الملف السياسي:اثارت مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز والتي تدعو الى انسحاب كامل لاسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة طبقا لقرارات الأمم المتحدة بما في ذلك القدس مقابل قيام علاقات عربية طبيعية معها العديد من ردود الأفعال خلال الأيام القليلة الماضية، سواء على المستوى العربي أو الدولي، فهناك من وجد فيها فرصة طيبة لتحريك المياه الراكدة في المنطقة واعادة احياء عملية التفاوض للوصول الى حل نهائي للصراع العربي الاسرائيلي، في حين وجد فيها آخرون أنها لا تخدم القضايا العربية وأنها تمثل طوق نجاة لانقاذ اسرائيل من مأزقها الحالي الذي أوجدته الانتفاضة وخاصة في ظل العمليات الاستشهادية الناجحة التي تتم كل يوم ضد الاسرائيليين. ولكن كل هذا اصطدم مع عدم التجاوب الاسرائيلي مع المبادرة. «الملف» التقى د. قدري سعيد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ود. جمال الدين مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية لالقاء الضوء على امكانية أن تؤدي المبادرة بواشنطن الى الضغط على الاسرائيليين لكي يعودوا الى طاولة المفاوضات، وموقف القمة العربية القادمة منها وهل ستتبناها أم ستكون مجرد موضوع على جدول الأعمال، فضلا عن امكانية قيامها بتهيئة الظروف الجديدة التي تسمح باشراك أطراف أخرى مهتمة بتحقيق السلام في الشرق الأوسط كالاتحاد الأوروبي للقيام بدور فاعل في هذا الاطار. بداية يرى د. قدري سعيد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن المبادرة السعودية تعد شيئا ايجابيا لأنها توحي بأن هناك تحركات عربية يقوم بها مسئولون عرب من خلال مثل هذه المبادرات وبحيث لا يصبح الأمر كله مجرد مبادرات خارجية مثل مبادرة ميتشيل وتينت وغيرهما، ومن هنا فالمبادرة السعودية فضلا عن كونها شئا ايجابيا فهي في الوقت نفسه جعلت الكرة في الملعب الاسرائيلي كما أنها ستدفع بالقادة العرب للتركيز خلال مؤتمر القمة القادم من أجل الخروج برسالة أو موقف عربي قوي، ويتوقع أن يتبنى مؤتمر القمة هذه المبادرة وأن يصدر عنه قرارات تعيد صياغة الصراع الاسرائيلي بما يعطي رؤية جديدة للمستقبل بمعنى قبول اسرائيل في المنطقة مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة وفي توقيت زمني محدد وهذا هو الشئ الجديد في هذه المبادرة، حيث أنها لم تأت بجديد فيما يتعلق بمبدأ الأرض مقابل السلام ولكن الجديد فيها هو التحديد الزمني بمعنى أنه بمجرد الانسحاب الاسرائيلي حتى لو كان بعد شهر واحد من الآن فسوف تسارع الدول العربية بالتطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني. وحول رأيه في امكانية أن تؤدي هذه المبادرة الى تشجيع الأمريكان على القيام بدورهم في دفع عملية التسوية الى الأمام يقول د. قدري سعيد: هذه المبادرة إما أنها ستشجع الأمريكان على العودة لاستئناف دورهم كراعين أساسيين لعملية السلام أو أنها ستضعهم في وضع لا يحسدون عليه اذا هم لم يتجاوبوا معها أو رفضوها، وعموما فالواضح حتى الآن أن الطرفين الاسرائيلي والأمريكي يشعران أنهما في مأزق حقيقي ولم يصدر عنهما حتى الآن موقف رسمي بخصوص المبادرة وهذا المأزق يتمثل في أنهما يشعران أنهما اذا وافقا على المبادرة ودخلا في مفاوضات سياسية مع العرب فسوف تفقد اسرائيل الأرض مقابل التطبيع والسلام وهذا هو مأزق اسرائيل التي لا يهمها سوى الأرض، أيضا الولايات المتحدة وفي ظل وجود حكومة السفاح شارون اليمينية هي الأخرى في مأزق حقيقي لأنه مطلوب منها الوقوف الى جواره ومساندته وبالتالي فهي لم تتحرك حتى الآن الحركة المطلوبة التي تتناسب مع المبادرة السعودية لأنها لم تجد في الموقف الاسرائيلي منها ما يشجع على ذلك. ولكن ماذا عن الجانب الأوروبي وهل سيستغل هذه المبادرة للقيام بدور أكثر فاعلية في اتجاه تنشيط العمل السياسي لحل الصراع العربي الاسرائيلي يجيب د. قدري سعيد: لاشك في أن هذه المبادرة ستشجع الأوروبيين على القيام بدور أكثر فاعلية في دفع الأطراف المختلفة في المنطقة باتجاه المفاوضات السياسية وقد جاء بالفعل خافيير سولانا الى المنطقة للتباحث حول هذا الأمر. فالأوروبيون مهتمون بقضايا الصراع العربي الاسرائيلي وخاصة أن منطقة الشرق الأوسط هي بوابتهم الجنوبية ولديهم حرص شديد على أن يكون هناك استقرار بها لأن هذا يحمي مصالحهم ومن هنا كان تحركهم لتنشيط العمل السياسي بين الطرفين العربي والاسرائيلي، ومن هنا كان ترحيبهم بالمبادرة السعودية لأنها أعطتهم دفعة معنوية لكي يقوموا بالدور المطلوب منهم. مبادرات للحل ويضيف: الأوروبيون سوف يستخدمون هذه المبادرة في تدعيم موقفهم في وجه المعارضة الأمريكية لأي دور فاعل لتنشيط وعودة المفاوضات، فالولايات المتحدة لا تريد أن تضغط على اسرائيل أو دفعها لاتخاذ مواقف أو القيام بأفعال ليست مستعدة لها وكانت حجتها أن الطرف العربي لا يقدم مبادرات للحل وكانت كل المبادرات من الجانب الأمريكي من ميتشيل الى تينيت، أما الآن فهناك مبادرة عربية حقيقية ولذلك فالأوروبيون يجدونها فرصة سانحة للضغط على الادارة الأمريكية من أجل العودة للقيام بدورها المطلوب باتجاه حل الصراع العربي الاسرائيلي. وفيما يتعلق برأيه في أن وجود شارون في السلطة سوف يجهض أية مبادرة عربية أو غير عربية لتسوية الصراع العربي الاسرائيلي يشير د. قدري سعيد الى شارون ليس قادرا على التحرك فهناك نقطة جوهرية تتحكم في ذلك وهي أن أي تحرك على الخط السياسي بالنسبة له معناه أن الانتفاضة قد حققت أهدافها وأن العمل العسكري الفلسطيني أدى الى رضوخ اسرائيلي وبالتالي التوجه الى العمل السياسي، وهذا هو مأزق شارون، فهو كان يراهن على ألا يحدث أي تحرك سياسي تحت ضغط العمل العسكري الفلسطيني ومن هنا كان حرصه على أن تكون هناك فترة انتقالية من التهدئة قبل الدخول في المفاوضات وهو ما لم يتحقق حتى الآن، ولذلك كان استمراره في عملياته العسكرية وخاصة أن برنامجه الذي نجح على أساسه في الانتخابات الاسرائيلية يقوم على تحقيق الأمن للمواطن الاسرائيلي من خلال العمل العسكري وليس التفاوض، على الجانب الآخر نرى الأمريكان هم الآخرون يريدون أن يمسحوا من الذاكرة البشرية تماما مبدأ أن الشعوب يمكن أن تحصل على حقوقها بالقوة فهذا الأمر يسيطر على العقيدة السياسية الأمريكية بقوة بعد أحداث سبتمبر ولذلك فهم لا يريدون عودة المفاوضات حتى لا يقال أن الانتفاضة حققت أهدافها وخاصة أن تجربة حزب الله ما زالت ماثلة والتي أكدت انتصار المقاومة والتي أجبرت فلول الجيش الاسرائيلي على الهروب من لبنان في جنح الظلام، وهذا النموذج لا تريد اسرائيل أو الولايات المتحدة تكراره الآن، أي أن المشكلة معنوية ورمزية وحتى لا يستمر الفلسطينيون على هذا النهج نفسه مستقبلا. ومع ذلك يعود د. قدري سعيد ليؤكد أنه ربما لو كان يوجد في السلطة الاسرائيلية شخصا آخر غير شارون لأبدى مرونة أكثر في التفاعل والتعامل مع مبادرات التسوية ومنها المبادرة السعودية فقد سبق أن انسحب باراك من جنوب لبنان وهو يعرف أنه عندما ينسحب تحت ضغط السلام فهذا ليس في صالحه ومع ذلك انسحب لأنه أدرك صعوبة الاستمرار في جنوب لبنان، الانتفاضة الحالية ترفع شعار حزب الله نفسه وهذه هي مشكلة اسرائيل والولايات المتحدة هما لا يريدون لهذا السيناريو أن ينجح مرة أخرى وهذا ما أخر اسرائيل والولايات المتحدة في الرد على المبادرة. ولا يتفق د. قدري سعيد مع الآراء التي ترى أن المبادرة تقدم لاسرائيل طوق نجاة وأنها ليست في صالح الطرف الفلسطيني لأنها لم تتحدث عن حق العودة ويقول: أي طوق نجاة سيقدم لاسرائيل والمبادرة تتحدث عن عودة الأرض العربية المحتلة، أما بالنسبة لموضوع عودة اللاجئين فالواضح ومن خلال كل التحركات الدبلوماسية السابقة أن هذا الموضوع هو الذي يعرقل التوصل الى أي تسوية سياسية، ولذلك فعدم ذكر اللاجئين في المبادرة أفضل حتى لا يتم نسفها منذ البداية، لأن اسرائيل كانت سترفضها فورا. خطوة أمريكية ومن جانبه يعتقد د. جمال الدين مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية أن المبادرة خطوة ايجابية لاشك أنها ستأخذ اهتماما أمريكيا وأوروبيا وخاصة أنها جاءت من دولة خليجية لها وزنها كالسعودية، فهي من ناحية تدفع بالأمور في المنطقة باتجاه الاستقرار وحل الصراع المزمن بين العرب واسرائيل، ومن ناحية أخرى تفوت على الآخرين فرصة اتهام الجانب العربي بأنه لا يقدم مبادرات للحل وأنه يعتمد على المبادرات الخارجية فقط. ويرى د. مظلوم أن الأمريكيين مطالبون الآن وأكثر من أي وقت مضى بأن يتحركوا ويستغلوا هذه المبادرة لدفع الأطراف المختلفة في المنطقة الى التفاوض من أجل انهاء الصراع وخاصة أن المبادرة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن العرب جادين في تحركهم نحو السلام وأن الطرف الاسرائيلي هو الذي يعرقل كل جهود التسوية وأن المطلوب الآن من الولايات المتحدة هو أن تضغط على اسرائيل حتى تجلس الى المفاوضات من أجل التوصل الى اتفاقيات تحقق الاستقرار في المنطقة، وألا يظل دورها الانحياز المستمر والكامل للطرف الاسرائيلي. ورغم أن د. جمال الدين مظلوم يرى أن المبادرة قد تشجع الأوروبيين على القيام بدور أكثر فعالية في تنشيط عملية التسوية لأن هذا من مصلحتها فهي تريد استقرار بوابتها الجنوبية، إلا أنه يرى في الوقت نفسه أن الدور الأوروبي دائما عينه على الموقف الأمريكي ويتحرك في فلكه وغالبا ما تتوافق المواقف الأوروبية مع الأمريكية، لأن هناك مصالح أوروبية كثيرة أيضا مع الولايات المتحدة ولا تريد أن تخسرها ومن هنا نرى أن الأوروبيين ورغم أنهم يعلون من مواقفهم في البداية باتجاه دعم الموقف العربي إلا أنهم سرعان ما يعودون الى تأييد الموقفين الأمريكي والاسرائيلي وهذا حدث في مرات عديدة سابقة. ويؤكد د. مظلوم أن المبادرة ستأخذ اهتماما كبيرا في القمة العربية القادمة لأن كل الأطراف العربية تريد حل هذه القضية وخاصة بعد أن وصلت الأمور في المنطقة الى حافة الهاوية بسبب الممارسات الاسرائيلية العدوانية ضد الفلسطينيين وبصورة لم تحدث من قبل.