بيان الاربعاء: في الصراع مع اسرائيل يبرز حاليا داخل الساحتين الفلسطينية والعربية اتجاهان: احدهما يريد انهاءه عبر محاربتها بقصد انهاكها من اجل تحقيق تداعيها ومن ثم انهيارها، والآخر يريد التوصل معها الى حل عبر تسوية سياسية تبقي عليها وتسترجع منها ما احتلته من اراض في عام 1967، ولاسباب متعددة وشائكة يبدو ان اغلبية فلسطينية، خاصة داخل الارض المحتلة عام 1967، ومعظم العرب ينحون نحو الاتجاه الثاني، ربما لعدم قدرتهم على تحقيق الاول، ولكن دون التمكن من اقناع العالم بذلك، مع ان اسرائيل هي المعتدية والمتعنتة، وانهم يريدون تحقيق التسوية السياسية معها. قد يعود مرد هذا الاخفاق المزمن الى انحياز العالم المطلق اتجاه اسرائيل،ما يترتب عليه فعليا طلب الاستسلام العربي والفلسطيني الكامل للاشتراطات الاسرائيلية، ولكن يمكن ايضا ان يكون مرد هذا الاخفاق نابعا من سوء توظيف الاساليب والتكتيكات العربية والفلسطينية التي تعطي عكس المردود المتوخى منها. ولا يمكن التأكد من امكانية انحياز العالم المطلق ضدنا الا من خلال تحييد امكانية وقوعنا في خلل ذاتي وبما ان اكثر من عقد من الزمن اهدر حتى الآن على السعي في اقتفاء اثر تسوية ضائعة، فان المراجعة النقدية تصبح واجبة، في هذا السياق أي في اتجاه البحث عن تسوية سياسية ممكنة مع اسرائيل يجب الانتباه الى اربع نقاط مركزية. ـ فشل الحلول المراحلية مفتوحة النهايات بعد تجربة مريرة مع تداعيات اتفاق اوسلو لذا على الفلسطينيين تحديدا،والعرب عموما الاتعاظ من ان الحلول المراحلية المفتوحة النهايات لن تحقق التسوية السياسية ذات الحدود الدنيا المقبولة فلسطينيا وعربيا. بل على العكس تماما فان هذه الحلول ضمن اختلال معادلة موازين القوى تجاه اسرائيل، تمنح الحكومات الاسرائيلية مساحة افضلية للمناورة وتعطي الاسرائيليين امكانيات مفتوحة لاستغلالها من اجل التسويف ضمن المراحل المؤجلة. من هذا المنطلق يجدر بالفلسطينيين والعرب عدم ايلاء خطة تينيت وتقرير ميتشل أي اهتمام او اهمية. اما مباحثات ابو علاء ـ بيريز التي ستنتج ان استمرت ونجحت حلا مراحليا مفتوح النهاية فهي غير مفيدة بل ضارة لانها ستعود وتنتج اتفاقا على شاكلة اتفاق اوسلو الذي اوصلنا الى المأزق الذي نحن فيه. ان الحل الوحيد الممكن هو الذي يحدد النهايات بوضوح شديد ويضمن قبولها من اسرائيل وضمانها من القوى الدولية، خاصة من الولايات المتحدة الامريكية. ـ الحاجة الفلسطينية الدائمة للاسناد العربي الشامل حيث تشكل القضية الفلسطينية لب الصراع مع اسرائيل وجوهر الاستهداف الاسرائيلي ومع ان المقاومة الفلسطينية المستمرة للمشروع الصهيوني والاحتلال الاسرائيلي مهمة جدا وضرورة اساسية لا غنى عنها، الا انه يجب ايضا عدم خداع الذات وتصور ان بمقدور الفلسطينيين وحدهم، وبامكانياتهم المتواضعة دحر الاسرائيليين والانتصار عليهم، لذلك فان العمق في الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يشكل الدعامة المركزية والركيزة الاساسية لاسناد الموقف الفلسطيني ومواجهة اسرائيل، وكل مشاريع الحلول الفردية غير المحمية عربيا لن تكتب لها امكانية فعلية للنجاح، ولكن الاسناد العربي يجب ان لا يتوقف عند حدود اطلاق الشعارات الحماسية او اطلاق الوعود بنجدة الفلسطينيين بدعم مالي لا يصل في النهاية معظمه. بل ان هذا الاسناد يجب ان يكون ماديا يعزز امكانية الصمود والمقاومة الفلسطينية، وسياسيا يلقي بالثقل العربي المدعم بالموضعية الاقتصادية العربية في ساحة الصراع. ـ ضرورة اختراق المجتمع الاسرائيلي حيث ان التوصل لتسوية سياسية مع اسرائيل يحتاج الى وجود طرف اسرائيلي يقبل التعاطي الجدي مع متطلبات الحد الادنى الفلسطينية والعربية. فالتوصل الى تسوية سياسية يحتاج الى طرفين، ولا يمكن املاء تسوية تستطيع ان تستمر وتعمر الا بموافقة الطرفين،أي عند تحقيق الحدود الدنيا المطلوبة من كليهما، ولذلك تختلف التسوية عن الاستسلام فالاولى رضائية والثانية قسرية. وكما انه لن يكون باستطاعة اسرائيل فرض تسوية نهائية للصراع دون القبول الفلسطيني والعربي، فان العرب والفلسطينيين لن يتمكنوا كذلك من فرض التسوية على اسرائيل دون رضاها ووجود شريك اسرائيلي يقبل بمواصفاتها، في هذا السياق يجدر الانتباه الى امرين،الاول ان اسرائيل المذعورة على امنها تكون اسرائيل موحدة وتنحو سياسيا نحو اليمين، الامر الذي يصعب امكانية اختراق مجتمعها، والثاني،ان اختراق المجتمع الاسرائيلي لن يتم من خلال التفتيش على قوى هامشية للتعامل معها، بل يجب ان يخترق صلب نواته. ـ ضرورة كسب الرأي العام الدولي، حيث يحتاج كل طرف يدخل في محاولة لايجاد تسوية تحقق له اقصى ما يمكن من مطالبه الى تجنيد اكبر عدد ممكن من الاطراف المعنية بحل الصراع لاسناد موقفه،وكسب الرأي العام الدولي،او على الاقل تحييده، مهم جدا للفلسطينيين والعرب اذا ارادوا التوصل الى تسوية سياسية مقبولة عليهم مع اسرائيل، ومن يظن عكس ذلك يكون واهما او مغرضا. فالمهم اذا اريد التوصل الى تسوية سياسية مع طرف معاد مقابل (ولا ضرورة لذلك ان اختيرت الحرب للقضاء عليه) ليس الاقتناع الذاتي بعدالة ووجاهة الموقف الذاتي وانما اقناع الآخرين بذلك، ولكي يتم تحقيق ذلك يجب ان يكون الموقف الفلسطيني ـ العربي واضحا وايجابيا،وليس مشوشا وسلبيا، لان باستطاعة الاسرائيليين في حالة عدم وضوح وايجابية الموقف المقابل استغلال ذلك من اجل كسب معركة الرأي العام الدولي،ويجب الاعتراف بان اسرائيل استطاعت ان تستغل كل الامكانيات المتاحة والمساندة لها اعلاميا لتقوم بقلب الحقائق واظهار نفسها كأنها الضحية بينما العرب والفلسطينيون هم المعتدون عليها والمستهدفون انهاء وجودها، مع ان الموقف العربي والفلسطيني يصر رسميا وفي كل مناسبة، وحتى دون مناسبة على تكرار ان السلام هو الخيار الاستراتيجي عربيا وفلسطينيا. ومن الواضح ان الاساليب والوسائل المستخدمة في ادارة الصراع تلعب دورا بالغ الاهمية في معركة كسب الرأي الدولي العام. اذا اخذنا هذه النقاط الاربع بالاعتبار فان الافكار التي عبر عنها الامير عبد الله تصبح ليس فقط مهمة، وانما بالاساس ضرورية فهي اولا، تعيد مشروع التسوية الى الجذور الاساسية القائمة على معادلة «الارض مقابل السلام » وتزيل كومة التفاصيل التي اغرقتنا بها اسرائيل وسحبت من خلالها موقفنا ليبدأ بمواءمة نفسه مع موقفها. وثانيا، هذه الافكار السعودية واضحة ومباشرة ولا لبس فيها اطلاقا: اعادة الارض المحتلة العام 1967 مقابل الاعتراف العربي باسرائيل يمنح هذا الموقف خيارا واضحا للاسرائيليين يمكنهم من خلاله المفاضلة الفعلية بين هذا الموقف وبين استمرار انعدام امنهم وامانهم من جهة، او التوصل الى تسوية سياسية معرفة مع الفلسطينيين، والعرب ان مثل هذه الافكار هي التي تحرج الحكومة الاسرائيلية اليمينية، وهي التي بامكانها تحقيق اختراق المجتمع الاسرائيلي واسقاط شارون الذي لا يمكن ان يكون طرفا في اية تسوية سياسية مقبلة كما ان وضوح ومباشرة هذه الافكار يمكن ان تحدث تأثيرات وتفاعلات ايجابية على صعيد الراي العام الدولي، وتزيل الالتباس الذي زرعته اسرائيل حول الموقف الفلسطيني ـ العربي. ـ ثالثا، ان هذه الافكار تلقى بالثقل العربي خلف الفلسطينيين وتعزز من الموقف الفلسطيني ومن شرعية المقاومة الفلسطينية للاحتلال، ان رفضت اسرائيل هذه الافكار سمة الارهاب التي تحاول اوساط اسرائيلية وغربية الصاقها بالعرب والفلسطينيين. ورابعا،ان اهم اهمية للافكار السعودية هي انها لا تخسر العرب والفلسطينيين شيئا، فما داموا يرددون صباح مساء بان السلام هو خيارهم الاستراتيجي فان من الاجدى لهم ان يصبحوا مبادرين بالموقف وليسوا متلقين لمشاريع ضاغطة عليهم من الخارج بهذه الطريقة يرمي العرب الكرة الى الملعب المقابل، فيصبح على اسرائيل واجب ايجاد الذرائع اذا رفضت مثل هذا العرض الواضح والشامل، كما يصبح على الولايات المتحدة راعية اسرائيل وحاميتها ان تبرر هي ايضا موقفها في حالة رفض اسرائيل السلام واستمرارها في سياسة العنف ضد الشعب الفلسطيني. ولكن لكي يتم استخلاص اكبر اثر من الافكار السعودية فان عليها ان تتحول الى مبادرة عربية شاملة ووافية ومفصلة بجدولة زمنية محددة ومراحل تنفيذية تبادلية، تقترح لكل خطوة اسرائيلية باتجاه انجاز الانسحاب خطوة عربية مقابلة باتجاه الاعتراف. ان من الضروري والاساسي عدم ترك تفاصيل معينة او مشوشة لان ذلك يعطي اسرائيل مدخلا للتملص عن طريق طلب الايضاحات. كما من الضروري من اجل الضغط على اسرائيل وحلفائها ان تكون المبادرة العربية المبلورة للافكار السعودية محددة بسقف زمني معين، وليست مفتوحة وازلية كأن تعطي اسرائيل مهلة بضعة اشهر للموافقة او الرفض، ومن بعدها تسحب المبادرة عن الطاولة. ان مبادرة مفتوحة وازلية لا قيمة ضاغطة لها، بل تصب ان كانت كذلك في المصلحة الاسرائيلية، اذ سيناورر شارون عليها من خلال الادعاء بان تطرفه هو الذي اتى بالعرب، وان الزيادة في التطرف ستأتي بالمزيد لاحقا. على القمة العربية ان تقوم بما عليها القيام به من ضرورة ان يخرج عنها خطة محكمة تنقلنا من التلقي الى المبادرة، وليس بيانا شعاراتيا مستهلكا عفا على عبارته الزمن.