الملف السياسي: مع التصاعد الخطير للنزعات العدوانية الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر الدامية والحرب الافغانية الأخيرة، يبدو ان التراجع الروسي على مختلف الجبهات امام خطط الولايات المتحدة للهيمنة على العالم.. سيشمل الجبهة العراقية ايضا. وبعد ان ظل الموقف الروسي لسنوات عديدة يمثل أقوى دعم للعراق على الساحة الدولية، وخاصة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن ـ حيث تملك روسيا حق (الفيتو) - فإن التطورات الأخيرة تشير الى اتجاه موسكو التخلي عن هذا الدور. وهو دور لم تكن روسيا تقوم به حبا في سواد عيون العراقيين، وانما دفاعا عن مصالح مهمة لها في الشرق الأوسط والخليج عموما، وفي العراق خصوصا. ولسنا بحاجة الى الحديث عن مصالح روسيا التاريخية في المنطقة القريبة من حدودها الجنوبية، ولا عن علاقاتها القديمة والواسعة بعدد من دولها. إذ تكفي الاشارة الى أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وبغداد بلغ مليارين ونصف مليار دولار عام 2001، معظمها صادرات روسية للعراق أتاحت تشغيل العديد من المصانع التي كانت متوقفة في روسيا ـ كما تبلغ الديون العراقية لموسكو نحو عشرة مليارات دولار، يتوقف سدادها على انهاء الحصار الاقتصادي المفروض على بغداد. كما ان العقود المبدئية العراقية مع الشركات الروسية في مجال اعادة الاعمار والتنقيب عن النفط والغاز تبلغ قيمتها نحو أربعين مليار دولار! وهي عقود يتوقف تنفيذها على انهاء العقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة على بغداد. ويشير الخبراء الى أن شركات النفط الروسية تتوقع تحقيق أرباح تبلغ قيمتها نحو عشرين مليار دولار من تنفيذ عقود استثمار حقول النفط والغاز في منطقة غرب القرنة العراقية وحدها. وكانت موسكو في أواخر العهد السوفييتي ثم في السنوات الأولى لحكم يلتسين قد انساقت مغمضة العينين وراء القرارات التي استصدرتها واشنطن من مجلس الأمن الدولي لفرض وتشديد الحصار الاقتصادي الخانق على العراق، تحت دعوى تدمير برامجه لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. الى أن تكشفت الآثار السلبية المخيفة لهذا الحصار على الشعب العراقي، وافتضاح أمر استخدام الولايات المتحدة لفرق التفتيش الدولية في التجسس على العراق، والتعنت الأمريكي المتجاوز لكل الحدود المعقولة في منع أكثر الواردات بدعوى امكانية ان يكون لها استخدام عسكري أو لصالح القوات المسلحة. (بما في ذلك الأدوية الضرورية)! كل هذه الأمور اثارت تململا دوليا واسع النطاق ضد نظام العقوبات الخانق في النصف الثاني من التسعينيات. وكان طبيعيا أن تصل اصداء هذا التململ الى روسيا، رغم ماكان يبديه الرئيس السابق يلتسين وأركان ادارته من خضوع شبه تام للولايات المتحدة. ومن ناحية اخرى فإن المصالح الاقتصادية المباشرة ـ التي سبقت الاشارة اليها ـ بالاضافة الى المواقف اليسارية والقومية لعديد من القوى السياسية الروسية، قد ساعدت على تكوين مايمكن تسميته (بلوبي عراقي) من رجال الاعمال والسياسيين والعسكريين الروس، الذين أخذوا يمارسون ضغوطا متزايدة على ادارة يلتسين واللوبي الصهيوني المتمرس فيها. وبمرور الوقت بدأ الموقف الروسي يتجه تدريجيا إلى التشدد في مواجهة اصرار الولايات المتحدة على توظيف مجلس الأمن الدولي بأبشع صورة ممكنة لتشديد الحصار المدمر على الشعب العراقي تحت دعوى حصار النظام وبرامجه للتسلح. وكانت ذروة هذا الموقف الروسي ذي الاتجاه الاستقلالي تجاه تلك القضية هي استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، العام الماضي، ضد مشروع القرار الأمريكي لفرض مايعرف باسم (العقوبات الذكية) على العراق.. وهو المشروع الذي كان يهدف، في حقيقة الأمر، الى فرض حصار اقتصادي أبدي!! على العراق وشعبه. ونلخص جوهر الموقف الروسي في ضرورة الربط بين تقدم العراق في التخلص من برامج التسلح المحظورة وتخفيف العقوبات المفروضة عليه، في اتجاه الغائها تماما في مدى زمني محدد، وفي اطار جدول زمني يتم الاتفاق عليه، مع الأخذ في الاعتبار أن انجازات كبيرة قد تحققت في مجال نزع أسلحة العراق المحظورة، وان فرق التفتيش الجديدة لابد أن تخضع لاشراف دولي محكم، وان يتسم تشكيلها والاشراف عليها بالتنوع وتمثيل مختلف الدول الكبرى بصورة متوازنة وهو ماكان مفتقدا في تشكيل الفرق التي طردها العراق عام 1998، والتي كانت خاضعة بصورة شبه تامة للولايات المتحدة سواء من حيث التحكم في تشكيلها أو تحديد مهماتها، أو طريقة ادائها لعملها، وصياغة تقاريرها.. الخ. انفلات العدوانية الأمريكية شهدت الفترة التالية لأحداث 11 سبتمبر انفلاتا واضحا للنزعات العدوانية الأمريكية واندفاعا متسارعا لجهود الولايات المتحدة الرامية لبسط هيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على العالم، تحت دعوى شن الحملة ضد الارهاب الدولي، وتحت الشعار الديماجوجي من ليس معنا فهو مع الارهاب!! وتمكنت الولايات المتحدة في سياق الحرب الافغانية الاخيرة، وباستغلال اجواء الصدمة التي اثارتها هجمات 11 سبتمبر الدموية، من تحقيق مكاسب استراتيجية ضخمة، وعلى حساب روسيا بالذات.. فقد أعطت القيادة الروسية الضوء الأخضر ليس فقط لمرور الطائرات الأمريكية في اجواء روسيا وبلدان آسيا الوسطى، بل وأيضا لحصول القوات الأمريكية على قواعد عسكرية في تلك البلدان التي تمثل الجناح الجنوبي لروسيا والجناح الغربي للصين. وبغض النظر عن الكلمات المعسولة التي قيلت في الأيام الأولى للحرب الأفغانية عن كون هذه القواعد مؤقتة وانها اقرب الى التسهيلات العسكرية الضرورية لشن الحرب، فإن الأمر سرعان ما انجلى عن الصورة الحقيقية التي سوف يتخذها الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى.. صورة الوجود الدائم في (الحديقة الخلفية) لروسيا.. وفي منطقة بحر قزوين الغنية باحتياطياتها الهائلة من النفط والغاز. وباختصار شديد فقد شهدت موازين القوى الاستراتيجية في المنطقة المتاخمة لروسيا، انقلابا جذريا خلال بضعة أسابيع! وبرهنت القيادة الروسية بصورة قاطعة على انها ليست على مستوى الظرف التاريخي المعقد الذي تواجهه بلادها. ولقيت روسيا (جزاء سنمار) على خدماتها المجانية للولايات المتحدة الثملة بنشوة انتصاراتها في المنطقة، والتي بادرت باعلان تأكيدها على ضرورة اقامة درع الدفاع الصاروخي، وتوسيع حلف الأطلسي شرقا ليضم جمهوريات البلطيق الثلاث (السوفييتية السابقة) ورفض تدمير الرؤوس النووية التي يجري الحديث حول نزعها عن الصواريخ الاستراتيجية وعادت واشنطن للتنديد بانتهاكات روسيا لحقوق الإنسان في الشيشان. وهي قولة حق يراد بها باطل أمريكي. وبدأت واشنطن تبحث مع كل من جورجيا واذربيجان مسألة اقامة قواعد أمريكية في هذين البلدين الواقعين جنوبي روسيا في القوقاز.. وغني عن البيان ان موسكو لم تحصل على المساعدات الاقتصادية السخية التي تم التلويح بها في بداية الحرب الافغانية. وباختصار فإن الحرب الافغانية اسفرت عن هزيمة استراتيجية لروسيا دون قتال.. في مشهد درامي مكمل للوحة الحرب الباردة القديمة وانتهت الحرب لتجد روسيا نفسها في وضع أضعف بكثير مماكانت عليه قبلها.. وأقل قدرة بكثير على الدفاع عن حلفائها الذين قررت أمريكا استهدافهم بعدوانها، بعد ان وصفتهم بأنهم يمثلون محور الشر في العالم وفي مقدمتهم العراق. العجز الروسي في اجواء نشوة النصر واستفحال غطرسة القوة الأمريكية، جاء خطاب رئيس الولايات المتحدة حول (حالة الاتحاد) ليعلن حق واشنطن في التدخل العسكري ضد الارهاب حيث وجد (في أكثر من ستين بلدا)!! وليعلن استهداف أمريكا للدول الثلاث المتهمة بمحاولة الحصول على أسلحة الدمار الشامل (العراق وايران وكوريا الشمالية) باعتبارها تمثل محور الشر الذي يشكل أكبر تهديد للأمن والسلام في العالم!! وتبنى الخطاب تلك المقولات التي كان يرددها بول وولفونتير مساعد وزير الدفاع، وأشد صقور الإدارة الأمريكية تطرفا، منذ اشتعال الحرب الأفغانية.. أي ضرورة الاستفادة من الزخم الذي صنعته الحرب للاطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين، ولو اقتضى الأمر غزو العراق بقوات أمريكية!! وفي ظل هذه الأجواء المحمومة طالبت الادارة الأمريكية بعودة المفتشين الدوليين الى العراق دون قيد أو شرط، واجراء تغييرات جذرية في طابع النظام العراقي تنتهي بذهاب صدام حسين، والا.. فهي الحرب!! عدوانية الموقف الأمريكي لا تحتاج الى شرح لكن مانريد الحديث عنه هنا هو التخاذل الواضح للموقف الروسي تجاه العراق، حتى قبل خطاب بوش الأخير.. ذلك التخاذل الذي مثل تراجعا واضحا عن الموقف الروسي المعروف (قبل 11 سبتمبر) بشأن الحصار الاقتصادي للشعب العراقي، ومايعرف باسم (العقوبات الذكية)، والضوابط الصارمة التي ينبغي ان تحكم تشكيل وآليات عمل فرق التفتيش الدولي في حالة عودتها الى العراق.. الخ. فقد رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استقبال نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز، طالما أن الأخير لم يجئ الى موسكو بموافقة بغداد على عودة المفتشين الدوليين، وبغض النظر عن الضوابط التي كانت موسكو نفسها تدعو للالتزام بها وقبل خطاب بوش ولاسيما بعده، توالت التصريحات من جانب مسئولين روس كبار من بينهم وزير الخارجية (ايفانوف) ورئيس لجنة الدفاع في البرلمان (روجوزين) تطالب العراق بالانصياع للمطلب الأمريكي بعودة المفتشين. ورغم ان المحاولات الأمريكية لتوريط بغداد في قضية الارهاب الدولي قد منيت بالفشل الذريع فإن سعي موسكو للتخلص من موقفها المؤيد للعراق قد أصبح واضحا بصورة لا تحتاج الى التعمق في الاستنتاج والتحليل. وصحيح أن روسيا أبدت اعتراضها على فكرة (محور الشر).. وأعلن بوتين ان بلاده لا تؤيد (وضع قوائم سوداء) لكن المعارضة الروسية لضرب العراق جاءت أقرب الى الغمغمات الواهنة منها الى الموقف الواضح. ويمكن على سبيل المثال فقط توضيح ما يرمي اليه بمقارنة تصريحات كبار المسئولين الروس بتصريح وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أولبرايت التي علقت على خطاب بوش بأن الادارة الأمريكية الحالية قد (فقدت صوابها فيما يتصل بالسياسة الخارجية) أو بتصريحات وزير الخارجية الفرنسي التي اثارت معركة كلامية حادة بينه وبين كل من وزير الخارجية الأمريكي كولن باول والرئيس جورج بوش. بل ان تصريحات بوتين قد فتحت الباب للمرة الأولى للموافقة على ضرب العراق فقد قال بوتين في حديث لجريدة (وول ستريت جورنال) ان استعمال القوة ضد العراق (يجب ان يكون مبررا كما كانت الحال بالنسبة لطالبان وينبغي تقديم براهين يقر بها الجميع!!). (الحياة 12 فبراير 2002) وبغض النظر عن عدم موافقتنا على ضرب الشعب الافغاني باسم ضرب طالبان والارهاب فليس مفهوما على الاطلاق ذلك الخلط المتعمد بين قضية الارهاب وقضية أسلحة الدمار الشامل!! وهو أمر لا يخفى، بالطبع، على الرئيس الروسي.. ويبدو الأمر أكثر اثارة للدهشة على ضوء المصالح الاقتصادية الضخمة لروسيا في العراق ـ فضلا عن المصالح الاستراتيجية.. والتي سبقت الاشارة اليها. لكن تفسير (اللغز) يكمن في تفاقم العجز الروسي، وضعف قادة الكرملين ازاء التحديات الكبرى التي تطرحها تطورات الوضع الدولي. فروسيا التي عجزت عن حماية مصالحها في (حديقتها الخلفية) أصبحت أضعف من أن تحميها في الخليج. وبعد.. فما بالنا نندهش لعجز الآخرين وتخاذلهم بينما العجز العربي عن حماية شعب العراق يفقأ الأعين؟! وتخاذلنا يقدم للآخرين مبررا للتخاذل؟! ومن يشك في ذلك عليه تأمل مصير مبادرة عمرو موسى.. لكن هذا حديث ذو شجون. ـ كاتب مصري