يستمد هذا الكتاب أهميته من انه يوضح لنا جانباً من أسرار السلوك السياسي الامريكي الراهن الذي يبدو للبعض لغزاً تكتنفه الأسرار، ويلقي الضوء على مجموعة مهمة من الحقائق أبرزها ان التحرك الأمريكي، الذي سبق 11 سبتمبر بسنوات لم يكن الا انسياقا وراء النزوع الى التسلط الامبراطوري مع الحرص على التملص من المسئوليات التي يفرضها الحكم الامبراطوري بحسب التجربة التاريخية على امتداد قرون طويلة. ومؤلفا الكتاب روبرت تكر أستاذ السياسة الخارجية في جامعة جونز هوبكنز، وديفيد هندركسون استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو، يعدان من الكتّاب الاكاديميين البارزين في الولايات المتحدة، ونقد أولهما لمعطيات الفكر الماركسي وطروحاته الأساسية أشهر من ان يعرف به، كما ان مساهمات ثانيهما في اطلاق العديد من الافكار وبالونات الاختبار الامريكية لا يغفل عنها أحد من متابعي التداخل بين الفكر والحركة الامريكيين. في صفحة 177 يقول الكتاب الذي نختتم ها هنا مناقشتنا له: جاء امتلاك (أمريكا) لامبراطورية استعمارية نتيجة للحرب بينها وبين اسبانيا (الحرب الأمريكية ـ الاسبانية عام 1898) وجاء هذا الاقتناء للمستعمرات بمثابة علامة على أن المبادئ الدبلوماسية التي ظلت أمريكا تعتنقها لم تعد كافية لتوجيه المسيرة في ظل ظروف جديدة. إن الكتاب يشير في هذا الصدد الى عمليات التدخل العسكري البحري من جانب واشنطن سواء في مناطق البحر الكاريبي أو أمريكا الوسطى أو أمريكا اللاتينية أو في مناطق المحيط الهادئ. يا لرقة هذا القلب! الطريف أن هذه العمليات التي توصف بأنها سلوك امبراطوري أو استعماري أو امبريالي أطلقت عليها الأدبيات السياسية الأمريكية منذ العقد الأول من القرن العشرين الوصف التالي: (التدخل.. الإنساني)! يكاد المرء يحس في هذا السياق رجع صدى للتسميات الاستعمارية العتيقة التي ترددت في ارجاء افريقيا وآسيا من باب التبرير للسيطرة الامبريالية ـ الانجليزية والفرنسية وقبلهما البرتغالية والاسبانية ـ تسميات من قبيل: مسئولية الرجل الأبيض.. أو رسالة الرجل الأبيض حيث المسئولية أو الرسالة (أحيانا كانوا يسمونها العبء أو الحمل الثقيل على عاتق الرجل الأبيض) ـ هذه المسئولية ـ العبء ـ الرسالة هي تمدين الشعوب المتخلفة ـ البدائية في غابات افريقيا أو ادغال اسيا ومساعدتها ـ يا لرقة قلب الرجل الأشقر ذي السحنة البيضاء ـ على أن تلج باب الحضارة وتدلف الى مضمار المدينة! ومن عجب أيضا أن الرجل الأبيض هذا لابد وان يأتي من اقطار الشمال الأوروبية الغربية وان يأتي على متن أحدث أساطيل العصر مدججا بأمضى الأسلحة ـ ولا بأس أن يمعن في التبرير أو التكييف فيعلن انه جاء وفي يده انجيله لكي يهدي هؤلاء (البرابرة) الى سواء السبيل! ليس صدفة أن تتزامن هذه الشعارات الموروثة من القرن التاسع عشر.. والمنحدرة الى السنوات الأولى من القرن العشرين مع ولاية أشد رؤساء أمريكا من حيث النزعة الاستعمارية ـ الامبراطورية وهو الرئيس تيودور روزفلت الذي تولى الرئاسة في البيت الأبيض بين عامي 1901 و 1909. وعبر فترتين كان ينعم فيهما باعجاب الشعب الأمريكي بوصفه بطلا في الحرب الكوبية ـ الاسبانية التي اشرنا اليها ناهيك عن صلاته الوثيقة والحميمة عبر الأطلسي مع دوائر الاستعمار البريطاني حيث زار الرئيس روزفلت ـ الأول كما يسمونه احيانا مناطق افريقيا مرورا بالسودان ثم مصر وأحدثت تصريحاته دويا غاضبا من جانب أهل الحركة الوطنية في جنوب وشمال وادي النيل فيما اظهرت هذه التصريحات المؤيدة لبقاء بريطانيا الامبراطورية في مصر والسودان وعموم افريقيا ـ كيف ان الرئيس الأمريكي القادم من بلاد (العالم الجديد) ماهو الا استعماري عتيق.. ولا غرو فقد كانت تلك ـ كما يوضح كتابنا ـ هي الفترة التي تحولت فيها السياسة الخارجية الأمريكية من مبدأ العزلة الى حيث السلوك الامبراطوري الصريح. حكاية تيدي بالمناسبة يبدو ان شعارات الرئيس تيودور روزفلت الامبراطورية هذه جعلته شخصية شعبية محبوبة في أعين الجماهير الأمريكية في سنوات القرن الأولى.. وعندما انتجوا لعبة الاطفال الشهيرة على شكل دب قال القائلون ان الدب ـ الدمية أقرب شبها برئيسهم (المحبوب من حيث امتلاء الجسم ومتانة البنية فكان ان أطلقوا على الدب اسم التدليل (روزفلت والدب تيدي،) الذي كانوا يدللون به ـ على طريقتهم الرئيس روزفلت، والدب تيدي ما زال شائعا في لعبة الأطفال حتى كتابة هذه السطور). وبمناسبة التدليل (الدلع كما يقال أحيانا) فقد أمعن الرئيس تيدي روزفلت بل وامعنت مصادفات الأحداث في السلوك القائم على المفارقة بين التسميات والشعارات وبين واقع الأحوال. بدأوا ـ كما ألمحنا ـ باطلاق وصف (التدخل.. الإنساني) على حربهم مع اسبانيا وبسطهم نفوذهم على كوبا وايضا ـ كما يضيف كتابنا ـ على استيلائهم على بقايا الامبراطورية الكولونيالية الاسبانية فيما وراء البحار وهو ما جعل أمريكا ـ كما يضيف الكتاب بالحرف ـ تفرد قلوعها وتخوض غمار بحر مجهول بغير خريطة أو دليل. وفي اطار هذا السلوك يقول كتابنا (ص178) عمدت أمريكا الى ترتيب تمرد اطاح بالحكومة في اقليم كولومبيا البنمي من أجل أن تأتي بحكومة تتولى السلطة هناك وتكون مستعدة للموافقة على حفر قناة بنما في ظل هيمنة أمريكا (وقد تم حفر القناة التي تربط بين المحيطين الاطلسي والهادي في ذروة ولاية الرئيس تيودور ـ تيدي ـ روزفلت عام 1904 ويحسب لحوليات السياسة الأمريكية ان سجلت بقدر من الأمانة ـ ما جاء في محاضر مجلس الوزراء الأمريكي وفي احدى جلساته تكلم الرئيس روزفلت مدافعا عن هذه التدخلات التي استخدمت المال والخديعة والضغط السياسي والسلاح وانهى حديثه يقول: ترى هل دافعت عن نفسي؟ ـ وكان ان اجابه مرؤوسه (روت) وزير الدفاع وقتئذ قائلا: سيدي الرئيس.. طبعا دافعت ولا شك عن نفسك، ثم أضاف في نبرة ساخرة لا تخفى: لقد اظهرت انك متهم بالاغواء والخديعة ثم قدمت الدليل الذي يثبت انك مذنب بارتكاب.. الاغتصاب. بعدها أمعن الرئيس (تيدي روزفلت) في نزعته الامبراطورية فكان ان أرسل الاسطول الأمريكي في جولة كانت في بحار العالم ومحيطاته فيما يشبه رسالة موجهة الى عناوين شتى تستعرض قوة واشنطن وتعلن مكانتها كقوة دولية يحسب حسابها ثم أطلق على هذه البعثة عبارة وصف فيها جنود البحرية الأمريكية وهم اسلاف المارينز كما قد تقول والعبارة هي: رسل السلام ثم تمعن المصادفات في باب المفارقة حين أعلنوا عام 1906 عن فوز الرئيس الأمريكي المذكور، وليس غيره بجائزة نوبل العالمية.. للسلام، وكان ذلك كما قالوا أيامها بسبب وساطته في وقف الحرب الروسية ـ اليابانية. ثم دخلت أمريكا الحرب العالمية الأولى عام 1917 بوصفها قوة منتسبة (كما يقول كتابنا، ولكنها خرجت منها ـ كما يضيف الكتاب ـ بوصفها قوة دولية من الدرجة الأولى. ولما كان السلوك (الامبراطوري) كما يسميه الكتاب ينطوي على التزامات من قاعدة الامبراطورية في واشنطن بالتدخل لصالح هذه القوة أو تلك الدولة على خريطة العالم.. بكل ما ينطوي عليه ذلك من تبعات والتزامات، فقد كان هناك منتقدون يقفون بقدر من الرفض أو التصدي بوجه هذه الغواية الامبراطورية كما اسميناها.. وكان فهم الوزير (روت) الذي كان يتولى ـ كما اسلفنا ـ حقيبة الدفاع في حقبة الرئيس تيودور روزفلت خلال العقد الأول من القرن الماضي. يقول كتابنا (ص 180 وما بعدها): كان روت وغيره من الجمهوريين المعتدلين يرون أن الحرب هي العامل النهائي في حسم المشكلات ويدعون الى استمرار التأهب والاستعداد لأي مستجدات ولكنهم كانوا يرغبون في أن يقتصر استعمال أمريكا قوتها على الاغراض التي لها صلة مباشرة بأمنها القومي. وفي هذا الصدد يقول عنهم الوزير (روت) قائلا: اذا ما اقتضى أمن أوروبا الغربية ان تذهب الى الحرب مع فرنسا ـ مثلا ـ لدى تعرضها للهجوم، فلنتفق على أن يكون هدفنا محددا بوضوح في هذا الخصوص.. وأنا أؤيد ذلك.. ولكن علينا الا نغلف مثل هذه الوعود (بالتدخل) ضمن التزام بتدخل شامل أو عالمي ملفوف بالغموض ـ على هذا الاساس جاء رئيس أمريكي آخر يدعو ـ ربما محذرا ـ من مغبة الانسياق وراء الأسلوب التدخلي والامعان فيه ـ الأسلوب الامبراطوري الذي اصطلحوا على تسميته بعد ذلك ـ منذ الخمسينيات مثلا بأنه أسلوب رجل شرطة العالم.. وقد أوصل أمريكا كما قال الناقد ومن ابنائها الى الصورة التي عرفت يوما باسم.. (الأمريكي.. القبيح). والرئيس الذي نشير اليه هو كالفن كولدج (استمرت ولايته من عامي 1921 و 1929) وقد القى خطابه التقليدي عن (حالة الاتحاد) في عام 1926 وجاء فيه:ليس لنا اعداء تقليديون ولا نشعر بأي حرج أو ارتباك بشأن أي اقليم متنازع عليه.. ولا نقتني ممتلكات يطمع فيها الآخرون ولا هم يقتنون ممتلكات نطمع نحن فيها. ثم ان حدودنا محصنة ونحن لا نخشى أحدا.. ولا يخشانا أحد. وبديهي ان رئيسا أمريكيا اخر القى خطابه التقليدي ايضا عن (حالة الاتحاد) بعد 76 عاما من خطاب سلفه كالفن كولدج وهو طبعا الرئيس جورج بوش ـ الأب.. وباب المقارنة مفتوح بين الخطابين من حيث النبرة والمنطلق ومن حيث الصياغة والمبادئ والتوجهات. على ان الكتاب (صفحة 181 ومابعدها) يعزو هذا الاختلاف الشاسع ـ ان لم نقل الرهيب بين النبرتين الى تغيير النظام العالمي الذي كان سائدا أيام كولدج في العشرينيات لقد تحدث الرئيس الأمريكي وقتها عما اسماه (حظنا الهائل السعيد) الذي اتسم به اساسا الوضع الأمني لأمريكا.. لكن هذا الحظ العظيم ـ يضيف الكتاب ما كان له ان يستمر ولا استمرت الظروف السعيدة التي أوصلت اليه.. ذلك لأن التوازن الدولي الذي كانت قد حققته الامبراطورية البريطانية منذ القرن 19 وحتى ثلاثينيات القرن العشرين ـ كان قد آذن الى اختلال بعد ان جاءت الحرب العالمية الأولى (الحرب العظمى كما اسمتها الأدبيات السياسية العربية في حينها) لتهز هذا التوازن الدولي هزا شديدا وعنيفا على الرغم من ان ذلك التوازن كان بمثابة المناخ المريح أو المواتي الذي استطاعت أمريكا في ظله ان تنعم بعزلتها بعيدا عن (وجع الدماغ) أو الانشغال بمشكلات عالمها بكل ما كان ينطوي عليه ذلك من تبعات ومغارم وتكاليف. بل كان الوجه الاخر ـ الواقعي ـ لتلك العزلة هو ان أمريكا ظلت مطلقة اليدين تتلاعب بمقاليد الأمور في نصف الكرة الغربي من العالم وتنطلق في نزعتها الامبراطورية، أو تستسلم لغوايتها كما يقول هذا الكتاب، فيما كان العالم وقتها ـ القرن التاسع عشر ـ في شغل من أمره ولاسيما في ضوء صراعات القوة التي كان مسيطرة آنذاك على مقاليد أموره وكان في مقدمتها الامبراطوريات ـ الامبريالية البريطانية والفرنسية والتركية التي صاغت صراعاتها واطماعها وانتصاراتها وهزائمها مصائر شعوب واقطار في مواقع شتى من العالم ولاسيما في قارتي أفريقيا واسيا (أمريكا الجنوبية والوسطى كانت ـ كما اسلفنا ـ ساحة مقصورة، أو شبه مقصورة على نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية ـ الامبراطورية التي تشكلت فوق أرض (العالم الجديد) على استحياء أو من وراء ستار). ثم (اشتعلت الحرب الباردة) وكان مرد هذا الاشتعال هو الشعارات التي راجت في أواخر الاربعينيات بأن قوة الاتحاد السوفييتي تشكل خطراً مباشراً بل داهما على الأمن القومي للولايات المتحدة. والغريب ان كتابنا (ص 183) يقول ان هذه الشعارات كانت في حقيقة الامر ـ مجرد.. شعارات! بمعنى ان كانت أمورا خضعت في ذلك الحين لقدر غريب من المبالغة أو التهويل. تقول السطور التي بين أيدينا: اذا ما نظرنا الى الوراء ـ فإن التقدير الذي كان سائدا في أعقاب الحرب (العالمية الثانية) بشأن التهديد السوفييتي لأمن أمريكا كان أمرا مبالغا فيه في ضوء ما تمتعت به أمريكا وقتها من قوة غالبة وخاصة حين كانت هي المالك الوحيد وقتها للقنبلة الذرية. مع ذلك فقد كان لتلك الشعارات منطقها أو كانت لها مصداقيتها. كان القوم يخشون من درس الثلاثينيات.. لقد سكتوا عن صعود الرايخ الثالث في ألمانيا.. وربما تصوروه طرفا قابلا للتعاون والتعاطي والتفاعل معه.. وربما كان بين صفوفهم من كان معجبا ـ وهذا حقيقي واثبتته الحوادث ـ بالتجربة النازية.. لكن هذا الاغضاء والسكوت دع عنك الاعجاب ـ أفضى الى توطيد سلطة هتلر ومن ثم الى نشوء قوى المحور الذي تشكل ـ كما هو معروف من ألمانيا (النازية) واليابان (الامبراطورية) وايطاليا (الفاشية) وكان المنطق السائد بعد الحرب هو: ماذا لو كان النصر قد تحقق للمحور الثلاثي المذكور اعلاه؟ ألم تشهد القوات 1939 ـ 1941 انجازات مرموقة حققتها قوى المحور في ميادين القتال وفي ساحة حشدها لقواها الصناعية ـ الانتاجية ـ العسكرية؟ وألم يكن ثمة احتمال قوي يومها بأن يتم تقسيم ساحة أوراسيا (أوروبا واسيا) ودخولها تحت سيطرة المانيا وروسيا واليابان؟ ثم تضيف سطور كتابنا قائلة: حتى بالنسبة لأمريكا بكل ما تمتعت به من سطوة ومنعة وقدرات، كانت الخشية من وجود منافس قوي، صلب لدود ـ على الرغم من انه كان المنافس المرشح الوحيد هو الخصم السوفييتي ـ أمرا محتملا أو مبررا بكل المقاييس. ونحن نتصور أن هذا الاحتمال هو الذي دفع بأمريكا بسبب قدرتها تلك ـ وليس على الرغم من تلك الامكانات أو القدرات الى حيث التفكير والسلوك الامبراطوري الذي عليه محور هذا الكتاب فالدول في رأينا ـ مثل البشر لا يكفيها ان تمتلك القدرة على حماية نفسها والذود موضوعيا عن أمنها القومى وسلامة شعوبها. ان مجرد امتلاكها لأسباب قوة جبارة أو حيازتها ـ كما في حالة أمريكا ـ موارد متنوعة هائلة. تشكل بحد ذاتها دافعا الى ان تنهج السلوك الذي تدل في ظله بتلك القوة وتجنح في اطاره الى استعراض تلك الموارد والامكانات.. ذلك النمط من السلوك هو الذي عرفه التاريخ عن امبراطوريات الرومان والانجليز والى حد ما امبراطوريات الترك العثمانيين والفرنسيس. والحق نقول ان هذه النزعة المسيطرة ـ نزعة الامبراطورية ـ قد زادت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ومع ذلك فها هو الكتاب وقد أوضح ان لها جذورا متأصلة وربما كانت كامنة في بنية الفكر والسلوك السياسي الأمريكي وخاصة في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. وغالبا ما يدور هذا المنطلق الامبراطوري على محور الأمن القومي الأمريكي وضروراته ومقتضياته ويرتبط بهذا المحور ـ بالضرورة ـ منطق المطالبة بزيادة الاعتمادات المرصودة للاغراض العسكرية حيث ترفع في هذا المضمار شعارات تطوير القوات المسلحة وتحديث أسلحتها والنهوض بكفاءة أفرادها وتحسين ظروف خدمتهم ومعيشتهم (زيادة المرتبات ورفع الحوافز وتوسيع المزايا التعليمية والسكنية.. وما إليها).وفيما جاءت الادارة الجمهورية الجديدة الى البيت الأبيض على أساس مانيفستو أو أجندة عمل سياسية بدأت بانتقاد ادارة كلينتون السابقة على انها أضرت بكفاءة وقدرة القوات المسلحة الأمريكية حين خفضت الاعتمادات المخصصة لها في الميزانية الاتحادية مما أدى الى تحجيم قدراتها ثم انتهت الى وعود وخطط عمل تطالب بزيادة تلك المخصصات، وفيما طالب الرئيس بوش مؤخرا باعتمادات رآها المراقبون فلكية من أجل القوات المسلحة ـ فإن كتابنا في سطور الفصل الأخير منه (الفصل العشرون وعنوانه التجديد) يطالب الادارة الحاكمة ـ وربما كل ادارة تحكم في بيت الرئاسة الأبيض ـ بأن تحقق توازنا يراه المؤلفان محمودا بل مطلوبا بين أمرين وهما: الأول: الاعتمادات المخصصة لاغراض (الدفاع)، والثاني: الاعتمادات المخصصة لاغراض مساعدة الدول الاخرى التي تكافح ـ في رأي الكتاب ـ من أجل التحول الى الديمقراطية التمثيلية (بمعنى النيابية) والى اقتصاد السوق الذي ينظمه كما هو معروف قوانين المنافسة والمبادرة الفردية وجانبا المعرض والطلب. ما بعد صاعقة سبتمبر الغريب ـ كما يضيف الكتاب ـ هو ان الجمهور (بمعنى قواعد الناخبين) يجنح الى تحبيذ أو تأييد زيادة الانفاق العسكري بحجة توسيع نطاق الأمن القومي وتوطيد ركائزه، فيما ينظر الجمهور نفسه الى نفقات المعونة الخارجية التي تقدمها أمريكا الى دول شتى نظرة قوامها التوجس والتشكك وفتور التأييد. وعلى الرغم من اننا قد نتفهم دوافع الحالة النفسية التي تسود الساحة السياسية الأمريكية حاليا وهي ناجمة عن صاعقة سبتمبر وتداعياتها ـ الا أن الامر بحاجة الى مراجعة موضوعية ومتعقلة للامعان في الجانب العسكري من حيث الحشد والاعتمادات والتعبئة والسلوك، وفي هذا السياق ينبه كتابنا في ختام سطوره الى ان تحقيق الديمقراطية على مستوى العالم هو الكفيل الحقيقي بتحقيق وحراسة الأمن القومي الأمريكي وان ثمة فرصة سانحة حاليا في اقطار شتى ما بين شرق أوروبا الى أمريكا اللاتينية الى أن تمارس منظمات المجتمع المدني التي تجسد ارادة الناس البسطاء العاديين دورا في هذه التحولات الى ان يشارك هؤلاء الناس في صوغ مصائر بلادهم. انها فرصة ـ يضيف كتابنا ـ يمكن أن تفوت أو تفلت من أجل توطيد وترسيخ مؤسسات الحرية والديمقراطية من خلال تدابير لا تقوم على القوة (الغاشمة) أو العنف بل تستند الى دعائم السلام.