بات التطور المذهل والسريع لوسائل الاتصال يفرض نفسه على العالم بقوة نتيجة القدرة التي أصبحت تمتلكها على اجتياز الحدود والمسافات والدخول الى كل بيت ومكان في هذا العالم، الأمر الذي يكشف عن أهمية الدور الذي بات الاعلامي يلعبه في صناعة العقول والتأثير فيها، وقد أضحت هذه الحقيقة من البديهيات المسلم بها على الرغم من انها كانت لسنوات ضرباً من ضروب الخيال. من هنا فان بناء اعلام قوي متطور بات من أهم ضرورات الوجود الحضاري لكي يكون قادراً على المساهمة الفعالة في بناء المجتمع المتماسك خاصة وان الاعلام أصبح من أهم الضروريات الحياتية للانسان المتحضر لذلك كان من الضروري تسليط الضوء على واقع الصحافة المحلية التي تصدر في المحافظات السورية. ان هذا التخصيص لمصطلح الصحافة المحلية واقتصاره على الصحافة المكتوبة سببه ان المراكز الاذاعية والتلفزيونية ترتبط بالمديرية العامة للاذاعة والتلفزيون حيث ان ذلك يجعل هذه المراكز ترتبط بالقناة الأم مما يحرمها من الشخصية المستقلة التي تتيح لها التنافس في لعب الدور الابداعي المفترض. لقد لعبت الصحافة الدمشقية دورا مهما ومؤثراً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية رغم ضعف الامكانات أما فيما يخص الصحف الأربع التي تصدر في المحافظات ك«الفداء، الجماهير، والوحدة، والعروبة» فقد بقيت النظرة اليها محدودة وظلت شعبيتها دون الحد المقبول ويعود ذلك الى أسباب عديدة منها التأخر في تحديث وتطوير أسلوب الطباعة والاخراج ولم يتطور ذلك الا في السنوات الأخيرة. كذلك هناك التأخر في زيادة عدد الصفحات حيث اقتصرت على أربع صفحات احتلت الاعلانات فيها القسم الأكبر تاركة ما تبقى لمواضيع لا ترقى في الغالب من حيث المضمون والشكل الى المستوى المناسب وهناك الضحالة في الامكانات وتقليص حجم الطاقات المادية والبشرية وعدم الالتزام بالمعايير الموضوعية لانتقاء المادة المرشحة للنشر أحيانا اذ تتدخل الاعتبارات الشخصية والمزاجية والمحسوبيات في ذلك. ولعل الارتباط العضوي لهذه الصحف الأربع بادارة مركزية يسلب ادارات هذه الصحف حرية القرار وفرصة التوظيف الأمثل للطاقات المادية كما ان الانخفاض الشديد في أجور المكافآت المادية ومحدودية انتشار هذه الصحف وتفشي الاخطاء الطباعية تزيد من مشكلة هذه الصحف التي باتت تفتقر الى المادة التي تشد اليها القارئ. ان اقتصار عدد الصحف المحلية في كل محافظة على صحيفة واحدة يحد من امكانية المنافسة والابداع لان وجود أكثر من صحيفة يزيد من فرص التنافس فيما بينها والجدير بالذكر ان هذه الصحف صدرت في مراحل مختلفة فصحيفة «الجماهير» اليومية الحلبية تأسست في الاول من مارس 1965 وصاحب امتيازها «مؤسسة الوحدة للطباعة والنشر» وقد بدأت الصدور بأربع صفحات وتمت مضاعفة عدد صفحاتها في السنوات الأخيرة فصارت ثماني صفحات، وخصصت الصفحة الأولى فيها للأخبار السياسية وبعض الأخبار لمدينة حلب أما الصفحة الثانية فخصصت للمحليات وهكذا ويلاحظ ان اخراج الصحيفة تطور في السنوات الأخيرة بشكل لافت أما صحيفة العروبة التي تصدر في حمص فتصدر هي الأخرى عن مؤسسة الوحدة في حمص وكانت في السابق اسبوعية خاصة لصاحبها عبدالودود الاتاسي الذي حصل على امتيازها في عام 1955 ثم تحولت في عام 1956 الى يومية حتى العام 1958 ثم احتجبت حتى أعيد امتيازها باسم عبدالباسط الجندلي في عام 1962 وبعد عدد واحد تعطلت الجريدة الى ان أعاد اصدارها محمد الأزهري في أربع صفحات واستمرت على هذا المنوال الا ان ملكيتها انتقلت إلى مؤسسة الوحدة للطباعة والنشر وجرى مؤخراً زيادة عدد صفحاتها من أربع إلى ثماني صفحات الصحيفة الثالثة هي «الفداء» وهي يومية سياسية ايضا تصدر في مدينة حماة وصاحب امتيازها واداراتها الأول هو عثمان العدواني وصدرت في العام 1961 حيث ترأس تحريرها محمد الحافظ بأربع صفحات واستمرت على هذا الوضع حتى عام 1968 الذي آلت فيه ملكيتها الى مؤسسة الوحدة ومنذ سنوات معدودة جرت عملية زيادة عدد صفحاتها من أربع إلى ثماني صفحات أيضاً. وتعتبر صحيفة «الوحدة» هي الصحيفة الرابعة التي تصدر في اللاذقية وهي أحدث عهداً من الصحف الثلاث السابقة ويبلغ عدد صفحاتها ثماني صفحات وهي تتميز عن سابقاتها باخراجها الجيد ومكان ادراتها الحديث ورغم ذلك فلا تزال هذه الصحف الاربع تحتاج الى تطوير أكبر ودعم أفضل لكي تستطيع ان تلعب دورها الاعلامي والثقافي المطلوب حتى لا تبقى من صحف الدرجة الثانية المحدودة التأثير والانتشار والاستقطاب للقارئ.