بيان الاربعاء: تنتشر في واشنطن في اللحظة الراهنة تكهنات كثيرة عن احتمال ان تبدأ واشنطن تحركا دبلوماسيا جديدا على مسار الأزمة الفلسطينية ـ الإسرائيلية بالارتكاز ربما على الافكار التي قدمتها السعودية مؤخرا بهذا الصدد. وفيما تستند هذه التكهنات على أسس ملموسة من بعض الوقائع التي توالت مؤخرا، فان السؤال الذي لا يكف عن الاطلال من بين ثنايا ما يقال هو ما اذا كانت ادارة الرئيس بوش ستسعى نوعا ما إلى ربط جهودها على الجبهة الفلسطينية بنواياها المعلنة لحسم الوضع في العراق؟ ويمكن وضع هذا السؤال في مفردات اخرى أكثر مباشرة: هل من المحتمل الآن ان تبلور واشنطن «صفقة شاملة» في الشرق الأوسط يتم بموجبها اقرار حل نهائي للمسألة الفلسطينية على اساس من الافكار السعودية الاخيرة مثلا وذلك مقابل تعاون المجتمع الدولي وبعض دول المنطقة مع الولايات المتحدة للاطاحة بالرئيس صدام حسين وتغيير النظام العراقي؟ ويتعين اولا الاقرار بأن صيغة هذا السوال ليست من اختراعنا. فالانصاف يدعو إلى الاعتراف بأن «حق الملكية الفكرية» للسؤال يرجع للوبي الإسرائيلي في واشنطن. ذلك ان قادة هذا اللوبي يطوفون الآن اروقة المباني الحكومية في واشنطن ليوجهوا هذا السئوال لكل من يصادفونه هناك، وان كان سكرتيرة او حارسا. ويبدو ان السبب في ذلك يرجع إلى ذكريات 1990. ففي ذلك الوقت وعد الرئيس جورج بوش «الأب» ووزير خارجيته جيمس بيكر بأن تتخذ واشنطن «موقفا جديدا» وان «تضغط بفعالية» من اجل بدء عملية دبلوماسية تسفر عن تسوية عادلة للمسألة الفلسطينية، وذلك مقابل تشكيل تحالف اقليمي لطرد القوات العراقية من الكويت. وما لبثت إدارة الرئيس بوش ان نفذت وعدها ـ بعد تحرير الكويت ـ فدعت إلى عقد مؤتمر مدريد وذلك برسالة واضحة اشارت إلى ان الهدف من المؤتمر هو وضع تسوية عادلة ودائمة في الشرق الأوسط على أساس من قراري 242 و383 الصادرين عن مجلس الأمن. وحين تحفظت حكومة شامير على الذهاب إلى مدريد جمدت ادارة بوش ضمانات قروض قيمتها 10 مليارات دولار كانت اسرائيل تسعى للحصول عليها لاستيعاب المهاجرين الروس الذين تدفقوا من الاتحاد السوفييتي بعد انهياره. وكان مؤتمر مدريد ـ الذي استهدف تسوية الأزمة ـ هو الذي اثمر بعد ذلك عن اتفاقيات اوسلو، كما اثمر عن اخفاق جورج بوش الاب في انتخابات الرئاسة عام 1992 كما يعتقد كثيرون في واشنطن، وذلك بعد ان سحب اللوبي اليهودي دعمه لبطاقة بوش ـ كويل كما ان المؤتمر اثمر لاحقا عن اغتيال اسحاق رابين على ايدي مستوطنين متطرفين ممن رأوه يتجه إلى القبو بصيغة تقضي بانسحاب إسرائيل من أغلب اراضي الضفة والقطاع.. الا ان مدريد لم يثمر الأمر الوحيد الذي كان مستهدفا منه في الاصل.. السلام. عودة شبح اوسلو والآن تعود اشباح تلك الفترة بعد اكثر من عقد كامل على مرورها، ليس فقط لان هذا الرئيس هو ابن ذاك، ولكن لان الادارة الحالية تبدو بدورها متجهة إلى فتح الملف العراقي «لاستكمال المهمة التي لم تنجز عام 1991» حسب قول كثيرين في واشنطن. ويبدو من المنطقي في هذا السياق ان يتساءل «اللوبيون» وغيرهم أيضا عما اذا كان استكمال المهمة العراقية التي لم تنجز ـ اي تغيير النظام في بغداد ـ سيعني ايضا استكمال المهمة الفلسطينية التي لم تنجز، أي اعادة فتح مسار مدريد ـ بصيغة اخرى ـ للتوصل هذه المرة إلى الثمرة الاصلية التي كانت مستهدفة بدورها من ذلك المسار، ولكنها لم تنجز أيضا كشقيقتها على طريق بغداد، اي ثمرة احلال تسوية عادلة على اساس قراري 242 و338. ثمة تقرير مفيد في هذا السياق كتبه ماثيو بيرجر لوكالة الانباء اليهودية واخذته عنها جريدة «جويش ديك» الواشنطنية المعروفة. ويخلص هذا التقرير ـ من باب الاختصار ـ إلى القول بأن الإدارة الحالية لن تربط بين الامرين، وانها ستتجه إلى ضرب العراق في كل الأحوال، دون ربط ذلك بأي تحركات «ايجابية» على المسار الفلسطيني. ويعرض بيرجر آراء محللين كثيرين وبعض مسئولي الادارة ـ ممن لم يسمهم بالاسم ـ لتأكيد ما انتهى إليه من استنتاجات الا ان هذا الجهد لا ينفي بعض الحقائق الموضوعية التي تتوالى الآن على ساحة سياسة ادارة الرئيس بوش تجاه الشرق الأوسط. فقد تردد في واشنطن مثلا ان الرئيس بوش طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال لقائهما الاخير في العاصمة الامريكية «تهدئة الوضع» على خطوط التماس الفلسطينية ـ الإسرائيلية لانه ليس بامكان الولايات المتحدة بدء جهودها الدبلوماسية للتمهيد لأي عمليات عسكرية ضد العراق في هذا المناخ الراهن في المنطقة. وتردد أيضا ان الادارة طلبت من إسرائيل «اعادة النظر» في سياسة احتجاز الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله. وانها نسقت مع القاهرة جهدا لانهاء هذا الاحتجاز وللتأكد من ان عرفات سيشارك في قمة بيروت. وقد كانت هذه القضية بالذات هي محور المكالمة الهاتفية النادرة التي جرت بين الرئيس حسني مبارك ورئيس الوزراء ارييل شارون في 22 فبراير. وقد دعمت واشنطن هذه الجهود عبر تصريح ادلت به مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس وقالت فيه ان احتجاز عرفات لا يخدم مصلحة إسرائيل وانه يعزز مواقف الرئيس الفلسطيني. كما تردد أيضا ان واشنطن طلبت من إسرائيل مراجعة سياسة «الاغتيال الوقائي» التي تتبعها لقتل القيادات الفلسطينية والتي تسبب ردة فعل بالغة العنف من قبل الفلسطينيين وتحول دون تماسك وقف اطلاق النار أو بلورة آمال جادة بتهدئة خطوط التماس بين الجانبين. ثم تردد اخيرا ان الحكومة الأمريكية طلبت من شارون الاشتباك «على نحو ما» بحوار مع القيادات الفلسطينية ـ باستثناء عرفات ان اراد ذلك ـ وبتخفيف اجراءات الحصار عن المدن الفلسطينية وسحب بعض القوات الإسرائيلية من «مواقعها الاستفزازية» خاصة في غزة ورام الله. ولكن هل يعني كل ذلك حقا ان استنتاجات ماثيو بيرجر خاطئة في جوهرها؟ هل يعني ان إدارة الرئيس بوش ستدفع بالجهود الدبلوماسية على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي نحو تسوية حقيقية بصورة جادة ام انها ترغب فحسب فى «اعطاء انطباع» بأنها تفعل ذلك وبالحصول على عملية دبلوماسية مسطحة وفارغة من أي محتوى حقيقي لمجرد كسب الوقت لدعم جهودها في اتجاه «استكمال» مهمتها العراقية؟ بعبارة أخرى: هل تحاول واشنطن خداع دول المنطقة عبر «تسويق» جهد دبلوماسي لا يهدف بجدية إلى تسوية المسألة الفلسطينية مقابل الحصول على تعاون هذه الدول في «مشوار العراق»؟ تسوية أمريكية أخرى يقول البعض في واشنطن ان الإدارة الحالية تريد بالفعل تسوية الأزمة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، اذ ان استمرار هذه الأزمة لا يخدم المصالح الامريكية. انها تدرك ذلك حقا. ولكن المشكلة هي انها تريد ان تفعل ذلك دون ان تمارس اي ضغوط على إسرائيل. ذلك ان هذه الضغوط قد يكون لها ثمن سياسي باهظ على غرار ما حدث في العام 1992. ومن المحتمل هنا ان تشجع الافكار السعودية الاخيرة ادارة الرئيس بوش على حسم ترددها، وعلى وضع تصور جديد يتضمن سعيا مخلصا وحقيقيا لانهاء تلك الأزمة على نحو مقبول. ولكن ما هي حقا الضمانات التي يمكن التعويل عليها في هذا السياق؟ كما ان من المحتمل ان يكون لدى نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني «الخبر اليقين»، أي من المحتمل ان يكون بجعبة تشيني تصور جديد حول المسألة الفلسطينية يضعه على الطاولة إلى جوار تصوره حول المسألة الفلسطينية. ويبقى «مربط الفرس» في هذه الحالة هو الضمانات التي يمكن لتشيني ـ ولإدارة الرئيس بوش على وجه العموم ـ ان تقدمها للعرب خلال جولة نائب الرئيس في المنطقة بعد ايام، أي ضمانات جدية التحرك الامريكي بشأن المسألة الفلسطينية والجدول الزمني الذي تقترحه الإدارة لحل هذه المسألة التي باتت الآن هي وليست المسألة العراقية مصدر التهديد الأساسي لأمن واستقرار الشرق الأوسط. لم يعد بوسع الدول العربية الآن ان تقبل «تأكيدات عامة»، ووعود مستقبلية ان المنطقة بأسرها بحاجة إلى جدول زمني يوضح موعد تطبيق مسلسل من الاجراءات التي تنتهي بتسوية المسألة الفلسطينية في تاريخ محدد مسبقا، اذ ليس بالامكان ابتلاع حديث شارون عن الاتفاقيات المرحلية طويلة الامد وعن ارجاء ا لحل النهائي لمدة 15 عاما، وما إلى ذلك من ترهات. وقد تستدعي الحكمة هنا رفض مناقشة المشروعات الأمريكية المتعلقة ببغداد قبل ان توضح واشنطن مشروعاتها المتعلقة بالفلسطينيين، ليس بصورة عامة وفي عبارات مجردة، ولكن بصورة محددة من حيث الزمن والمحتوى في آن معا.