الملف السياسي: تأكيدات كثيرة صدرت خلال الأيام الماضية حول اقتراب ساعة الصفر للهجوم على العراق، هذه التأكيدات بعضها جاء على لسان عدد من المسئولين الأمريكيين ومنهم وزير الدفاع الأمريكي الذي أشار في تصريحات له منتصف الأسبوع الماضي الى أن الجيش الأمريكي اتم استعداده للقيام بهذه المهمة في أي لحظة، والبعض الآخر من التأكيدات جاءت خلال تقارير سربت عن البنتاجون والـ «سي آي أيه»، وعلى الرغم من وجود معارضة دولية شديدة لضرب العراق هذه المرة على اساس انه لم يصدر عنه خلال الفترة الماضية ما يدعو الى ذلك، فالواضح ان الولايات المتحدة ماضية في مخططها للقضاء على العراق. «الملف» التقى د.عمرو الشوبكي الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم لالقاء الضوء على تداعيات الموقف في المنطقة في ظل الاصرار الأمريكي على توجيه ضربة للعراق، ومدى استثمار واشنطن لاجواء التحالف الدولي ضد الارهاب لتصفية حسابات قديمة مع بعض الدول ومنها العراق، والدور المنتظر للمعارضة العراقية، ومواقف الدول العربية والمجتمع الدولي من ضرب العراق، والاثار السياسية والاستراتيجية المتوقعة لسيناريو قلب النظام العراقي وتأثيراتها على التوازنات الاقليمية.. وأخيرا دور الأمم المتحدة وهل سيقتصر على مجرد توفير غطاء من الشرعية الدولية لهذا العدوان. خطط وسيناريوهات يقول د. عمرو الشوبكي ان العراق موضوع مطروح على الأجندة الأمريكية قبل أحداث 11 سبتمبر وهناك خطط وسيناريوهات معدة بشأنه ولكن المتغير الجديد الذي حدث في أعقاب أحداث واشنطن ونيويورك وتجربة افغانستان أغرت الولايات المتحدة كثيرا لكي تسعى للاطاحة بالنظام الحاكم في العراق، وخاصة بعد نجاح تجربة الاطاحة بنظام طالبان وبسهولة لم تكن متوقعة، ولذلك فالأمريكيون يريدون الآن تكرار التجربة بأن يتم تركيب حكومة موالية لهم في العراق على غرار الحكومة الافغانية. ويضيف د.عمرو أنه على الرغم من هذا الاغراء الذي يسيطر على الأمريكيين في الوقت الراهن فإنهم يدركون صعوبة تحقيق هذا الهدف لأكثر من سبب وأولها أن المعارضة العراقية بوضعها الحالي والمنقسمة على نفسها هناك خلافات شديدة بين فصائلها لا يمكن لها أن تقوم بالدور الذي قامت به المعارضة الافغانية الممثلة في التحالف الشمالي الذي كان يسيطر على جزء ليس بالهين من افغانستان، وكانت له قواته المسلحة التي تستطيع أن تساند وتساهم في حسم الجولات العسكرية على أرض المعركة، فالمعارضة العراقية لا يمكن لها وهي على هذه الصورة ان تطيح بنظام قوي مسيطر كالنظام العراقي، ومن كل ما سبق يتضح أنه لا مجال لتنفيذ المخطط الأمريكي الرامي لقلب نظام الحكم في العراق الا بوجود جناح داخل المؤسسة العسكرية العراقية موالٍ للقوات الأمريكية وهو مالم يتحقق حتى الآن وبالتالي فنجاح مخطط الاطاحة بنظام صدام حسين أمر غاية في الصعوبة في الوقت الحالي وهذا يعطل الضربة الامريكية رغم كل التصريحات والاستعدادات التي تقوم بها الولايات المتحدة، وبحيث صار التردد الأمريكي هو الذي يسيطر على تطورات المسألة العراقية. وفيما يتعلق برد الفعل العربي المتوقع في حال الاقدام على ضرب العراق يوضح د.عمرو الشوبكي ان هناك اتفاقا بين الأطراف العربية على انه لا يوجد مبرر قوي لضرب العراق حيث أنه لم يثبت تورطها في أي عمليات ارهابية ضد الأهداف الأمريكية ولذلك فردود الأفعال العربية غالبا ستكون رافضة لضرب العراق باستثناء الكويت ولها ظروفها الخاصة، أما بقية الأطراف فلن تقبل بتوجيه ضربات للعراق، وخاصة السعودية التي لن يكون من مصلحتها وجود نظام في العراق موالٍ تماما للأمريكيين أي أن الرفض العربي للضربة مؤكد، أما فاعلية هذا الرفض فهذا لا يمكن توقعه الآن، ولكن على الاقل لن تكون الأمور على الصورة التي كانت عليها في عام 1991 من تأييد ووجود مظلة عربية وغطاء للعمليات العسكرية ضد العراق. توازنات الداخل العراقي وحول التأثيرات المتوقعة على التوازن الاقليمي في حال نجاح الأمريكيين في قلب نظام الحكم في العراق يقول د.عمرو الشوبكي: التأثير سيكون سلبيا دون شك في حالة نجاح هذا السيناريو أما الواضح حتى هذه اللحظة هو استحالة حدوثه، وحتى اذا حدث ستكون هناك صعوبة في استمراره بسبب توازنات الداخل العراقي، وهو مايؤكد ان هذا النظام البديل لن يكن له شرعية بالداخل، أو قدرة على الاستمرار أو التفاعل مع النظام العربي، حيث لانه لا يوجد نظام عربي واحد نستطيع أن نقول انه موال تماما للولايات المتحدة، ولكن هناك أنظمة حليفة معها بدرجة ما وكثيرا ماتحدث بينهما الخلافات، أما وجود نظام على غرار الحكومة الافغانية المؤقتة فهذا لن تقبله الأنظمة العربية. ولا يتوقع د.عمرو الشوبكي الكثير من الأمم المتحدة ويرى ان دورها سوف يقتصر على اعطاء الشرعية للعدوان الامريكي على العراق، بأن يبحث له عن مبررات مثل الحديث عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، أو رفضه لاستقبال التفتيش وغيرها من المبررات، أي أن الأمم المتحدة سوف تعمل على اعطاء الضوء الأخضر للأمريكين لكي ينفذوا مخططاتهم في العراق، ولكن المشكلة تكمن في الأمريكيين أنفسهم فهم لا يرغبون في ضرب العراق ضربة مجانية، بل يريدون أن يحققوا المكاسب دفعة واحدة باسقاط النظام العراقي وهو ما يعد غاية في الصعوبة حتى الآن في ظل الأوضاع الحالية. انتقادات حادة ومن ناحيته يرى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن السيناريوهات الأمريكية الخاصة بالعراق غالبا ما تم اعدادها بعيدا عن سياق الحرب ضد الارهاب، وهي سيناريوهات تم طبخها منذ فترة، ولكن الولايات المتحدة وجدت في حربها ضد ما يسمى بالارهاب ارضا خصبة لكي تستثمرها لتمرير مخططاتها ضد العراق، وهي في ذلك تريد جر العالم كله وراءها لكي يشارك في هذا العدوان، ولكن الواضح حتى الآن ان هناك رفضا دوليا لهذا الامر وتوجد انتقادات حادة له حتى من حلفائها ولم يعلن أي طرف دولي أو عربي موافقته على العدوان الا بريطانيا ومعروف تبعيتها التامة للولايات المتحدة، ولكن مع ذلك وفي ظل هذا الغرور والصلف الأمريكي فالضربة العسكرية ضد العراق متوقعة ولكنها لن تكون خلال وقت قريب لأن الظروف من وجهة النظر الأمريكية ليست سانحة حتى الآن. ويشير اللواء طلعت مسلم الى انه اذا كان الهدف من ضرب العراق وكما يتردد حاليا هو تغيير نظام الحكم في هذا القطر العربي، فغالبا لن تنجح الولايات المتحدة في ذلك، حيث أن العراق ليست افغانستان، فلديها جيش كبير مزود بأحدث الأسلحة ويمتلك المهارات القتالية، كما ان النظام العراقي راسخ ولا توجد أية تنظيمات سوى حزب البعث حتى تقول ان هذا التنظيم يحل محل ذاك، وفي الوقت نفسه المعارضة العراقية على وضعها الحالي من تشرذم وتفرق وعلاقات مريبة مع الأمريكيين لن تكون قادرة على الوصول الى الحكم حيث ان الخلافات فيما بينها أكبر من خلافاتها مع النظام الحاكم في بغداد. ويعتقد اللواء مسلم ان المخططات الأمريكية بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط تهدف الى ماهو أكبر بكثير من مجرد ضرب العراق أو تغيير نظام الحكم فيه، هذه المخططات تسعى لاخضاع المنطقة بأسرها للهيمنة الامريكية واعطاء اسرائيل الدور المركزي فيها، أي أن المسألة ليست العراق فقط ولكن هناك عمل دائم ومستمر من الادارات الأمريكية المتعاقبة لجعل كل المنطقة في خدمة المصالح الأمريكية والصهيونية وضرب العراق واخضاعه فهو جزء من هذا المخطط الكبير. حالة من الفوضى وحول التأثيرات المتوقعة في حال نجاح سيناريو قلب نظام الحكم في بغداد يقول اللواء مسلم: اذا نجح هذا السيناريو سوف يصبح العراق في حالة فوضى، منطقة خاضعة للشيعة في الجنوب، والفصائل الكردية سوف يسعى كل منها للسيطرة على المناطق الشمالية، وهذا سوف يسبب المشاكل لتركيا بسبب الموضوع الكردي، وسيؤدي الى حالة من عدم الاستقرار والفوضى في المنطقة. ويدعو اللواء المسلم الى ضرورة عدم التحامل على الأمم المتحدة وتحميلها أكثر مما تحتمل فهي منظمة تضم الدول الاعضاء فيها وجميعها ليس لديها القدرة على تحدي الولايات المتحدة في ضوء قدرتها العسكرية والاقتصادية الهائلة في الوقت الراهن، فنحن لا نبالغ اذا قلنا ان الولايات المتحدة بما لديها من قوة وقدرات الآن يجعل من الصعب على الاخرين الوقوف في وجهها ومن هنا كان تهميش دور الأمم المتحدة والتي هي في النهاية مجموع ارادات الدول الاعضاء الذين قبلوا هم قبلها بالتهميش، ولذلك فغالبا سيكون دور المنظمة الدولية في حال الاقدام على ضرب العراق هو اما السكوت وهو علامة الرضا، أو المساندة للعدوان بالبحث عن مبررات شرعية ودولية تبرره.