يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يتضمن عرضاً لجانب من الآراء الجريئة والصريحة التي يطرحها مؤلفه حول نقد الديمقراطية في مفهومها الغربي وأسرار الحرب الشعواء التي يشنها البعض في الاعلام الغربي ومحاولتهم المشبوهة ربط الارهاب بالمسلمين. ويلقي الكتاب الضوء على خطورة التحديات التي فرضها عصر المعلومات والعولمة، ويدعو الى ضرورة الأخذ بأسباب التقنية وفي الوقت نفسه استلهام العبر والدروس من الماضي الاسلامي العريق. ومؤلف الكتاب أشهر من أن يتم التعريف به، فهو رئيس الوزراء الرابع لماليزيا، وقد لعب دوراً بالغ الأهمية في مسيرة بلاده باتجاه تحقيق «رؤية 2020» الهادفة الى تحويل ماليزيا الى دولة متطورة حقاً، وقد شغل هذا المنصب منذ 16 يوليو 1981 ويعد من أبرز القادة على المسرح السياسي العالمي. وأصدر في عام 1970 كتابه «المعضلة الميلاوية» وأعقبه في 1956 بكتابه «التحدي» وفي 1999 أصدر كتابه «خطة جديدة لآسيا». لا يتردد المؤلف دكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا في فتح النار على العولمة ووصفها بأنها اختراع من بنات أفكار دول شمال الأطلسي، أعد لزيادة ثروة أهل تلك البلدان وتعزيز هيمنتهم التي فرضوها منذ زمن بعيد على الشعوب الأخرى في مختلف بقاع العالم. لقد فرضت تلك البلدان هيمنتها على العالم منذ مدة بعيدة، لكنها مازالت تسعى في الوقت الحالي الى إحكام سيطرتها وتعزيز قبضتها بما يكفل لها عدم بروز أي منافس حقيقي، سواء من البلدان الكبرى في شرق آسيا أو حتى من الدول الإسلامية التي لم تفق من غفوتها بعد. لقد أثبتت الوقائع التاريخية أن الشعوب الاوروبية بطبيعتها تنطوي دائماً على نزعة عدوانية وتتملّكها روح السيطرة على حقوق ومقدرات وأراضي الآخرين. ولم يقتصر الأمر تاريخياً على إخضاع الدول الآسيوية والإفريقية وفي الأمريكتين، للحكم الاوروبي الاستعماري المستبدّ والوحشي المباشر فحسب، بل تم استغلال ثروات وموارد تلك الدول ونهبها لتنمية وتعزيز البلدان المستعمِرة. وقد افترض الاوروبيون في الأجناس الأخرى في مختلف بقاع العالم، أنها وضيعة ومتخلفة، وتعاملوا معها من هذا المنطلق، حتى انهم أبادوا فيها بعض المجموعات. كان الاوروبيون على سبيل المثال يقتلون السكان الأصليين في استراليا المعروفين باسم (الأبورجين) على الملأ بشكل لا يختلف عن قتل الحيوانات، وتسببوا في انقراض إنسان تسمانيا المنسوب الى ولاية تسمانيا بالكومنولث الأسترالي. لم يتجرأ أحد في ذلك الوقت على التحدث، ولو بالصدفة، عن حقوق الإنسان لأن ذلك كان يتعارض تماماً مع مصالحهم وأهدافهم الخاصة. وبنهاية الحرب العالمية الثانية، بدأ الاوروبيون يتخلون تدريجياً عن سيطرتهم على البلدان الأخرى بمنحها الاستقلال، لكن ذلك لم ينبع أبداً من تغيير في ذهنيتهم التوسعية، كما حاولوا الإيحاء لضحاياهم، لكنهم كانوا في الواقع يخشون من أن تشق الشعوب المضطهدة عصا الطاعة عليهم بالتمرد والانضمام الى المعسكر الاشتراكي الذي برز آنذاك كبديل آخر، في غمرة المواجهة بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي، فيما عُرف بالحرب الباردة. ولا بدّ من الإشارة في هذا المقام الى أن الاوروبيين المستعمرين لم يتخلوا أبداً عن فكرة الهيمنة. ففي أثناء انسحابهم من المستعمرات الواحدة تلو الأخرى، كانوا يقومون بتعضيد نفوذهم بما يضمن لهم استمرار الهيمنة على العالم، وبعد ذلك أدركوا الحاجة الى تقارب بعضهم من بعض، فشكلوا المجموعة الاقتصادية الاوروبية التي تحولت في وقت لاحق الى الاتحاد الاوروبي، كما انهم كوّنوا منظمة معاهدة شمال الأطلسي المعروفة بحلف شمال الأطلسي (الناتو) وعندما انتهت الحرب الباردة بانهيار المعسكر الاشتراكي، اقتضت مصالحهم أن يندمجوا، فصاروا الآن كياناً اوروبياً أكثر تماسكاً تقوده الدول السبع الأقوى في العالم. يكشّر الغربيون في الوقت الحالي عن أنيابهم، ويكشفون نواياهم الرأسمالية الكالحة. فبعد أن اطمأنوا الى أن الشيوعية لم تعد تشكل خطراً يهدد مصالحهم، طرحوا «عقيدتهم» الجديدة مُمثّلة في حرية التجارة التي أصبحت تُشكل لهم كل شئ لأنها، بحسب زعمهم، ستؤدي الى جلب الثراء لكل البشرية وسوف تحقق جنّة الله على الأرض، لكن كثيراً من الناس تناسوا وعوداً مماثلة قطعها البعض بجعل الدنيا فردوساً عندما كانوا يبشّرون بالشيوعية والمساواة المطلقة. الآن عاد الغربيون يبشرون من جديد بالوعود ذاتها، ويبدو أن بعضنا مازال على استعداد لأخذ الأكاذيب الغربية على محمل الجد؟. وهم حرية التجارة إن حرية التجارة التي يروّج لها الغرب الاستعماري، تعني رفع أو إزالة الحواجز التجارية كافة بما يسمح للسلع والخدمات بالتدفق عبر الحدود من دون عائق. وتوصف حرية التجارة على أنها بمثابة تسوية وتهيئة أرض الملعب، وهو أمر يُفهم من ظاهره أنه يكفل منافسة عادلة للاعبين، لكن المفارقة تكمن في تعمّد تلك الأصوات إغفال التحدث أو الإفصاح عن حجم وقدرات اللاعبين. ويبدو أن تلك الوعود أصبحت بمثابة عامل مُخدّر للشعوب، إذ أن دولاً فقيرة عديدة أخذت تتحدث عن تهيئة المسرح لتحرير التجارة، متناسية أنها لا تملك شركات أو مؤسسات عملاقة ولا مصارف ضخمة، ولا منتجات تؤهلها للمنافسة من خلال عرض بضاعتها في الأسواق. ومن الواضح أن اولئك الذين يملكون المال والمنتجات هم وحدهم القادرون على فرض سيطرتهم ومنتجاتهم على الأسواق. إن قضية تحرير التجارة التي لم تكشف أبعادها الخطيرة عند بدايات طرحها، اكتسبت نوعاً من القدسية عبر الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (جات) ومنظمة التجارة العالمية. كما وجدت في الوقت نفسه دعماً وترويجاً كبيرين من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووسائل الإعلام الدولية الخاضعة للسيطرة الغربية. ويُلاحظ أن تلك الجهات درجت على تصوير كل مُعارض لتحرير التجارة على أنه مُهرطق وكافر يعمل على عدم إسعاد الفقراء ويسعى لإبقائهم في حالة دائمة من العوز والفقر والتعاسة.! لم تكشف الأيام عن الأبعاد الحقيقية المُدمّرة لحرية التجارة، الى أن بلغت حرية الاتجار بالعملات ذروتها بالمأساة التي ضربت في صيف عام 1997 منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، مُمثلةً بالأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة. فقد انهارت تلك الاقتصاديات الغنية الناشئة فجأة ومن دون مقدمات بسبب تخفيض قيمة عملاتها والاتجار بها لجني الأرباح الطائلة. وزعم التجار المضاربون بالعملات أن النظم الاقتصادية «للنمور» الآسيوية صدئة وفاسدة تُلوّثها الممارسات القائمة على المحاباة والمحسوبية، الأمر الذي تسبّب بتدهور قيمة عملات هذه الدول من تلقاء نفسها. غير أن الواقع ليس كذلك، إذ وجد المضاربون بالعملات فرصة سانحة لجني ومراكمة أرباح هائلة من خلال تخفيض عملات النمور الآسيوية. وقد حصد هؤلاء المغامرون مليارات الدولارات في لمح البصر، لا لاستثمار أقاموه ولا رأسمال وظّفوه، بل بواسطة تدمير ثروة بذلت شعوب هذه المنطقة تضحيات جسيمة لمراكمتها عبر عقود عديدة من الزمن. الأخطر من ذلك، أن الأزمة المالية الاقتصادية في بلدان النمور الآسيوية تسببت بإفقار شعوب هذه البلدان، وألقت بالملايين منهم في الشوارع ودفعتهم الى الركون الى أعمال الشغب والتظاهرات والتي تفاقمت واتسعت، حتى أدت الى مقتل عدد كبير من المواطنين في مختلف دول المنطقة، وأطاحت بحكومات بأسرها. وعلى الرغم من وقوع هذه الأزمة في صيف عام 1997، فإن شرائح واسعة من المواطنين الذين كانوا أغنياء قبيل ذلك، مازالوا حتى يومنا هذا يتخبطون على غير هدى بسبب الفقر وانعدام التوازن والاستقرار. من الواضح أن تحرير التجارة وما تمخّض عنه من مآسٍ غير مسبوقة بمنطقة شرق وجنوب شرق آسيا، والذي يقف شاهداً لا يدحض على المخاطر الحقيقية لتلك العملية، لم يكن كافياً لإقناع بعض الفئات بأن هذه التجربة لا تشكل مطلقاً حلاً للصعوبات الاقتصادية للدول الفقيرة وشعوبها. دعونا نقف قليلاً للأسف الشديد، نجد ان قضية تحرير التجارة بمآسيها التي شهدناها، قد تمّ تطويرها بمسمّى جديد هو العولمة التي تعني عالماً من دون حدود أو حواجز. ويحاول الغربيون مرة اخرى أن يسوّقوا لنا هذه الصيغة العولمة على أنها سوق تجلب الثراء لكل الناس في كل شبر من المعمورة!! دعونا نقف قليلاً لنتفحص محتويات العولمة. هذه العملية تشتمل من بين جوانب عديدة، على ممارسة الأنشطة (التجارية والاقتصادية) بدون أن تكون للدولة ولاية او سيادة على اقليمها الجغرافي القُطري الذي يصير مجرد اسم يُطلق على منطقة بعينها على خارطة المعمورة. لذلك فإن الدولة القُطرية تصبح عاجزة تماما عن تحصين نفسها من وراء حدودها لوقف أو منع جحافل الغزاة المقبلين من الدول الغنية، من أن يدمروا مؤسساتها النامية وبنوكها وصناعتها الناشئة، إلى أن يتمّ الإجهاز عليها تماماً. هذا الغزو السافر يتمّ التمهيد له من خلال الآلة الإعلامية الغربية الرهيبة، التي تروّج له بالقول إن احتكار الشركات الأجنبية العملاقة للأنشطة الاقتصادية في البلدان النامية والفقيرة، سيؤدي الى رفع الكفاءة والارتقاء بنوعية المنتجات والخدمات التي يتلقاها مواطنو البلد المستهدف، وتحسين المستوى المعيشي والحياتي بوجه عام. نعم، ربما يتحسن مستوانا المعيشي، وربما نكسب مزيداً من النقود، لكننا قطعاً سنصبح خَدَماً للأجانب. بيد أن المأساة لا تكمن في هذا الجانب فحسب، فالأسوأ من ذلك ان هذه الأعمال التجارية الضخمة ستسيطر على اقتصادنا تماماً، وتزحف في وقت لاحق لبسط هيمنتها على حكوماتنا. هذه الوضعية سوف تجعل من بلداننا أسوأ من «جمهوريات الموز» حيث يكون أصحاب المؤسسات الأجنبية أقوى وأكثر نفوذاً من قادة تلك البلدان ورؤساء حكوماتها. ولا شك في أن مالكي هذه المؤسسات العملاقة سيحددون بمفردهم من يحكمنا من قادة ورؤساء حكومات. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يجوز لنا في هذه الحالة أن نقول إن بلداننا مستقلة ومكتملة السيادة؟! بالطبع لا يمكن لعاقل أن يدّعي ذلك، ولا يمكن له أن يزعم أننا نقرّر مصائرنا ومصائر شعوبنا وبلداننا بما نشاء. نحن في هذه الحالة نكون عملياً قد عدنا القهقرى دورة كاملة لنخضع مجدداً للاستعمار الاوروبي. ويخلص المؤلف الى القول إنه متى جاء الاوروبيون بفكرة ما، فإنها لا تعني غير تكريس هيمنتهم على العالم. وعليه فإن العولمة من بنات أفكارهم، وسنرى كيف أنها تصبّ في اتجاه يكرّس إعادة بناء امبراطوريتهم العالمية. ونشير هنا الى أن الدول النامية ستدفع ثمناً باهظاً إذا ما استمرت في الأخذ بكل ما يأتي من اوروبا من رؤى وأفكار من دون فحصها بعين بصيرة ناقدة. وانطلاقاً من حقيقة كونها بلداناً نامية، فإن الدول الإسلامية جميعها ستصير في يوم من الأيام جزءاً من امبراطورية شمال الأطلسي إذا ما سارت العولمة بمفاهيمها المطروحة، والتي نراها ماثلة أمامنا في الوقت الحالي. وتقتضي المصلحة أن نقرّ بأن الصورة مروّعة دون أدنى مبالغة، ذلك أن الدول الإسلامية كافة ضعيفة ولا يوجد بينها بلد يمتلك الأسباب التي تمكنه من التأثير على الشئون الدولية. لقد مضى الآن قرن كامل والمسلمون يعانون في صمت من القهر والاضطهاد. هذه الوضعية المأساوية تنطبق تماماً على ما يجري حالياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فنحن نشاهد يومياً على شاشات التلفزيون جنود الاحتلال الاسرائيلي يتصدّون بالطلقات الرصاصية الحية للأطفال الفلسطينيين الذين يلقون الحجارة عليهم. في المقابل نجد أن أكثر من مليار مسلم يقفون مكتوفي الأيدي يتفرجون على ما يجري في فلسطين، اللهم إلا من مناشدات للمجتمع الدولي واللاعبين الأساسيين على المسرح العالمي، للتحرك لوضع حدّ لهذه المذابح. لكن لسخرية القدر، ان ردود الفعل الصادرة عن تلك الجهات تطالب المسلمين بالتحرك لوقف «العنف» الفلسطيني، بمنع الأطفال من رشق الاسرائيليين بالحجارة أولاً قبل التحدث عن العنف الاسرائيلي الذي يأتي، بحسب رأيها، في سياق «الدفاع» عن الجنود والمستوطنين الصهاينة! هذه حالة شاذة كوْنها تعني أن ردّ الفعل الطبيعي لأي جندي أو شخص ما يتعرض للرشق بالحجارة، أن يضغط على زناد بندقيته ويلقي بالشخص الآخر صريعاً! ومع ذلك فإن هذه الجهات التي تدافع عن أعمال التقتيل والبطش والتعذيب التي تمارسها قوات الاحتلال الاسرائيلي ضد الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين العزل، تتحدث في الوقت نفسه وباستمرار، عن حقوق الإنسان والعدالة وحُكم القانون!! الوجه الكالح للعولمة لقد ركّزتُ على الوجه الكالح للعولمة وكيف أنها يمكن أن تكون سبباً في قمعنا والرجوع بنا القهقرى، لنعود خدَماً للمستعمرين الأغنياء. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تنتهي هذه العملية الى هذه النتائج السالبة في كل الحالات. بمعنى أن العولمة يمكن أن تكون بعكس تلك الصورة وتتمخّض عن نتائج تصب في مصالحنا وخدمة قضايانا كدول اسلامية وبلدان نامية. ولكي نُسخر العولمة لتحقيق مصالحنا وخدمة قضايانا، علينا أولاً أن نُشخص ونستوعب تماماً الكيفية والأدوات التي تعمل بها في ضوء التفسيرات والمفاهيم المتوفرة عن هذه الظاهرة في وقتنا الحالي. هذه النقطة حاسمة ومهمة، ولنأخذ التجرية الماليزية لندلّل على أهميتها. فعندما تعرضت بلادنا لهجوم تجار العملات في صيف عام 1997، أغشتنا الصدمة لأننا اكتشفنا في وقت حرج جداً مدى جهلنا وعدم إلمامنا بالأنظمة المالية الدولية وكيف يتمّ الإتجار بالعملات وكيف يتمّ تحويلها من دون نقْل فلس واحد!! نحن نطالع في الوقت الحالي أن مئات المليارات من الدولارات يتمّ تسديدها لشركات من قِبل أُخريات ترغب في النمو السريع والتوسع بواسطة الاكتساب (دمج شركات أخرى). كما نقرأ عن اندماج شركات ومؤسسات عملاقة لتكون عملاقة أكثر من وضعها الذي هي فيه، لكننا نجهل الكيفية التي يفعلون بها ذلك، ومن أين يأتون بتلك الأموال الهائلة. هؤلاء المضاربون أفلحوا بايجاد أساليب وابتكارات اخرى مكّنتهم من توظيف مبالغ طائلة من الأموال لخدمة مصالحهم. وإذا كنا نحن على علم مسبق ودراية كافية بهذه السبل والصفقات، لتسنّى لنا لعب دور مماثل وفق القوانين والنظم الخاصة بنا، ولربما كان بإمكاننا اختراق شبكاتهم على الأقل على النحو الذي تتسلّل به الفيروسات، لشلّ قدراتهم وحركتهم، وبثّ اليأس. وقد يبدو لنا أن هذه الشركات من الضخامة بما يوحي بأنها مُحصنة ضد أي محاولة استهدافية، غير أن الحجم لم يكن كافياً في أي يوم من الأيام لمنع الفشل. هذه المجموعات يمكن أن تفشل مثلما يحدث في عدد كبير من الحالات، ويمكن أن تخسر تريليونات الدولارات وتدمّر نفسها بنفسها. هل نهدر الفرصة مجدداً؟ نحن نشهد في وقتنا الحالي بزوغ فجر عصر المعلومات في كل مكان، لكن يبدو أن المسلمين سيضيّعون للمرة الثانية فرصة الإفادة من الثورة المعلوماتية بمثل ما سبق لهم أن فرّطوا في المساهمة والإفادة من الثورة الصناعية، وللأسباب نفسها إذ أنهم مازالوا منشغلين بخصوماتهم الجانبية التافهة، من دون إعارة القضايا والتحدّيات الجوهرية الاهتمام الذي تستحق. ومما يُؤسف له حقاً أننا كمسلمين نملك قدرات وطاقات لا حدّ لها من شأنها أن تتيح لنا المساهمة في تطوير تقنية المعلومات وفي تطبيقاتها اللامحدودة، لكننا مازلنا مكتفين بدور المُستهلِك. هناك، بالطبع، عدد كبير من العلماء والخبراء المسلمين الماهرين والمؤهّلين تأهيلاً عالياً في مجالات علمية وتكنولوجية متطورة، غير أنهم يعيشون حالياً ببلدان شمال الأطلسي. هؤلاء الخبراء والعلماء لم يختاروا الإقامة خارج بلدانهم الأصلية طواعيةً، لكنهم لم يجدوا البيئة والمناخ الملائمين للبحث العلمي والتقني، فاختاروا الهجرة الى أرض الله الواسعة، حيث يتوفر ما يفي بحاجاتهم البحثية وتطلّعاتهم الإنسانية. لذلك نجد أن أبناء أمتنا واخواننا في العقيدة يساهمون من دون اختيارهم في بعض الأحيان، ببناء الرصيد المعرفي والمهارات ذات الصلة بعصر المعلومات في بلدان أجنبية قد تلجأ في يوم من الأيام الى استخدام تلك الحصيلة المعرفية والتقنية ضد البلدان الأصلية للعلماء الذين أنتجوها.الفرصة على أي حال، مازالت مُتاحة أمامنا لإغراء هؤلاء العلماء والخبراء للعودة الى بلداننا للإفادة من مهاراتهم وإمكاناتهم التقنية العالية في تطوير وتعزيز قدراتنا في مجال تقنية المعلومات، بما يُمكّننا من مجابهة النتائج السالبة المترتبة على العولمة على دولنا ودرئها. السؤال الجوهري الذي يطرحه المؤلف في هذا السياق هو: هل سيتراجع المسلمون ويفقدون دورهم في ظلّ أمة كونية واحدة بعيداً عن الدول القُطرية، بما فيها الدول الإسلامية؟ الإجابة بالإيجاب طبعاً. إذا ما اكتفى المسلمون بدور المتفرج على ما يجري من أحداث وتطورات متسارعة على الصعيد العالمي. ويستحسن في هذا المقام أن نقف عند بعض الحقائق المهمة، إذ أن عديد المسلمين في العالم بلغ في الوقت الحالي نحو مليار نسمة، بمعنى أن هناك شخصا مسلماً من بين كل ستة أشخاص في المعمورة. غير أن المشكلة الحقيقية تتمثل بتجاهل المسلمين لمبدأ الأخوة الإسلامية. وفيما يسعى غير المسلمين الى التوحّد وتعضيد قوتهم ومنعتهم، فاننا في البلاد الإسلامية لا نأبه بمزيد من التمزّق والتشتّت ولا نعمل شيئاً لوضع حد لما يجلب الشحناء والبغضاء بيننا ويُوسّع الشقّة بين صفوفنا. إن المسلمين مواجهون بتحدّيات ضخمة ومُروّعة، ذلك أن تجلّيات العولمة التي نلحظها بعيوننا حالياً، تُشكّل خطراً وتهديداً على المسلمين ودينهم الذي هو الرسالة المحمدية الخاتمة. نحن مطالبون بألا ننفث غضبنا وإحباطاتنا بالركون الى أساليب العنف المعزول غير المُجدي. وبدلاً عن ذلك، ينبغي علينا أن نلجأ الى التخطيط وإحداث التنمية على مستوى البلدان الإسلامية، بما يُمكّننا من التسلّح بتقنية المعلومات وامتلاك القدرات الضرورية لمعالجة التحدّيات التي يطرحها عصر المعلومات في كل يوم.