الملف السياسي: المبادرة التي طرحها الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي لتحقيق تسوية شاملة للصراع العربي ـ الاسرائيلي، تحمل معنيين: الأول، هو تصويب المسيرة السلمية باعادتها الى قاعدة مباديء مدريد: «الأرض مقابل السلام»، وفقا لقراري مجلس الأمن 242 و338. والثاني هو عودة الدول العربية الى احتضان العملية السلمية واعتبارها طرفا رئيسيا مفاوضا، الى جانب الاطراف العربية الاخرى المعنية مباشرة بموضوع الصراع، أي السلطة الوطنية الفلسطينية وسوريا ولبنان. في الجانب الأول، فقد تبين بعد معاناة السنوات التسع الماضية، ان تجربة أوسلو بلغت مداها النهائي صيف عام 2000 في كامب ديفيد عندما عجز الطرفان الاسرائيلي والفلسطيني، وبرعاية كاملة من الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون شخصيا، عن تحقيق التسوية التي ترضي الجانبين، بغض النظر عن مدى تطابقها مع قرارات الشرعية الدولية التي كان من المفترض ان تضمن حقوق الجانب المعتدى عليه وهو الشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من ان الجانبين تقدما خطوات عديدة الى الأمام، في آخر محاولة بذلاها في مدينة طابا المصرية نهاية عام 2000 لبلوغ نقاط مشتركة تتصل بالوضع النهائي، الا ان الوقت كان قد فات فعلا ولم يعد باستطاعة الطرفين تحويل «تفاهماتهما» الى نصوص مكتوبة وحلول نهائية. فايهود باراك بدأ استعدادته للرحيل تحت ضغط خصومه السياسيين الذين اتهموه بتقديم «تنازلات غير مقبولة» للفلسطينيين. كذلك فإن الأيام المتبقية من ولاية بيل كلينتون لم تكن كافية للعب أي دور حاسم لانجاز التسوية المطلوبة. ولقد تأكد فيما بعد ان رئيس الحكومة الاسرائيلية، الحذر والمتردد دائما، أضاع وقتا ثمينا قبل ان يتخذ بعض القرارات المبدئية، وليس كلها، التي كان عليه ان يتخذها في وقت مبكر، حتى يكون لمواقفه تأثيرات ايجابية حاسمة. وفي هذا الجانب ايضا، فإن اتفاقات أوسلو، بواقعها الثنائي» عطّلت التسوية الشاملة التي شقت طريقها في مدريد، ثم فتحت باب المساومة على مضمون القرارات الدولية التي جرى تلخيصها ضمن مبدأ «الأرض مقابل السلام». ذلك ان اسرائيل ارادت ان تأخذ من هذه القرارات ما يناسبها وليس ما تنص عليه حرفيا، كما أضافت شروطا عديدة من جانبها لتجعل من أي اتفاق سياسي وكأنه تكريس لانتصارها العسكري الذي كان الاحتلال، ولايزال، أبرز مظاهره ونتائجه الفعلية. ومع ان محاولات بذلت خلال ذلك لتحريك المسار السوري، لكن الرغبة الاسرائيلية في تحقيق تسويات منفردة، بهدف احداث مزيد من التصدع في الصف العربي، حالت دون الوصول الى تسوية شاملة، وفقا لمباديء مدريد وانسجاما مع اهدافها الرئيسية. وهذا ما أدى الى ابقاء جميع الابواب مفتوحة على العنف، لاسيما وان الاحتلال الذي يجثم فوق الأرض وفوق صدور المواطنين حوّل الصلف الاسرائيلي الى كابوس يومي يستحيل تحمله. الدور العربي من جديد في الجانب الثاني، يبرز الدور العربي من جديد، لا كداعم للحق والصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال من خلال تقديم المساعدات المادية فقط، بل كمشاركة فعلية في العملية السلمية ذاتها، أولا باعادتها الى اطارها الشامل المفقود، وثانيا توفير ظروف جديدة تسمح باشراك أطراف اخرى مهتمة بتحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا المجال يبرز الموقف المتميز للاتحاد الاوروبي الذي عبّرت عنه دول عدة، لاسيما فرنسا، برغم الضغوط التي تمارسها الادارة الامريكية لثنيها عن هذه التوجهات. على ان يعزز هذا التحرك العربي ـ الاوروبي المشترك الدور الذي يفترض ان تلعبه الولايات المتحدة، إذا ما قررت التجاوب مع الرغبات العربية والدولية بالتوقف عن دعم سياسات الحكومة الاسرائيلية الحالية التي تحول دون تحقيق أي نوع من السلام في منطقة الشرق الأوسط، كذلك التوقف عن ربط موضوع مكافحة الارهاب بمواجهة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي واعتبارهما موضوعا واحدا أو حتى متشابها. ان الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتمثل بتحويل المبادرة السعودية الى مبادرة عربية، وهذا يمكن تحقيقه من خلال طرح الموضوع على القمة العربية التي ستعقد في بيروت أواخر شهر مارس المقبل. وثمة من يؤكد ان هذه القمة ستعقد في مكانها وزمانها المحددين، كما ان هناك العديد من المؤشرات التي تسمح بالقول ان القمة العربية ستتبنى المبادرة السعودية بعد توضيح عناصرها الرئيسية والتأكيد بأن هدفها الأساسي هو تصحيح مسيرة مدريد دون الاضطرار الى عقد مؤتمر دولي جديد، وهو الأمر الذي تعارضه الادارة الامريكية. أما الخطوة الثانية فتتمثل في اجراء اتصالات مع الادارة الامريكية لبلورة صيغة للمبادرة السعودية تحظى بموافقة واشنطن حتى يصح من الممكن عرضها على القمة العربية كمشروع قابل للتنفيذ. فقد ثبت ان موقف ادارة الرئيس جورج بوش وليس موقف حكومة شارون فقط، وهو الذي يعرقل المساعي السلمية في المنطقة، ومن دون احداث تغيير في الموقف الامريكي سيكون متضررا طرح أي مشروع جديد للخروج من المأزق الراهن. وتشير الانباء الى ان مستشار ولي العهد السعودي عادل الجبير الموجود حاليا في واشنطن يتولى اجراء الاتصالات اللازمة مع المسئولين الامريكيين بعد ظهور مؤشرات تدل على اهتمام الادارة الامريكية بالمبادرة السعودية. الموقف الامريكي حاسم وثمة محللون يعتقدون بأن أي تغيير في الموقف الامريكي لن يكون نابعا من الرغبة في التجاوب مع المساعي العربية والدولية وإنما سببه حاجة الولايات المتحدة الى مرحلة من الهدوء في المنطقة تتيح لها متابعة اعداد الترتيبات الخاصة بتوجيه ضربة عسكرية الى العراق هدفها اسقاط النظام القائم. والاحتمال الممكن في ضوء هذا التحليل هو اعلان الادارة الامريكية قبول المبادرة السعودية ـ العربية، بيد ان تنفيذها سيغدو من الناحية العملية مرهونا بعاملين، الأول هو تطورات ونتائج الحملة العسكرية الامريكية ضد العراق. والثاني مدى التجاوب الاسرائيلي مع الاقتراحات الجديدة. والأمر المؤكد في هذا المجال هو انه من المتعذر المراهنة على دور ايجابي لارييل شارون يسهل الدخول الى أي نوع من التسوية السلمية، لاسيما التسوية الشاملة التي تتطلب الانسحاب من الأراضي المحتلة كافة، بما في ذلك مرتفعات الجولان السورية. وهذا يعني ضرورة الانتظار الى ان يحدث تغيير حكومي في اسرائيل ينسجم مع المشاريع السلمية الجديدة المطروحة. في ضوء هذه الاعتبارات المعقدة والمتناقضة في آن سيظل الموقف الاسرائيلي والامريكي عقبة رئيسية أمام الوصول الى تسوية سلمية للصراع العربي الاسرائيلي حتى لو أدت الجهود المبذولة حاليا الى نوع من التهدئة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا نستطيع ان ننسى ان الدول العربية جميعها عبرت في مدريد، وبعد مدريد، عن رغبتها باقامة سلام عادل وشامل في المنطقة يستند الى مبدأ «الأرض مقابل السلام» بيد ان اسرائيل هي التي رفضت تنفيذ أي اتفاق وأصرت على مواصلة احتلالها الاراضي العربية، باستثناء تلك التي أضطرت الى الانسحاب منها تحت ضغط المقاومة المسلحة. وأخيرا يمكن القول ان اسرائيل هي المطالبة باثبات حسن نيتها، وليس العكس. ومع ذلك فإن أي مبادرة سلمية عربية هدفها استعادة الحقوق المغتصبة، تعتبر أمرا ايجابيا حتى لو أثبتت الأيام، مرة اخرى، ان النوايا الطيبة لا تكفي وحدها لاعادة الحق الى نصابه. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس