الملف السياسي: عندما نتابع ردود الفعل العربية والدولية تجاه مبادرة «الأمير عبد الله» الأخيرة نتأكد بأنها كمبادرة سياسية حققت بالفعل أهدافها الآنية. ولكننا عندما نحاول استشراف آفاقها المستقبلية تبدو لنا قوتها مرتبطة ببدائلها المستقبلية. أي كيف ستتعاطى مع الرفض أو المناورة الإسرائيلية؟ كيف ستتعامل مع التحفظ أو التردد أو الاعتراض العربي في حالة حدوثه؟ كيف ستدير العلاقة مع الانتفاضة والسلطة الفلسطينية في ظل الاحتمالات المتوقعة؟ والأهم من ذلك هل في بدائل المبادرة المستقبلية مشروع قبول بالحل الانفرادي في حالة فشل العرب في الخروج باتفاق حولها؟ وما مبرر ذلك؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى، هي التي تسمح لنا وحدها بمعرفة وزن المبادرة ومدى نضجها ومدى قدرتها في التأثير على تغيير موازين القوى في المنطقة بل وفي العالم أجمع؟ من غير شك أن مبادرة الأمير عبد الله حققت نتائج مباشرة ملموسة لعل أولها هي أنها جاءت لتقول للعالم في ظل موجة دعائية كبيرة ضد العرب والمسلمين بعد الـ 11 من سبتمبر: ان العرب والمسلمين ليسوا دعاة حرب إنما دعاة سلم، وانه إذا كان هناك شك بأن المسلمين أو العرب يرفضون السلام في العالم أو يدعمون الإرهاب كما تزعم الدعاية الإسرائيلية، فها هم من مركز الأمة الإسلامية ومن أحد أبرز قادتها يعلنون للعالم أجمع بأنهم مستعدون للسلام مع إسرائيل مقابل أن تعيد لهم الأراضي التي احتلتها بعد 4 يونيو 67 تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية وليس أكثر من ذلك. ـ أما ثاني نتيجة وهي مرتبطة بالأولى فمفادها أنه إذا ما كانت الدعاية الإسرائيلية تقول بأن الفلسطينيين هم «إرهابيون» رمزهم «أسامة بن لادن» و«ياسر عرفات» الذي لا يختلف عنه على حد تعبير «شارون»، فإن المبادرة جاءت لتقول أن السعوديين هم دعاة سلام، وأن رمز السعوديين ليس ابن لادن إنما قيادة شرعية بإمكانها أن تعلن من غير لبس أنها ستسعى إلى تحقيق إجماع عربي حول مبادرتها السلمية، وانه إذا ما كان هناك من يهتم بمصير الشعب الفلسطيني الذي يدفع الثمن يوميا بالدماء والدموع والشهادة، وبقيادته المحاصرة، فليست تلك الرموز التي يسعى الإعلام الإسرائيلي إلى إبرازها للعالم بأنها دموية ومتطرفة إنما هم قادة عرب معتدلون وملتزمون بالشرعية الدولية وساعون إلى إحلال السلام لا إلى الإعلان عن الحرب. ـ أما ثالث نتيجة فهي إخراج الموقف السعودي من حالة الدفاع بعد الـ 11 من سبتمبر إلى حالة الهجوم تجاه الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لم يتوقفا باسم الحرب المعلنة ضد الإرهاب على اتهام المملكة والكثير من البلدان العربية والإسلامية بأنها لا تملك موقفا واضحا من الإرهاب الدولي إلى درجة التشكيك أحيانا في صدق توجهاتها السلمية، فجاءت المبادرة لتلغي كل هذا العمل الذي استمر ضاغطا على السياسة الخارجية السعودية وعلى الدبلوماسية العربية والإسلامية بشكل عام، وتعلن في ذات الوقت للرأي العام العالمي حقيقة الموقف السعودي والعربي والإسلامي بدليل ردود الفعل الإيجابية والمرحبة بها من مختلف قيادات العالم في وقت مازالت إسرائيل تكثف من عملياتها العسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين العزل وتسعى لتقديم نفسها في صورة المدافع عن النفس والمظلوم. أما رابع نتيجة فتتعلق بالوضع الإقليمي في المنطقة بشكل عام حيث أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تتحينان الفرصة لضرب العراق وربما إيران ليس لكونهما محور الشر ـ كما تصفهما الولايات المتحدة ـ إنما لإدخال المنطقة في جو من الحرب تسمح لها بتعزيز وجودها العسكري بعد أن وصلتها إشارات بأنه لم يعد مرغوب فيها، ومن ثم إيجاد مبرر قوي للاستمرار في مراقبة منابع النفط عن كثب ومن خلاله مراقبة جانب مهم من الاقتصاد العالمي، فجاءت المبادرة لتعلن عكس ذلك تماما فأكبر دولة في المنطقة تسعى إلى إدخالها في مرحلة سلم وليس في مرحلة حرب، وأنه على الذين يسعون إلى عسكرة العالم أن يغيروا من استراتيجيتهم. وهذا التوجه لا يخدم بأي حال المؤسسة العسكرية الأمريكية ولا الاستراتيجية الحالية أو المستقبلية للولايات المتحدة القائمة على الزيادة في حجم النفقات العسكرية في الـ 15 سنة المقبلة، كما لا يخدم إسرائيل التي تربطها مع المؤسسة العسكرية الأمريكية اتفاقات طويلة الأجل في ميدان الصناعات العسكرية المتقدمة التي تحتاج إلى أجواء الحرب والصراع لكي تنمو لا لأجواء السلم. هذه النتائج من بين عشرات أخرى تتراوح بين التأثير في الرأي العام الإسرائيلي الداخلي والرأي العام العربي الداخلي كلها تخدم هدفا يبدو أنه في صالح الدبلوماسية السعودية لحد الآن وهو تغيير موقع المملكة والبلدان العربية من وضع توصف فيه بالداعية إلى الحلول العنيفة المؤيدة بطريقة غير مباشرة لما تصفه الولايات المتحدة بمعسكر الشر إلى وضع يجعلها توصف بالداعية إلى الحلول السلمية المؤيدة لمعسكر السلام في العالم، وفي الوقت ذاته إبراز الصورة الحقيقية للإسرائيليين والأمريكيين باعتبارهم دعاة حرب وعنف وممارسين له في حق شعوب تقبل بالتنازل عن الكثير من حقوقها وهو أكثر من نصف فلسطين من أجل إنهاء حالة عداء بين بلدان المنطقة كلفتها الكثير ومنعتها من الالتفات إلى تطوير واقعها الاقتصادي والاجتماعي بما يتناسب وقدراتها البشرية والمالية. فهل تكفي ـ هذه النتائج ـ وحدها للحكم على المبادرة؟ نتائج المستقبل أساس الحكم بكل تأكيد إن النتائج الآنية هذه، رغم أهميتها، لن تكون في مستوى النتائج الاستراتيجية للمبادرة التي يبدو أن الإسرائيليين والأمريكيين هم الآن بصدد الإعداد لمنع تحققها أو على الأقل تمييعها بحيث تصبح مع مر الأيام مجرد كلام. ولذلك بادرنا إلى القول أن المبادرة تحكمها بالأساس نتائج المستقبل أكثر من نتائج الحاضر. فهل ستستطيع التعامل مع احتمالات المستقبل الأساسية وبالدرجة الأولى تلك التي ستخطط لها الإدارة الإسرائيلية والأمريكية وما هي أهم هذه الاحتمالات؟ يبدو أن أول مناورة ستواجه المبادرة هي لجوء الإسرائيليين إلى محاولة نزع الطابع العربي والإسلامي عنها لتبقى مبادرة سعودية ـ إسرائيلية على نمط المبادرة المصرية الإسرائيلية أو الأردنية الإسرائيلية، ولذلك نجد أن أول رد فعل رسمي إسرائيلي كان من موشيه كتساف رئيس الدولة العبرية الذي دعا الأمير لزيارة القدس واستعداده للقيام بزيارة الرياض، في السيناريو نفسه الذي أعدته إسرائيل للسادات عندما أعلن أنه مستعد لزيارتها من أجل السلام. ولعل ردود الفعل السعودية هي الآن مدركة لهذا البعد، إذ لم نلاحظ مسايرة وسائل الإعلام لهذا التطلع الإسرائيلي، ولم يبد في تحليل الخطاب السياسي السعودي ما يشير إلى ان فيه عدم إدراك لخطورة هذا التوجه، أو أن فيه نية للسير فيه. ومن ثم فإنه إذا ما استمر الموقف على هذا النحو فإن المبادرة تكون قد انطلقت وأحد الأبواب الكبيرة التي يمكن أن تنفذ منها المناورة الإسرائيلية قد أغلق. ـ و إذا ما تم غلق هذا الباب وأحست إسرائيل بأن فيه نضجا عربيا في مستوى التكتيك الإعلامي والسياسي مختلف عما حدث بعد إعلان الرئيس السادات زيارة القدس من غير العرب، فإن الباب الثاني الذي ستنفذ منه الإستراتيجية الإسرائيلية هو باب الخلافات العربية ـ عربية والمزايدات بين بعض الانظمة العربية عندما يتعلق الأمر بالقدس وفلسطين. ولذلك فإنه أصبح لزاما اليوم على القيادات أن تتجاوز مرحلة التعامل العاطفي مع المبادرة، أو حالة التشكيك في النوايا التي عادة ما تلغم القمم العربية، أو حالة المزايدة بالدفاع عن الفلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم. بل أصبح من واجبها أن تتوحد ضمن استراتيجية مشتركة بالاتفاق مع القادة الفلسطينيين، ومن غير إثارة مسألة الأقطاب. وإذا ما افترضنا أن القيادات العربية وصلت ذاتها إلى عدم الاتفاق، ولم تتمكن القمة من صوغ مشروع يصادق عليه القادة العرب ـ وهذا في أسوأ الاحتمالات ـ فهل تستطيع المبادرة أن تصمد؟ هل لدى المبادرة بديل لمواجهة هذه الحالة غير التصرف الانفرادي الذي يوقع العرب في منطق الحل الإسرائيلي؟ تفكير استراتيجي عربي جديد يبدو أنه من الصعب التكهن مسبقا بما يمكن أن تقوم به القيادة السعودية، ولكن يمكننا القول أن غلق الأبواب من الآن أمام مثل هذه الحلول والتأكيد، و هو الأهم، على استمرار الدعم غير المشروط للانتفاضة والسلطة الفلسطينية، واعتبار ذلك من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بإمكانه أن يعطي للمبادرة لون العمل السياسي الاستراتيجي الخالي من الحسابات المحلية الضيقة المتعلقة بأهداف السياسة الخارجية السعودية الخاصة وليس بأهداف السياسة الخارجية العربية والإسلامية الجماعية التي ينبغي أن تعود من جديد إلى الواجهة سواء بقيادة سعودية أو غير سعودية. كما أن بلورة موقف عربي موحد من الولايات المتحدة وإسرائيل في حالة رفض المبادرة والحل السلمي المطروح حاليا من قبل إسرائيل خاصة من شأنه أن يحرر العمل العربي من الضغوط الدولية التي عادة ما كانت تكبله، وبإمكان القيادات العربية في هذه الحالة أن تتصرف من غير أن تٌتهم هذه المرة ـ بدعم الإرهاب ـوفقا لقدراتها وبالوسائل التي تراها مناسبة لاستعادة الحق العربي. ومعنى ذلك أن هذا الطرح العربي الجديد القائم على الدعوة السلمية بإمكانه أن يصبح أكثر ضغطا من الطرح الداعي إلى استعادة الحقوق بجميع الوسائل التي أقرتها المواثيق الدولية لصالح الشعوب المكافحة من أجل استقلالها، ذلك أن اللجوء إلى السلم لا يغلق أبواب العودة إلى الحرب في حين أن اللجوء إلى الحرب يغلق أبواب السلم ولو مؤقتا، ويغلقها لأطول فترة إذا ما كان أحد أطرافها ـ كما هو شأن إسرائيل ـ وُجد أصلا بالحرب وبقاؤه ومستقبله مرهون بها، وهو يحبذ ذلك. كما أن اللجوء إلى مثل هذه المبادرات السلمية من شأنه أن يعطل بطريقة غير مباشرة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في العالم باعتبار الشرق الأوسط أكثر المناطق استهلاكا للسلاح الأمريكي. وفي الحالتين فإن نتائج هذا التوجه السلمي العربي ستؤثر على الوضع الداخلي لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وإذا ما تمكنت القيادات العربية من إدارته بحكمة، بشرط عدم التفريط في دعم الانتفاضة والقيادة الفلسطينية بطريقة أو بأخرى، وإذا ما تمكنت من احتواء بعض المواقف العربية التي ستحاول الخروج عن الإجماع، وتكامل ذلك مع موقف المعارضة الإسلامية المتفهم لروح المبادرة من غيركشف جميع الأوراق، فإننا نستطيع أن نقول بأن الفكر الاستراتيجي العربي سيدخل مرحلة جديدة من تفكيره، وسيبدل لأول مرة من أساليب تعاطيه مع إسرائيل والولايات المتحدة بما يتناسب وخصائص النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين، وما يدل من العرب قد استفادوا بالفعل من دروس الماضي. ـ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية جامعة الجزائر