الملف السياسي: أكد د. مصطفى البرغوثي مدير معهد الدراسات الاعلامية للتنمية الصحية ان التصعيد الاسرائيلي كان الرد الفعلي على المبادرة السعودية، مشيراً الى ان الاسرائيليين يتحدثون عن التطبيع دون ان يتحدثوا عن الانسحاب مؤكداً ان تل أبيب لا ترغب في تطبيق شعار «الأرض مقابل السلام» الذي يشكّل أساس المبادرة. وأوضح البرغوثي في حديث لـ «الملف السياسي» أن شارون يعاني من أزمة ويجب أن توضع إسرائيل أمام خيار واحد انه لا يوجد سلام ولا أمن للإسرائيليين إلاّ في حال انهاء الاحتلال الكامل عن الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967. وفيما يلي نص الحوار: ـ مبادرة الامير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية تدعو الى انسحاب كامل لاسرائيل من كل الاراضي المحتلة طبقا لقرارات الامم المتحدة بما في ذلك القدس مقابل قيام علاقات عربية طبيعية معها. هل اسرائيل معنية بما ورد في المبادرة السعودية ؟ ـ اسرائيل غير معنية بالمبادرة السعودية، بل اسرائيل تقوم بتصعيد همجي ضد المخيمات الفلسطينية في الضفة وغزة، فهذا التصعيد كان الرد الفعلي على المبادرة السعودية، ومن جانب آخر فإن مختلف القوى والأحزاب السياسية في إسرائيل «العمل والليكود» حاولوا تفريغ المبادرة السعودية من مضمونها الرئيسي، الذي يتمثل في الانسحاب الشامل من كل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة.وبدأ الإسرائيليون يتحدثون عن التطبيع دون أن يتحدثوا عن الانسحاب، ولهذا إسرائيل لا ترغب بتطبيق شعار «الأرض مقابل السلام» الذي يشكل أساسا للمبادرة ، وإسرائيل تريد للعرب الاستسلام مقابل السلام. فشروط إسرائيل تجاه المبادرة يدلل على استخفافها بها، ولدرجة أن أسلوبهم كان وقحاً عندما بدأوا يتحدثون عن حضور مندوبين سعوديين إلى إسرائيل للحديث عن المبادرة، وهذا استخفاف بالعقل العربي وإسرائيل تحاول بأسلوب وقح تجاهل المضمون الرئيسي للمبادرة السعودية وتغليب موضوع التطبيع على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي. ولهذا مطلوب من العرب بعد الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة دعم الشعب الفلسطيني ودعم نضاله العادل وبرنامجه الوطني الذي عليه إجماع وطني «انسحاب إسرائيل من كل الأراضي المحتلة» وتفكيك المستوطنات واقامة دولة فلسطينية مستقلة وتأمين حقوق اللاجئين الفلسطينيين التي تمثل قضيتهم جوهر القضية الفلسطينية. ـ المبادرة تحمل معنيين الاول تصويب المسيرة السلمية بإعادتها الى قاعدة مبادئ مدريد «الأرض مقابل السلام» ، وفقا لقراري مجلس الأمن 242 و338، والثاني عودة الدول العربية الى احتضان العملية السلمية واعتبارها طرفا رئيسيا مفاوضا الى جانب الأطراف العربية الأخرى المعنية مباشرة بموضوع الصراع، السلطة الفلسطينية وسوريا ولبنان ، وهذا يحتاج الى ضغوطا دولية، هل امريكا واوروبا معنية بممارسة الضغوط لتنفيذ المبادرة السعودية ؟ ـ يجب الفصل بين الموقف الاوروبي وبين الموقف الامريكي، لان الموقف الاوروبي اكثر ايجابية في الفترة الاخيرة «فرنسا واسبانيا» ولكن الموقف الامريكي ما زال منحازاً لاسرائيل وهذا الموقف الامريكي والاوروبي يعتمد على عاملين، الاول هو استمرار كفاح وصمود وثبات الشعب الفلسطيني والاستمرار بالانتفاضة وافشال مخطط شارون، وهذا ما يجري في الواقع. ثانيا مواصلة الحملة الشعبية الدولية من اجل تغيير مواقف الدول الاوروبية «مواقف الشعوب الاوروبية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني ويجب استثمار هذه المواقف للضغط على برلمانات وحكومات هذه البلدات في اتجاه دعم الشعب الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية تشبه قضية جنوب أفريقيا وحلها يعتمد على عاملين اثبات الكفاح الوطني على الارض، وبناء اوسع حركة تضامن دولية تعزل اسرائيل وسياستها العنصرية الفاشية. ـ هل سيتم تحويل المبادرة السعودية الى مبادرة عربية تتبناها قمة بيروت المقبلة ؟ ـ المبادرة السعودية لغاية الان لا تمثل مبادرة متكاملة، وانما تمثل رؤية او فكرة او آلية ديناميكية تضفي عاملا مهماً لعزل سياسة شارون وتعطي للعرب فرصة للقول بأنهم يريدون السلام، من خلال تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني، ولكن من اجل ان تتحول المبادرة الى مبادرة فعلية يعتمد على ان تشمل الحقوق الوطنية غير المنقوصة للشعب الفلسطيني دون استثناء وفي مقدمتها حقوق اللاجئين، وضرورة كنس الاستيطان عن كل شبر من الاراضي المحتلة، واقامة دولة فلسطين الديمقراطية.وضرورة ان يتوفر للمبادرة آليات لدعم الشعب الفلسطيني في نضاله العادل طالما بقيت حكومة اسرائيل رافضة للسلام وتطبيق الاتفاقات الموقعة. ـ طرح المبادرة يهييء ظروفا جديدة تسمح باشراك اطراف اخرى مهتمة بتحقيق السلام في منطقة الشرق الاوسط كالاتحاد الاوروبي الذي اظهر مؤخرا مواقف متميزة رغم ضغوط واشنطن، هل هذه الاطراف ستجرؤ على المطالبة بالمشاركة؟ ـ يجب رؤية المبادرة السعودية واعتبارها عملية سياسية، وانتزاع زمام المبادرة من يد اسرائيل، ومطلوب عدم السماح لاسرائيل باعادة انتزاع المبادرة، وهذا ما تقوم به اسرائيل الان. اسرائيل تشن هجوماً دبلوماسياً اعلامياً تحاول ان تفرغ المبادرة من مضمونها، وتحولها الى الاهداف والاراء الاسرائيلية. ويجب رؤية ان الشعب الفلسطيني يخوض معركة كفاحية ادت الى نتائج مهمة جدا. شارون فشل في تحقيق الامن، وفشل في فرض الحصار السياسي على الشعب الفلسطيني وفشل في كسر الارادة الفلسطينية بالقوة والقمع العسكري وثبت انه لا يوجد حل عسكري للقضية الفلسطينية، وشارون يعاني من ازمة اقتصادية متفاقمة في اسرائيل وارتفاع نسبة البطالة لم تشهدها اسرائيل منذ عام 1956. وشارون يعاني من تعنت داخلي في معسكره، وهناك تصاعد في عدد رافضي الخدمة العسكرية في الاراضي المحتلة، وتصاعد في الاصوات الاسرائيلية المنادية بانهاء الاحتلال، بالاضافة الى تعاظم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، ولهذا يجب استغلال كل مبادرة سياسية من اجل تعميق الازمة الاسرائيلية الداخلية «محاصرة شارون وعزله بكل الوسائل». فالامر الاساسي ان شارون يعاني من ازمة، ويجب ان توضع اسرائيل امام خيار واحد انه لا يوجد سلام ولا امن للاسرائيليين الا في حال انهاء الاحتلال الكامل عن الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967. ـ تكثيف الاتصالات العربية مع الادارة الامريكية لبلورة صيغة المبادرة كي تحظى بموافقة واشنطن وبالتالي احداث تغيير في الموقف الامريكي للخروج من المأزق الراهن، هل تتوقعون الموافقة الامريكية على المبادرة؟ ـ هذه المبادرة يجب ان تستخدم من اجل فرض تآكل في الموقف الاسرائيلي وليس تآكل في الموقف العربي. ـ يبدو ان الولايات المتحدة لديها الكثير من الحسابات منها الترتيبات الجارية لضرب العراق واستمرار اجواء التحالف الدولي ضد الارهاب، هل ستوافق امريكا على المبادرة كخطوة اجرائية ضد العراق والارهاب ؟ ـ المسألة الاساس هل ستحل القضية الفلسطينية، وتجبر اسرائيل على انهاء الاحتلال والانسحاب من الاراضي المحتلة ام لا، الشيء الوحيد الذي يمكن ان يغير الموقف الامريكي هو ان تعمل على انهاء الاحتلال وتجبر اسرائيل على احترام الشرعية الدولية ولا يمكن التأثير في الموقف الامريكي الا اذا كان هناك تعاون عربي وربط المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة بموقف من قبل الفلسطينيين. ـ هل يمكن القول ان المبادرة تمثل فرصة السلام الاخيرة التي يقدمها العرب ؟ ـ لا يمكن ان يكون هناك سلام ولا اي هدوء في المنطقة ولا استقرار استراتيجي ما لم تلب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، واسرائيل لم تنفعها الاتفاقات الجزئية، ولم تحل مشكلتها اتفاقية السلام مع مصر ولا مع الاردن، الذي سيحل الموضوع حل القضية الفلسطينية وتلبية حقوق الشعب الفلسطيني. ـ ما هي الاثار المتوقعة للمبادرة على صعيد الداخل الاسرائيلي وهل سيدفع القوى السياسية لانتخابات مبكرة تسقط شارون ؟ ـ يمكن ان تساعد في دفع معسكر السلام الاسرائيلي وفق امكانية تحقيق سلام واستقرار اذا تم الانسحاب من الاراضي المحتلة، وسيكون التأثير اكبر اذا ترافق مع اجراءات ردع للحكومة الاسرائيلية، وان تعاقب على مواقفها واجراءاتها الوحشية الممارسة ضد الشعب الفلسطيني. ـ الدور الامريكي هو الحاسم في نجاح المبادرة او فشلها.. ما صحة ذلك ؟ ـ ليس بالضرورة، فالمسألة الاساسية ان المبادرة ليست مبادرة متكاملة او نهائية وانما هذه آلية وفكرة ورؤية حتى تتحول الى مبادرة يجب ان تطعم بكل العناصر الاساسية التي تحقق حقوق الشعب الفلسطيني، خاصة قضية اللاجئين والاستيطان والانسحاب من القدس المحتلة. ـ هل تمثل المبادرة فرصة لنزع صفة الراعي الرئيسي الوحيد من واشنطن، عبر اشراك المنظمة الدولية وقوى دولية اخرى في المسيرة السلمية ؟ ـ ربما تشكل مدخلاً للدعوة الى مؤتمر دولي جديد مماثل لمؤتمر مدريد لمراجعة ما جرى ولتنفيذ قرارات الامم المتحدة، واجراء مفاوضات حقيقية حول تنفيذ قرارات الامم المتحدة كما جرى في جنوب لبنان وبهذا يمكن درء اي محاولة خبيثة لاعادة الفلسطينيين الى نفق مفاوضات انتقالية وجزئية تؤدي الى قرارات جديدة كما حدث وجرى في اوسلو.