التي أقرت قبل أكثر من عشر سنوات في مدريد وأوسلو حتى جاء شارون وضرب بها عرض الحائط ! بعبارة أخرى .. إن سياسة شارون ( اللاسلمية ) من الناحية الواقعية تمثل عائقا أمام إمكانية تفعيل مبادرة السلام السعودية مما يعني أن العودة إلى طريق السلام يجب أن يقابل بإعلان جدي إسرائيلي لقبول المبادرة بكاملها دون قيد أو شرط ! ومرة أخرى لا أتوقع صدور هذا الاعلان في ظل حكومة شارون ومع إستمرار العدوان الصهيوني اليومي على الشعب الفلسطيني الأعزل! ولكن في حالة صدوره - وعمليا هذا مستبعد في الوقت الراهن - يمثل تناقضا صارخا في السياسة الإسرائيلية لأنه لا سلام أو تفاوض مع سياسة العدوان الشارونية مما يعني أن وقف العدوان وفك الحصار خطوات مهمة قبل إعلان إسرائيل قبول المبادرة أو على الأقل تزامن هذه الخطوات مع قبول العودة إلى مائدة التفاوض !! ثالثا : المبادرة مناورة عربية أم خطوة ذكية لتعرية شارون ؟ يرى بعض المحللين الغربيين أن المبادرة السعودية في هذا التوقيت بالذات ليست سوى مناورة عربية لفعل شيء ما يجبر شارون على وقف عدوانه على الشعب الفلسطيني في حين يرى البعض الآخر أنها خطوة ذكية لتعرية وفضح شارون أمام العالم ـ الغارق في صمته ـ والذي كاد ألا يفرق بين ( الظالم والمظلوم ) و( المعتدي والمعتدى عليه ) خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وسقوط ما يسمى بالراعي الرئيسي لعملية السلام في الشرق الأوسط ( الولايات المتحدة الأمريكية ) في مستنقع الإرهاب وبات يشكل ( عقدة نفسية ) لصانع ومتخذ القرار الأمريكي حيث أضحى يكيف سياساته ومواقفه وفقا لرؤية ذاتية وتصور أحادي الجانب لظاهرة الإرهاب دون أن يأخذ في الاعتبار آراء أي أطراف أخرى بشأن هذه الظاهرة !! ورغم وجاهة هذا الطرح إلا أن المبادرة السعودية في حد ذاتها موقف إيجابي يحرك ركود الموقف العربي ويخرجه من حالة العجز السابقة التي لازمته منذ فترة وجعلت الأمة العربية كيانا لا حول له ولا قوة أمام الصلف والعدوان الإسرائيلي تحت مرآى ومسمع الرأي العام الدولي !! ولاشك أن مبادرة السلام السعودية تعد متغيرا إيجابيا أتوقع أن يعطي لقمة بيروت العربية زخما يجعلها قمة (عادية) تناقش (أجندة) إذا جاز التعبير (غير عادية) ! وهنا يصبح الخروج من القمة بموقف عربي موحد فيما يتعلق بالمبادرة ضرورة لانجاحها وتجنبا لأي إنشقاق عربي على غرار ما حدث عقب مبادرة الرئيس السادات قبل نحو أربعة وعشرين عاما ! ونحذر من أن أي إنشقاق هو في النهاية لصالح إسرائيل سوف تنتظره وترتب له وتبني عليه مواقفها اللاحقة ! رابعا : تفعيل المبادرة رهن بالعودة إلى أوضاع ما قبل 28 سبتمبر 2000! وإذا سلمنا جدلا بأن إسرائيل قد تقبل المبادرة السعودية التي يجب أن تصبح مبادرة عربية وليست سعودية فقط حتى تحقق أهدافها ! ففي حالة قبولها من حكومة شارون الحالية ـ وأشك في ذلك ـ تحت زعم ما يقولونه أن إسرائيل سوف تقدم (تنازلات مؤلمة) من أجل السلام وربما ذلك في تقديري تحت ضغط دولي من هذا أو ذاك يجب أن يعي الموقف العربي ومن خلال خبرة التعامل مع إسرائيل أن حكام تل أبيب يحاولون دائما الاستفادة من أي مبادرة بإستغلال عامل الوقت لصالحهم بالدخول بالأطراف المعنية إلى متاهات سياسية تبعدهم عن أي تسوية حقيقية ترسى قواعد الحق والسلام وترفع الظلم والعدوان وعليه فإن بقاء الأوضاع بالأراضي المحتلة على ما هي عليه الآن يبعد المبادرة عن أهدافها . بعبارة أخرى إن العودة إلى مائدة التفاوض بين العرب والإسرائيليين رهن بعودة الأوضاع في فلسطين والمنطقة إلى ما قبل 28 سبتمبر عام 2000. والسؤال : هل يقبل شارون ذلك ؟! خامسا : المبادرة واستثمار المناخ الدولي لا خلاف على أنه يجب أن تستفيد المبادرة من المناخ السياسي الدولي الحالي رغم تداعيات أحداث سبتمبر (2001) ان أهم ما يميز هذا المناخ هو ما يمكن تسميته بتصدع التحالف الأمريكي الأوروبي النسبي وخلق دور أوروبي مختلف عن التوجهات الأمريكية وما يعنينا هنا هو تفعيل الدور الأوروبي في إتجاه الوقوف إلى جانب الحقوق العربية المشروعة لإحياء العدالة الدولية الغائبة ومن هنا جاء التأييد الأوروبي للمبادرة خطوة إيجابية يجب إستثمارها في وقتها ومكانها ! وما يعنينا أيضا في هذا المقام هو تنشيط دور الدبلوماسية العربية من خلال جامعة الدول العربية خاصة بعد قمة بيروت المرتقبة حيث يصبح من الضروري كسب الولايات المتحدة إلى صف المبادرة عن طريق الربط بين الطرح العربي وتقرير ميتشيل وخطة تينيت لأن الإدارة الأمريكية ترى فيهما إنجازا ـ من وجهة نظرها ـ يمثل أساسا عمليا لعودة عملية السلام إلى طريقها الطبيعي. وأعتقد أن كسب أوروبا وأمريكا عند طرح المبادرة بشكل تفصيلي سيوفر جانبا يضغط على إسرائيل لقبول العودة إلى مسار السلام وأن هذا المتغير سيوجه ضربة قاضية لسياسة شارون العدوانية عاجلا أو آجلا على الأكثر خلال العام والنصف عام المقبلة حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. نافلة القول أن عودة المفاوضين إلى مائدة التفاوض لابد أن تأتي بعد تحقيق أمرين في غاية الأهمية : ـ الأمر الأول .. وقف العدوان على الشعب الفلسطيني ـ الأمر الآخر .. توحيد فريق التفاوض العربي وتجنب الوقوع في شرك المسارات الفرعية. ودون هذين الأمرين سيكون المستفيد الوحيد من مبادرة السلام الجديدة إسرائيل فقط التي لا تقدم جديدا بل ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من (العنف والعنف المضاد) وهو وضع أبعد ما يكون عن السلام لكل شعوب المنطقة من عرب وإسرائيليين على حد سواء ! على أي حال هل ننتظر ما سيقوله الشارع الإسرائيلي ويحدد موقفه من السلام إذا أراد أمنا حقيقيا؟! ـ كاتب مصري