بيان الاربعاء: مرت العلاقات الايرانية الاسرائيلية بالكثير من الانعطافات، فبعد علاقة وطيدة ابان حكم الشاه محمد رضا بهلوي حيث نشأت علاقات تعاون متينة بين الجانبين عاد الوضع لينقلب الى عداء مستحكم عقب قيام الثورة في طهران ونشوء الجمهورية الاسلامية الايرانية. إلا ان موقف رجال الدين في إيران تجاه اسرائيل يعود الى فترة سبقت قيام الكيان الصهيوني، اذ وقف الكثيرون منهم ضد بيع الأراضي الفلسطينية كما أرسلوا متطوعين للجهاد في حرب 1948. وعند قيام الجمهورية الاسلامية الايرانية اتخذت السلطات مجموعة من القرارات الدالة على حدوث قطيعة تامة بين إيران واسرائيل، منها تحويل مبنى السفارة الاسرائيلية في طهران الى سفارة فلسطين ووقف امدادات النفط الايراني لاسرائيل ووقف حركة الطيران من تل أبيب واليها. وبالرغم من ان هناك مجموعة من النقاط الخلافية بين ايران واسرائيل، إلا ان موقف الطرفين في قضية التسوية في الشرق الأوسط وقضية التسلح يعتبر من النقاط الخلافية الأساسية، ايران من جهتها ترفض الاعتراف لا باسرائيل فحسب بل وبالاتفاقيات التي يوقعها الفلسطينيون مع الاسرائيليين، وايران أيدت ودعمت المقاومة الاسلامية ووقفت الى جانب الانتفاضة الفلسطينية واتخذت موقفاً مبدئياً من استقلال كامل أرض فلسطين. وفيما يتصل بقضية التسلح فإن ايران واسرائيل تنظران كل الى قدرات الآخر بشيء من الريبة والشك وقد ظهر هذا جلياً عندما أطلقت ايران الصاروخ شهاب ـ 3، إذ أعلنت اسرائيل عندها انها سترد وسيكون ردها سريعاً وربطت بين شهاب ـ 3 وسعي ايران لامتلاك الأسلحة النووية. ومن جانب آخر تعتقد إيران انها المعنية بتطوير القدرات العسكرية الاسرائيلية خاصة وهي تشمل طائرات بعيدة المدى، علاوة على اعتقادها ان الأسلحة النووية الاسرائيلية هدفها الأول هو إيران. وبرغم كل هذا العداء المعلن إلا ان مسيرة العلاقات الإيرانية الاسرائيلية لم تنقطع كلية، ففي عام 1980 ذكرت مصادر صحفية أمريكية ان اسرائيل باعت ايران أسلحة وقطع غيار طائرات لدعم موقفها العسكري في حربها ضد العراق والتي كانت لمصلحة اسرائيل. والحال هكذا وفي ضوء تراكم العداوات بين إيران واسرائيل كيف كانت جذور العلاقة بين الطرفين وما هي مواقف كل منهما تجاه القضايا محل الجدل وما هي طبيعة العلاقات التي تجمع بينهما في الوقت الراهن وكيف ينظر الواحد الى الآخر؟ اعترفت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي بإسرائيل، بل نسجت معها علاقات على كل الصعد..إذ وظفت إسرائيل رؤوس أموال طائلة في مجال الشرب والزراعة، وكذلك في الصناعات التجميعية والعسكرية، ومن جانبها كانت إيران تؤمن احتياجات إسرائيل النفطية، حتى إنها بلغت حوالي 90% من الاستهلاك الإسرائيلي، على جانب آخر شاركت إسرائيل في إنشاء هيئة الشرطة السرية الإيرانية «السافاك» عام 1957 عبر جهاز الموساد وتعاونه مع وكالة الاستخبارات الأمريكية. غير أن الوضع قد انقلب رأسًا على عقب مع قيام الثورة الإسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تقوم على أساس نظام حكم إسلامي، وتتضح أسباب هذا التغيير الكامل على ضوء موقف رجال الدين في إيران من إسرائيل الذي يعود إلى مرحلة ما قبل إسرائيل، وبدا واضحًا مع تولي الإمام الخميني مقاليد الحكم في الجمهورية الإسلامية. فقبل قيام دولة إسرائيل وقف رجال الدين أمثال محمد حسين آل كاشف ضد عمليات بيع الأراضي الفلسطينية لليهود، وأفتوا بوجوب اجتناب أصحابها ومقاطعتهم، بل إخراجهم من ملة الإسلام وزمرة المسلمين، كما أرسل هؤلاء متطوعين للجهاد في حرب 1948 وخصصوا قسمًا من زكاة الخمس لتمويل هذا الجهاد، كما عارضوا أيضًا تقسيم فلسطين، ووجه بعضهم برقية إلى عصبة الأمم المتحدة ووزارة الخارجية البريطانية سجلوا فيها موقفهم، ثم دأبوا بعد ذلك على التنديد بإسرائيل وسياساتها. أسلمة الصراع إلى جانب ذلك وصف الإمام الخميني وجود دولة إسرائيل بأنه جاء نتيجة لتآمر القوى الاستعمارية في الشرق والغرب، واعتبر الصراع مع إسرائيل عقائديًا وحضاريًا وليس مجرد صراع سياسي، وقد ربط الخميني وجود إسرائيل بنزعتها التوسعية التي اعتبرها تهديدًا لكل البلدان الإسلامية، كما أنه ربط أيضًا إسرائيل بالقوى الدولية المعادية للإسلام، حيث نظر إليها كأداة لتنفيذ ما أسماه (المخططات الشيطانية) للاستعمار ضد العالم الإسلامي. في ضوء هذا الإطار العام لم يكن غريبًا أن يرفع الخميني عقب قيام الثورة شعار «اليوم إيران وغدًا فلسطين»، كما حث المسلمين على دعم النضال المسلح للفلسطينيين وطالب بإنفاق أموال الزكاة لدعم هذا النضال، كما طالب بتقديم كل مساعدة للفلسطينيين المقاتلين لتحرير القدس، وقد اقترنت هذه الدعوة بحديث الخميني والقادة المفكرين للثورة الإيرانية بما أسموه «أسلمة» الصراع العربي الإسرائيلي ومطالبة القادة الفلسطينيين بإعلان أن ثورتهم إسلامية، وبمواصلة الكفاح المسلح دون الالتفات للمبادرات السياسية، وكان أحد الدوافع لذلك أن الخميني لم يعترف بوجوب استمرار دولة إسرائيل وبالتالي كان حديثه عن تحرير فلسطين يعني ـ من الوجهة النظرية على الأقل ـ كل فلسطين وليس مجرد الضفة الغربية والقطاع. إلى جانب ذلك أقدمت إيران على اتخاذ بعض الإجراءات العملية في مواجهة إسرائيل فبادرت بقطع علاقاتها مع تل أبيب، وتحويل مبنى السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة فلسطين بعد تعديل اسم الشارع الذي تقع فيه السفارة من «كاخ» إلى «فلسطين» كذلك أوقفت الجمهورية الإسلامية حركة الطيران من تل أبيب وإليها، وامتنعت عن تزويدها بالبترول، وشكلت لجانًا لدعم الثورة الفلسطينية، وخصصت يوم الجمعة الأخيرة من رمضان لتكون يومًا احتفاليًا بالقدس، ورفضت مختلف قرارات الأمم المتحدة مثل 242و338 كما رفضت اتفاقيات أوسلو وما تبعها من اتفاقيات. وبصفة عامة يشير بعض المحللين السياسيين الإيرانيين إلى أن الموقف الإيراني من إسرائيل يقوم على أساس شقين، الأول:أيديولوجي، والثاني سياسي واقعي، فإيران الأصولية والأيديولوجية لا يمكنها في يوم من الأيام أن تعترف بأي شكل من الأشكال بالدولة «العبرية ـ الإسرائيلية» أو تقر لها بأي حق في فلسطين، ولن تتعامل معها على أي مستوى من المستويات، غير أن إيران السياسية الواقعية ـ كما يشير هؤلاء ـ تدرك أيضًا أنها لا تستطيع أن تجبر العالم كله على قبول هذه السياسة، كما تعرف أن إسرائيل الدولة والكيان، حتى وإن كان مغتصبًا الأراضي الفلسطينية، بات أمرًا قائمًا على الأرض الفلسطينية، يتعامل معه كحقيقة واقعة أغلب الدول، من هنا فإن طهران الدولة وصانع القرار السياسي والدبلوماسي تقول: إن من حقها ألا تعترف بدولة إسرائيل، ومن حقها أن تعتبر أي تسوية مع هذا «الكيان» ليس سوى «صلح مؤقت» اضطر إليه العرب لن يؤدي إلى تحقيق السلام العادل والشامل. القضايا الخلافية في ضوء العرض السابق يتضح مدى سلبية العلاقة بين إيران وإسرائيل وهو ما يرجع بالطبع إلى وجود مجموعة من القضايا التي تثير الخلاف بين الجانبين، ولعل أبرز هذه القضايا ما يتعلق بالموقف الإيراني من عملية التسوية عمومًا ومن قوى المقاومة الإسلامية (حزب الله) والفلسطينية، أما القضية الأخرى فهي قضية التسلح حيث تنظر كل دولة للأخرى نظرة شك وريبة بسبب تلك القضية. الموقف الإيراني من التسوية كما سبقت الإشارة ترفض إيران الاعتراف بإسرائيل كما ترفض الموافقة على اتفاقات السلام التي يعقدها الفلسطينيون مع الإسرائيليين، ورغم أن إيران كانت قد أعلنت من قبل أنها رغم رفضها لعملية التسوية فإنها لن تحاول عرقلة أو تخريب هذه العملية، فإن الأمر الذي يقلق إسرائيل هو احتضان إيران ودعمها لقوى المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان (حزب الله) وفي الأراضي الفلسطينية الرافضة لعملية السلام لاسيما حماس والجهاد. وترجع الصلة بين إيران وتلك القوى إلى فترة ما بعد قيام الثورة الإسلامية حين عمدت إيران إلى نشر مفاهيمها بين صفوف التنظيمات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية (حماس ـ الجهاد)، كما سعت أيضًا إلى فتح اتصالات مع قيادات طلابية في غزة وعناصر سابقة من حركة فتح. وقد أكد المسئولون الإيرانيون تأييدهم ودعمهم لهذه التنظيمات، ففي لقاء تم في يناير عام 2001 بين مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله على خامنئي ورئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، أشار الأول بإيجابية بالغة إلى المقاومة الإسلامية (أي حزب الله) في لبنان، وإلى الانتفاضة الفلسطينية مشددًا على أن بلاده تقف إلى جانبهما ولن تتراجع عن خيارها «الشرعي والاستراتيجي في هذا الشأن»، ورأى المحللون آنذاك أن خامنئي بهذا الحديث قد أكد أن المقاومة الإسلامية في لبنان عنصر محوري ورئيس في المعادلة وأنه يجب أن يبقى بسلاحه وخياره وقوته «الضاربة». إلى جانب ذلك فإن تلميح خامنئي إلى ضرورة استمرار القوى الفلسطينية الوطنية والإسلامية التي تقود أو تشارك في الانتفاضة، إنما يعني أن المرشد يريد القول بأن تلك القوى هي «الفاعل» المحوري على الأرض، ولذلك ينبغي أن تستمر في الانتفاضة ومواجهة أي مفاوضات تجري بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. في هذا السياق دأبت إيران على استضافة مؤتمرات تجمع تلك التنظيمات، ومن ذلك مثلاً ذلك المؤتمر الذي عقد في أكتوبر 1991 بالموازاة مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، كما استضافت طهران أيضًا في أبريل عام 2001 مؤتمرًا آخر لدعم الانتفاضة الفلسطينية والتأكيد على جدوى عمليات الكفاح المسلح والمقاومة المسلحة في مواجهة إسرائيل، ويمكن القول أن هذا المؤتمر كان له عدة دلالات أبرزها: أنه كان يمثل خطوة ملموسة لتوحيد فصائل العمل السياسي الإسلامي في فلسطين، كما أنه عمل على توحيد مواقف الفصائل الفلسطينية المختلفة إزاء مواجهة إسرائيل. وبصفة عامة يرى المراقبون أن ذلك الموقف الإيراني الداعم لقوى المعارضة الإسلامية في لبنان وللتنظيمات الفلسطينية الرافضة لعملية السلام إنما يقوم على رؤية استراتيجية مفاداها تكوين مثلث فلسطيني لبناني إيراني هدفه إزالة إسرائيل من الوجود عبر المقاومة والانتفاضة، ويؤكد هؤلاء المراقبون أن هذه الرؤية تنطلق من اقتناع خامنئي بأن هذا النهج يصب في مصلحة بلاده ونظامها ويرسخ نفوذ إيران في المنطقة ولدى شعوبها، إذ يعتبر خامنئي أن «أحد أسباب النفوذ المعنوي للجمهورية الإسلامية هو الموقف المبدئي والحاسم للإمام الخميني والنظام الإسلامي في الدفاع عن الشعب الفلسطيني». ويشير المحللون إلى أن هذه الرؤية تتطابق مع رأى شائع لدى قيادات دينية وسياسية وعسكرية وأمنية في الحكم ترى أن أي فتور في الدور العملي، أو برود في الموقف الإيراني من التطورات الفلسطينية يلحق ضررًا بالغًا بسمعة الجمهورية الإسلامية ويشكك في مصداقية شعاراتها من القدس وفلسطين، ويخلص هؤلاء إلى أن أي تراجع في موقف طهران السياسي والعملي من شأنه أن يؤدي إلى ثلاث نتائج هي: تقلص حضور إيران لدى الشعوب العربية، وخروجها من المعادلة الإقليمية ومن اللعبة كرقم صعب حصلت عليه بفعل «حزب الله» في لبنان، ثم ظهور إيران في موقع المنسحب من المعركة بما يجعلها في موقف دفاع دائم أمام المبادرات «والهجمات» الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، وهو ما يدفع في النهاية إلى قيام واشنطن وتل أبيب بتطويق إيران واختراق محيطها أمنيًا وبالتالي استنزافها استراتيجيًا ومن ثم تهميشها كليًا في المنطقة. قضايا التسلح تنظر كل دولة إلى القدرات التسليحية التي تمتلكها الأخرى بشيء من الشك والريبة، حيث تعتبر كل منهما أن هذه القدرات موجهة إليها، وقد بدا القلق الإسرائيلي واضحًا عقب إعلان إيران إطلاق الصاروخ شهاب ـ 3 في يوليو 2000. فعقب الإعلان الإيراني أعلنت إسرائيل أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذا الصاروخ الذي يشكل تهديدًا لها، كما أعلنت أنها سترد وسيكون ردها سريعًا، حيث إنها لا يمكنها تجاهل ما تشكله إيران من خطر عليها ولاسيما أن إيران تجمع مزيجًا من العداء الإسرائيلي والقدرة في الوقت نفسه على إيذائها. وفي هذا السياق خرجت تصريحات المسئولين الإسرائيليين وكتابات المحللين والمعلقين السياسيين حيث ذكرت هآرتس في مقال لها (17/7/2000) أن الصاروخ (شهاب ـ 3) يوفر قدرة مضمونة على ضرب أهداف داخل إسرائيل، وأشار زئيف شيف (هآرتس 21/7/2000) إلى أن التغيير الذي أحدثه دخول شهاب ـ 3 كصاروخ باليستي في المنطقة هو أن إسرائيل لم تعد الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط المزودة بصاروخ أرض ـ أرض يتجاوز مداه ألف كيلو متر. إلى جانب ذلك ذكر يواف ليمور أن إيران تعمل على زيادة مدى الصاروخ شهاب ـ 3 ليرتفع من 1300 كم إلى 2000 كم، كما تواصل تطوير هذه الصواريخ بهدف إنتاج صاروخ بمدى 5000 كم، كما تريد أيضًا إطلاق قمر صناعي تجسسي إلى الفضاء. غير أن الأمر الخطير هو أن إسرائيل قد ربطت بين القيام بتصنيع الصاروخ شهاب ـ 3 وبين سعيها لامتلاك أسلحة نووية، فعقب نجاح تجربة الصاروخ الإيراني سارع نائب وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أفرايم سنيه إلى القول «إنهم يبنون ذلك الصاروخ أساسًا لتزويده برؤوس نووية خلال السنوات القليلة المقبلة»، وأعلن مسئول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى في 16يوليو 2000 أن إسرائيل تعتقد أن إيران ستبدأ في الحصول على قدرات نووية لأغراض عسكرية اعتبارًا من عام 2005، وأنه سيكون بوسعها وضع رؤوس نووية على صواريخ يمكنها الوصول إلى إسرائيل في غضون عشر سنوات، وبصفة عامة يمكن القول بأن إسرائيل دأبت منذ عام 1991 على الأقل على اتهام إيران بأنها تسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية. على الجانب المقابل تنظر إيران بريبة إلى التسلح الإسرائيلي المتزايد يوما بعد يوم بكل التقنيات الحربية الجديدة، وتعتقد أنها هي المقصودة بذلك خاصة أن القدرات العسكرية الإسرائيلية تشمل طائرات حربية حديثة من طراز «إف ـ 15» وهي طائرات بعيدة المدى تحلق ليلاً ونهارًا وفي كل الأحوال الجوية، هذا بالإضافة إلى تطوير 100طائرة «إف ـ 16» ستدخل الخدمة مع بداية العام القادم، وقد أكدت بعض المصادر أن تجربة إطلاق الصاروخ «أريحا ـ 2» التي أجرتها إسرائيل منتصف عام 2001 قد أقلقت الجانب الإيراني لأن الصاروخ سيكون مجهزًا برأس نووية. إضافة إلى ذلك تقول طهران إن الأسلحة النووية الإسرائيلية هدفها الأول هو إيران، وتبرهن على ذلك بقولها إن رقعة إسرائيل الصغيرة والمحدودة تجعل استخدام هذه الأسلحة ضد دول مثل سوريا أو لبنان سببًا في تعرض إسرائيل ذاتها إلى الإشعاعات النووية الخطيرة، في حين أن استخدام هذه الأسلحة ضد دول بعيدة كإيران سيجنب إسرائيل تعرضها لتلك الاشعاعات، وانطلاقًا من ذلك تعتبر إيران أن الأسلحة النووية الإسرائيلية تهديد خطير لأمنها القومي.. فما دامت إسرائيل تصنع مثل هذه الأسلحة فسيكون عليها استخدامها ب«وسائل مفيدة» والمبررات الاستراتيجية تملي أن يتم هذا الاستخدام في منطقة خارج دائرة قطرها 500 كيلو متر، وإيران تقع بالتحديد في هذه المنطقة. العلاقات الراهنة تهديد متبادل قبل الإشارة إلى طبيعة العلاقات الإيرانية ـ الإسرائيلية الراهنة يجب التعرض أولاً لأحد المواقف الإسرائيلية التي أثارت استغراب الكثيرين، ألا وهو مناشدة رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك، سكرتير عام الأمم المتحدة كوفي عنان أثناء قمة الألفية بالتوسط لعودة العلاقات بين بلاده والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ورغم أن شيئًا من ذلك لم يحدث إلا أن «سهراب صبحاني» الخبير السياسي الإيراني المقيم في الولايات المتحدة قد أكد أن هذه «المناشدة» الإسرائيلية لم تكن سوى «تتويج علني» لجهود سرية متعددة تجري في الخفاء حاولت تل أبيب خلالها استعادة علاقاتها السياسية مع إيران أو على الأقل كسرشوكة الخطر الذي تمثله طهران لإسرائيل في الشرق الأوسط. وقد أشار «صبحاني» إلى أن مسيرة العلاقات الإيرانية الإسرائيلية لم تنقطع فيها الخيوط كلية بين البلدين وبصفة خاصة خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، ففي عام 1980 سجلت دورية «واشنطن ريبورت» صفقة أسلحة بقيمة 500مليون دولار باعتها إسرائيل لإيران واشتملت على قطع غيار طائرات الفانتوم «اف 4» وفي عام 1981 لعب تاجر السلاح الإسرائيلي يعقوب نمرودي دوراً كبيراً في صفقات أسلحة بين طهران وتل أبيب تسلمت بموجبها إيران شحنات كبيرة من صواريخ «الهاون» وفي عام 1982تسلمت إيران شحنات أسلحة جديدة من خلال صفقة مع إسرائيل عقدها تاجر سلاح يهودي يُدعى فاروق عزيزي مقيم في فيينا، كما اشترت في العام نفسه صواريخ جوية من نوع «سايدونيور» و40ألف هاون وحوالي 1000جهاز تليفون للاتصالات العسكرية وذلك حسبما أوردت صحيفة «التايمز» في 25 يوليو 1983، وفي عام 1986 باعت تل أبيب لطهران 2800صاروخ «TOM» وما يزيد على ألفي صاروخ مضاد للطائرات. وأيًا ما كانت مدى صحة هذه المعلومات فإنها قد لا تكون مؤشرًا على رغبة إيرانية ـ على الأقل ـ في تحسين العلاقات مع إسرائيل، فمن المعروف أن إيران كانت في حاجة للسلاح في حربها مع العراق وبالتالي فإنه في هذه الحالة لا يهم المصدر كثيراً، إلى جانب ذلك فإن الحرب الإيرانية العراقية كانت تصب في مصلحة إسرائيل الخاصة وبالتالي فإن من مصلحة إسرائيل أن تستمر هذه الحرب لأطول فترة ممكنة، ومن هنا كان الإمداد الإسرائيلي لإيران بالأسلحة. ومن الملاحظ أن مناشدة باراك المشار إليها لم تثمر أي نتائج لاسيما مع تفجر انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 ودعم إيران لهذه الانتفاضة وبالتالي استمر التوتر في العلاقات بين البلدين، وفي هذا السياق يمكن الإشارة فيما يلي لرؤية كل طرف للآخر على أنه مصدر تهديد له. اسرائيل من منظور ايراني ثمة اتفاق داخل إيران على أن إسرائيل هي أحد مصادر الخطر الحقيقي الذي يهدد الجمهورية الإسلامية، إلى جانب ذلك تعتبر إيران إسرائيل منافسًا إقليميًا فعالاً يعكف على تفحص قدرتها السياسية والعسكرية وتخريب إنجازاتها، وهناك اقتناع لدى قادة الجيش والسياسيين بأن إسرائيل تخطط لمواجهة بلادهم، فضلاً عن ذلك تصور جميع المؤسسات الأمنية إسرائيل بلداً معادياً يملك القدرة والوسائل والموارد التي تجعله يشكل تهديدًا خطيراً لأمن إيران. من جهة أخرى ترى إيران أن إسرائيل قائمة برمتها على جذور عسكرية توسعية بحتة، وهي تعاونت بشكل دقيق مع نظام الشاه السابق، كما تتعاون الآن مع الولايات المتحدة لنسف الأيديولوجية السياسية للنظام الإسلامي الإيراني، باختصار يرى الإيرانيون أن إسرائيل تشكل خطراً داهماً على الأمن القومي للنظام الإسلامي، في هذا السياق تتعامل إيران مع التهديدات الإسرائيلية باستهداف مفاعل بوشهر على غرار تجربة قصف وتدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981 ـ بجدية تامة لاسيما بعد وصول إسرائيل إلى الحدود الإيرانية إثر إبرام الحلف العسكري مع تركيا وإمكان استخدام تل أبيب للقواعد التركية. على جانب آخر تنظر إيران بريب للنشاط الإسرائيلي سواء في تركيا أو شبه القارة الهندية، ولاشك أن تطور العلاقات التركية ـ الإسرائيلية وخصوصًا منذ منتصف التسعينيات أصبح يمثل عنصر ضغط على صانع القرار الإيراني، خاصة أن هذه العلاقة تكتسب أبعادًا جديدة بشكل مستمر، ومما يؤكد الشكوك الإيرانية، ما أشارت إليه بعض المصادر الأوروبية من أن التعاون الاستراتيجي التركي ـ الإسرائيلي يهدف فيما يهدف إلى إعطاء تل أبيب إمكانيات أكبر للرد على أي خطر إيراني عليها. وتضيف المصادر أن التعاون التركي ـ الإسرائيلي قد تطور إلى حد إمداد تل أبيب للأتراك بعدد من المخططات التي أعدت سابقًا لضرب المفاعل النووي الإيراني وقواعد الصواريخ المتوسطة المدى. إيران من منظور اسرائيلي ترى إسرائيل أن إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي تطالب علناً بتدمير إسرائيل، وفي هذا السياق يجمع الإسرائيليون على أن الهدف من التسلح الإيراني هو تدميرهم، ويتذكر هؤلاء أن ثورة الإمام الخميني رفعت في أيامها الأولى أول شعار لتدمير الدولة العبرية ولم تسقطه. إلى جانب ذلك تعتبر إسرائيل النظام الإيراني خطرًا سياسيًا واستراتيجيًا، فهو يقف إلى جانب سوريا في الصراع العربي الإسرائيلي، ويدعم حزب الله الذي هزم القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ويقدم مساندة «مباشرة» إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، كما أن النظام الإيراني يوجه دعمه المالي واللوجيستي لشبكات «الإرهاب الدولي» محولاً طهران إلى «كومونترن الإرهاب الإسلامي المتطرف»، كما أنه يعمل على خلق حالة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط ونسف عملية السلام. ووفقاً لشاؤل موفاز رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، فإن الإيرانيين يهددون أمن إسرائيل على ثلاثة مستويات هي: سعيهم للحصول على أسلحة وصورايخ طويلة المدى، إرسالهم الصواريخ من طراز كاتيوشا إلى حزب الله في جنوب لبنان وقوات الحرس الثوري المنتشرين هناك، ودعمهم للمنظمات الإرهابية وبالأخص حزب الله، والتي قد تشن هجومًا على المناطق الشمالية من إسرائيل. في ضوء رؤية العداء المتبادل بين كل من إيران وإسرائيل حدثت ثلاثة تطورات ساهمت في تعزيز الشكوك المتبادلة بين البلدين، الأول، وقع في أواخر التسعينيات حين حصلت إسرائيل على غواصات دولفين الألمانية الصنع التي تمكنها من امتلاك قدرات الضربة النووية الثانية، والتطور الثاني، حدث في سبتمبر 1998 حين جربت إسرائيل بنجاح الصاروخ «أرو ـ 2» المضاد للصواريخ والذي كان أحد أهدافه إسقاط «شهاب ـ 3»، والتطور الثالث كان إعلان الرئيس خاتمي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2000 «أننا قد أعربنا مراراً وتكراراً عن قلقلنا من أن إسرائيل قد أصبحت مركزاً للأسلحة النووية ولأسلحة الدمار الشامل، ونحن نعلن هنا أن من حقنا أيضًا الدفاع عن أنفسنا»، وهو ما تم تفسيره على أن إيران لن تعتبر نفسها معنية بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ما لم تلتزم إسرائيل بذلك