الملف السياسي: ارتبطت المرحلة الأولى من حملة جورج بوش العسكرية باسقاط نظام طالبان في أفغانستان والقضاء المبرم على أغلب عناصر تنظيم القاعدة في ربوعها، واقامة حكومة موالية للولايات المتحدة في كابول وعودة التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وباكستان، ، الى جانب انشاء قواعد عسكرية متنوعة في أفغانستان، وباكستان وطاجكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان في اطار بناء وتعميق الوجود الأمني والتغلغل الاقتصادي في آسيا الوسطى الاسلامية بصفة خاصة وفي جنوب آسيا بوجه عام. ولقد اتخذ الرئيس الأمريكي بوش قراره بشن الحرب في بلاد الأفغان يوم19 سبتمبر الماضي، بعد ثمانية أيام فقط من تفجيرات واشنطن ونيوريورك، وبدأها في الثامن من أكتوبر التالي، وتنتهي هذه المرحلة الأولى في 22 يونيو المقبل مع نهاية مدة حكومة قرضاي المؤقتة وتشكيل الحكومة الانتقالية التي يحميها وجود عسكري أمريكي فعال في عدة قواعد عسكرية أفغانية في قندهار، وباجرام، وشيفدند وغيرها، وفي قواعد باكستانية عسكرية أخرى في بيشاور وكويتا، ثم قوة حفظ سلام متعددة الجنسيات تقودها بريطانيا وتؤمن السيطرة على كابول والمدن الأفغانية الرئيسية. وقد عزت الولايات المتحدة نجاحها الساحق في أفغانستان الى ذلك الاستخدام واسع النطاق للضربات الجوية والصاروخية ضد الأهداف المعادية بواسطة الأسلحة والذخائر الذكية، وحسن اعداد وتسليح وتوظيف وحدات التحالف الشمالي الأفغاني، ودعمها الموقوت والمؤثر بالقوات الخاصة ومشاة البحرية الأمريكية في ذروة العمليات البرية الى جانب توظيف الضغوط الدبلوماسية والسياسية والمعنوية على حكومة طالبان وحصارها اقتصاديا. وتأكدت واشنطن من قدرتها على ادارة حربين اقليميتين متزامنتين في وقت واحد، دارت احداهما في أفغانستان، وكانت لا تزال مستعدة لادارة الحرب الأخرى في مسرح الحرب في الشرق الأوسط مع الاستفادة القصوى من تكنولوجيا التسليح المتطور والاستطلاع الفضائي والجوى في كلتيهما، ومع ذلك فان مطالب القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات تتطلب أن تتولى القيادة المركزية في الظروف الحالية الادارة المثلى لحرب اقليمية واحدة في نطاق مسئوليتها الذي يشمل مصر والسودان واريتريا وأثيوبيا وجيبوتي وكينيا والصومال في شرق افريقيا، ودول المشرق العربي جميعها شاملة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية واليمن، ثم أفغانستان وباكستان في جنوب غرب آسيا. ويهدف النشاط الحالي للولايات المتحدة وحلفائها في مسرح الحرب في جنوب آسيا الى تصفية جيوب المقاومة الأفغانية، وتوجيه ضربات مباشرة وغير مباشرة ضد حركات المقاومة الاسلامية في كشمير مع حرمانها من أغلب صور الدعم الباكستاني، ثم ضرب جبهة تحرير مورو في الفلبين في اطار عملية ممتدة تشترك فيها حاليا كتيبة أمريكية من قوات العمليات الخاصة وتستهدف منع قيام أي كيان اسلامي على أي جزء من أراضي الفلبين. وفي مسرح العمليات في منطقة القرن الافريقي والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر تقوم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حاليا بتكثيف وجودها البحري، وتتمركز مجموعة حاملة طائرات بريطانية في ميناء ممباسا الكيني، وتضم فرقاطة وغواصة وطراداً، وتحاصر سفن السطح الأمريكية والألمانية سواحل الصومال، وتجوب الدوريات البحرية الأمريكية والبريطانية مياه خليج عدن، بينما ينشط الاستطلاع الفضائي والجوي الأمريكي في أجواء اليمن والصومال ليختار الأهداف المحتملة لضربات جوية وصاروخية ضد بعض الجماعات المناهضة أو معسكرات تدربيها. ويرى جورج بوش أن الفرصة مهيأة لاقامة نظام موال للولايات المتحدة فى الصومال التى فقدت كيان الدولة منذ بدأت الحرب الأهلية فى ربوعه عام 1990 بعد سقوط نظام سياد برى، وكذا لتصفية بعض الميليشات المسلحة التى يحتمل أن يكون تنظيم القاعدة قد اخترقها فى السنوات السبع الماضية. ويرى البنتاجون أن ادارة عملية حربية فى الصومال سوف تحتاج الى أقل من 25 ألف من القوات البرية الأمريكية وهو الحجم الذى استخدم عامى 1992، 1993، ويمكن حسمها فى وقت محدود لخدمة المصالح الحيوية الأمريكية فى السيطرة على المدخل الجنوبى للبحر الأحمر وبدء مخطط الوجود السياسى والأمنى والاقتصادى الفعال للولايات المتحدة فى شرق افريقيا. ولكن يبقى مسرح الحرب فى الشرق الأوسط صاحب الأسبقية الأولى فى حملة بوش، وفى سياسته لتحقيق الهيمنة العسكرية على مناطق المصالح الحيوية الأمريكية فى العالم الثالث كله، ولقد اتخذ الرئيس الأمريكى قراره فعلاً بضرب العراق فى شهر يناير الماضي بهدف اسقاط نظام صدام حسين، واعتبر أن العراق وايران وكوريا الشمالية تشكل محور الشر الذى يهدد أمن واشطن في المدى القريب سواء من خلال برامج تطوير وامتلاك أسلحة الدمار الشامل أو دعم التطرف ومناهضة المصالح الحيوية الأمريكية فى شرق ووسط آسيا أو فى الخليج العربى، أو تهديد حلفاء الولايات المتحدة فى تلك المناطق بالغة الأهمية فى الاستراتيجية الكونية الأمريكية الى حد أن كولن باول وزير الخارجية الأمريكى قد أكد أن القوات المسلحة الأمريكية لن تغادر آسيا الوسطى أو الخليج حتى يصبح العالم على الصورة التى تريدها الولايات المتحدة !!! وبكل صراحة ووضوح أكد الرئيس الأمريكى بوش تصميمه على مواصلة الحملة الحربية الضارية ضد الارهاب، وضد الدول التى تطور أسلحة الدمار الشامل حتى ولو أصاب التعب والارهاق دول العالم أجمع، مستخدماً فى حملته كافة صور العمليات السرية والحربية النشطة!!! ولقد استطاعت الادارة الأمريكية حتى الآن احباط محاولات الأمين العام لجامعة الدول العربية، وحكومة العراق لبدء حوار مباشر وغير مشروط بينها وبين السكرتير العام للأمم المتحدة لاستئناف مهام مفتشى الأسلحة على القوات المسلحة والمصانع الحربية العراقية على الرغم من الوساطة الروسية والفرنسية فى هذا الصدد. ومع ذلك فان هناك ما يؤجل الهجوم الأمريكى المرجح ضد العراق، وفى مقدمة العوامل الحاكمة المؤثرة على هذه العملية الحربية الخطيرة فى المرحلة الحرجة الحالية لعالمنا العربى، يأتى تحديد الحلفاء، وحجم ونوعيات قواتهم، وخطة الاستخدام الاستراتيجى للقوات المتحالفة، والدول التى ستنطلق من أراضيها القوات الجوية والبرية لمهاجمة العراق والزمن اللازم للفتح الاستراتيجي والتعبوي لتلك القوات. ويتأثر توقيت بدء الهجوم على العراق كذلك باصرار القيادة المركزية الأمريكية على خفض خسائرها البشرية المحتملة الى أدنى حجم ممكن، وتقليل حجم القوات البرية الأمريكية المستخدمة فى العملية الهجومية، وهو الأمر الذى يرتبط بالقدرات القتالية للقوات الكردية المتمردة فى شمال العراق، وبامكانية تدريب وتسليح عناصر محدودة من ميليشيا المؤتمر الوطنى العراقى لمعاونة الأكراد فى الاقتراب من القوات العراقية شمالي بغداد والالتحام معها. القوى الكبرى وضرب العراق باستثناء بريطانيا، التي تؤيد الاستراتيجيات والسياسات الأمريكية على طول الخط، فان فرنسا والصين وروسيا تختلف مع وجهة نظر بوش ازاء حملاته الحربية، وترى استحالة تركيز كافة مشاكل العالم في مكافحة الارهاب دون مواجهة أسبابه، وتطلب تجنب المعايير المزدوجة في حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل في مناطق ذات أهمية جيوبوليتيكية كبرى كالشرق الأوسط، حيث تنفرد اسرائيل بالقدرة النووية العسكرية بينما لن تستطيع ايران امتلاك القنابل النووية التكتيكية قبل عام 2005، ولا يستطيع العراق استئناف برنامجه الكيميائي أو البيولوجي قبل عام 2003 طبقا للتقديرات الاستخبارية الأمريكية ذاتها. وتتفق الدول الكبرى الثلاث في أن التسوية السياسية للقضية الفلسطينية هي أداة رئيسية للحد من الارهاب اقليميا ودوليا، وأن من الضروري تعديل سياسة واشنطن في القبول الأعمى بسياسة شارون في تحويل قضية فلسطين الى مسألة اسرائيلية داخلية، والمضي في مخططه لتهويد القدس والجزء الأكبر من الضفة الغربية لنهر الأردن. وتقدر الدول الثلاث أيضا أن العالم العربي في معظمه لا يعتبر أن العراق يمثل تهديدا اقليميا لدول الخليج العربي أو اسرائيل. بل ان اسرائيل في رأي باريس وبكين وموسكو تحاول التأثير في دوائر صنع القرار السياسي في واشنطن لاستعداء آلة الحرب الأمريكية ضد العراق وايران معا في أقرب وقت ممكن. لكن المشكلة الحقيقية هي أن وزن المعارضة السياسية لضرب العراق في الدول الثلاث لن يتزايد ويؤثر في أرض الواقع ما لم يكن هناك اجماع عربي، شعبي ورسمي، على رفض الهجوم على العراق، وتنسيق جيد بين الدول العربية الرئيسية في النظام الاقليمي العربي وبين كل من الدول الكبرى الثلاث لمنع العدوان على أية دولة عربية تحت ذريعة اطلاق أيدي الولايات المتحدة في حرب الارهاب وبدون الاستناد الى شرعية دولية لا تتحقق الا بقرار من مجلس الأمن الدولي. العرب والعراق استطاعت مصر والسعودية ـ حتى الآن ـ اقناع واشنطن بعدم اللجوء الى القوة العسكرية ضد العراق قبل اتاحة الفرصة حتى أبريل المقبل كحد أدنى لايجاد حل سياسي مقبول دوليا واقليميا لمسائل التفتيش على برامج العراق الصاروخية والكيميائية والبيولوجية بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وحل المشاكل الثنائية بين العراق والكويت، والالتزام بعلاقات حسن الجوار واجراءات بناء الثقة في منطقة الخليج العربي بأكملها. وأكدت القاهرة والرياض وأبوظبي أن امتداد حملة بوش الى العراق سوف يؤدي الى انقسام التحالف أو الائتلاف الدولي ضد الارهاب، والى رد فعل معاد للولايات المتحدة في أغلب الدول العربية التي ترفض اسقاط أي نظام بالعدوان العسكري على أراضي دولته ودعم قوى التمرد والانفصال داخلها. وتحذر القاهرة والرياض وأنقرة من التهديد الخطير لوحدة أراضي العراق وتكاملها الاقليمي اذا ضربته الولايات المتحدة، وان كانت المخابرات المركزية الأمريكية تدرس حاليا مع بعض المسئولين الأتراك احتمالات انضمام كردستان العراقية بعد انفصالها الى ديار بكر التركية في جنوب شرق الأناضول لتكوين دويلة كردية تتمتع بالاستقلال الذاتي تحت السيطرة التركية، وتستقبل عددا من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا وفي جنوب لبنان !!! وفي أرض الواقع لا تزال السعودية تعارض أي حشد عسكري أمريكي جديد على أراضيها في ضوء الموقف الصريح الذي عبر عنه ولي العهد ووزير الداخلية السعوديان من معارضة توجيه ضربة أمريكية ضد العراق، وأن السعودية اذا حدثت تلك الضربة، فلن تكون بأي حال مع الحرب ضد أية دولة عربية. بل ان بعض المسئولين السعوديين بدأ يطالب واشنطن بالتفكير في أن تبدأ قريبا خفضا تدريجيا لحجم قواتها التي تتمتع بالتمركز أو بالتسهيلات في الأراضي والمياه الاقليمية السعودية. وقد سربت المصادر الأمريكية أن الهجوم على العراق يتطلب حشد مئة ألف جندي أمريكي على الأقل في منطقة الخليج، ولا يتوفر منهم الا النصف حاليا بعد نجاح واشنطن في نقل فرقة جديدة الى احدى دول المنطقة. ويبنى التخطيط الأمريكي على القيام بالهجوم من أراضي تركيا واحدى دول الخليج العربية على الأقل في ضربات رئيسية وثانوية متزامنة. وقد بدأت القيادة المركزية الأمريكية بالفعل في رفع كفاءة القواعد الجوية التركية في انجرليك وقونية. ولن ينقذ العراق من خطر التدمير الا موقف عربي تاريخي تتخذه قمة بيروت المقبلة برفض القضاء على كيان دولة عربية وابادة مئات الآلاف من شعبها الذي فقد مليون طفل من أبنائه في عقد واحد من السنين خلال عاصفة الصحراء عام 1991 وما تلاها من أعوام، الى جانب صلابة مطلوبة في مواقف مصر والسعودية والامارات وسوريا انطلاقا من مسئولياتها القومية عن أمن وسلامة الوطن العربي، ثم تنسيق سياسي واستراتيجي مع القوى الكبرى التي ترفض المزيد من الخلل في التوازنات الاستراتيجية في الخليج وفلسطين، أو محاولات اعادة رسم الخريطة السياسية للعالم العربي وتفتيت بعض وحداته السياسية ومنها العراق والسودان والصومال تمهيدا للقضاء على الفكرة القومية في أمة العرب! ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط