الملف السياسي: تعد الولايات المتحدة الأمريكية لعملية كبيرة في العراق وهذا ماتؤكده واشنطن والعديد من العواصم الأوروبية، بالاضافة الى أن واشنطن قد بدأت بالفعل في اعداد مسرح العمليات العسكرية، من خلال حشد اساطيلها وحاملات طائرتها في الخليج وفي المياه الدولية القريبة من المنطقة وكذلك من خلال الاستعدادات والتدريبات التي تتم في قواعدها العسكرية وقواعد حلفائها المنتشرة هنا وهناك الا أنها تستعد للاعداد الدبلوماسي والسياسي اللازم لهذه العملية من خلال الزيارات التي يقوم بها المسئولون الأمريكيون للمنطقة ومنها زيارة نائب الرئيس الأمريكي الى المنطقة والتي أوضحت مصادر أمريكية غير رسمية انها ليست للتشاور مع دول المنطقة بشأن هذه العملية لان القرار قد اتخذ بالفعل، وانما لابلاغها بها ومطالبة كل منها بمواقف محددة مؤيدة وداعمة بالطبع لهذه العملية، خاصة بعدما وسع الرئيس الأمريكي من مفهوم مكافحة مايسميه بالارهاب يشمل الدول التي تنتج وتطور وتبيع أسلحة الدمار الشامل والتي أطلق عليها محور الشر، وهي العراق وايران وكوريا الشمالية وبالرغم من ان اسرائيل هي أكبر دول المنطقة من حيث امتلاك وتصنيع وبيع أسلحة الدمار الشامل وبالرغم من ممارستها لشتى صنوف الارهاب والقمع بحق الشعب العربي الفلسطيني الا انها تبقى خارج نطاق هذه الدول وهو مايثير العديد من علامات الاستفهام حول حقيقة الاهداف الأمريكية من هذه العملية التي تعد لها ضد العراق، ويمكن ان نقدم اجتهادا حول حقيقة هذه الأهداف وتحليلا لمواقف الأطراف المعنية منها وتصورا للامكانيات المتاحة للتعامل العربي معها. أولا: حقيقة الأهداف الأمريكية من هذه العملية الهدف المعلن من جانب الولايات المتحدة هو القضاء على نظام الرئيس العراقي صدام حسين، حيث يرى بعض المحللين السياسيين في واشنطن ان بوش الابن مصر على اتمام العملية التي قام بها بوش الأب في حرب تحرير الكويت، حيث رأى البعض ان الادارة الأمريكية قد اخطأت انذاك لأنها لم تقم بالقضاء على هذا النظام، وهذا الاتجاه في التحليل يتجاهل حقيقة الهدف الذي قام من أجله انذاك التحالف الدولي وهو تحرير الكويت وليس تدمير العراق، وان الولايات المتحدة وان كانت قد توقفت عن القضاء على النظام العراقي انذاك فإن هذا كان لاعتبارات عديدة منها مواقف بعض أعضاء هذا التحالف ومعارضتهم أسلوب اسقاط نظام الحكم من الخارج واصرارهم على أن الهدف من العمليات قد تحقق بخروج العراق من الكويت، ومنها أيضا اعتبارات استراتيجية خاصة بالولايات المتحدة واساسها الرغبة في الاحتفاظ ببناء قواتها في المنطقة للدفاع عن منابع النفط المتدفق لها وللغرب وحلفائها الاخرين بالكميات المطلوبة وبالاسعار المناسبة وكذلك كي تتحمل دول المنطقة الجزء الأكبر من النفقات اللازمة للاحتفاظ بهذه القوات هذا بالاضافة لضمان استمرار بيع الأسلحة الأمريكية لهذه الدول بأسعار مرتفعة وبكميات مناسبة تتيح استمرار عمل مصانع السلاح الأمريكية بطاقتها الملائمة من الناحية الاستعمارية ومن ثم فلم يخطئ جورج بوش الأب حين توقف في النقطة التي كان يجب أن يتوقف عندها، والتي استثمرها بعد ذلك بيل كلينتون من خلال انجازه الاقتصادي الكبير في الولايات المتحدة، حيث حقق ميزان المدفوعات فائضا لأول مرة منذ سنوات عديدة وانخفضت معدلات البطالة والتضخم وتحسنت مؤشرات الاقتصاد الأمريكي في فترتي حكمه بصورة غير مسبوقة، كما ان هذا التوقف لم يمنع الولايات المتحدة من ممارسة أشد أنواع الضغوط على العراق من خلال العقوبات الاقتصادية ومن خلال الضربات العسكرية ومن خلال تفكيك اسلحته، الأمر الذي كانت له اثار تدميرية غير انسانية على ابناء الشعب العراقي، وادى في ذات الوقت الى استمرار النظام القائم في العراق وازدياد أحكام قبضته على الأمور. ومن ثم فهذا الهدف المعلن من جانب الادارة الأمريكية هو هدف يمكن تفنيده وفقا لمؤشرات المصالح الأمريكية ووفقا للظروف التي تعيشها المنطقة بعد حرب افغانستان وبعد الاساليب الوحشية التي يتبعها شارون في الاراضي العربية المحتلة، ومن ثم فماهي الاهداف الحقيقية الأمريكية من هذا التصعيد ضد العراق؟ يمكن القول بأن أهم هذه الأهداف مايلي: 1ـ تأكيد وتثبيت موقع اسرائيل كقوة اقليمية عظمى في المنطقة: يأتي هذا الهدف في مقدمة الأهداف الأمريكية لأن القيام بعملية كبيرة في العراق من شأنه أن يخلق حالة جديدة من التوتر والخلافات العربية اضافة الى انه يمكن أن يهز الاستقرار الهش القائم الآن في العديد من الدول العربية وفي المحصلة النهائية يؤدي الى مزيد من الضعف العربي الأمر الذي يوفر توازنا جديدا للقوى يتيح لشارون فرض تسوية اسرائيلية يقبلها العرب كارهين أو مكرهين، يؤكد هذا الزيارة الاخيرة التي قام بها وزير الدفاع الاسرائيلي الى واشنطن للبحث حول دور اسرائيل في هذه العملية، وهذا الدور قد يكون دورا مباشرا أو من خلال تركيا التي ترتبط بعلاقات خاصة مع تل أبيب ولعل هذا مايفسر تصريحات أجاويد المبكرة حول أن تركيا قد تجد نفسها منخرطة في عمل ضد العراق رغما عنها أو بحكم التزاماتها الدولية. 2ـ ردع ايران: الهدف الثاني الذي ترغب الولايات المتحدة تحقيقه هو ردع ايران التي مازالت تؤيد بقوة حزب الله وحركة المقاومة الفلسطينية في الاراضي العربية المحتلة وتطور من قدراتها العسكرية للحفاظ على امنها القومي في مواجهة التهديدات الاسرائيلية الموجهة اليها خاصة القدرات النووية والكيماوية والبيولوجية، والتي ترى اسرائيل والولايات المتحدة انها تمثل خللا في توازن القوى لغير صالح اسرائيل في المنطقة التي ترغب في احتكار عناصر القوة العسكرية التقليدية وغير التقليدية لفرض هيمنتها على المنطقة دون وجود أي منافس، ومن ثم فالقيام بعملية عسكرية كبيرة في العراق هو رسالة موجهة من الادارة الأمريكية الى طهران بأن هذا السيناريو يمكن تطبيقه على ايران. 3- اعادة بناء التحالفات الأمريكية في المنطقة. وهو ماأشار اليه الرئيس بوش الابن في خطابه من أن مواجهة الدول التي اسماها بمحور الشر قد يتطلب بناء تحالفات أمريكية جديدة في المنطقة، ومن ثم فبعض التحالفات الأمريكية العربية التقليدية قد صارت الآن محلا للتقييم من جانب الولايات المتحدة، خاصة مع تصاعد الاتجاه في الادارة الأمريكية بضرورة الا تتحكم دولة عربية في سوق النفط والا تتحالف الولايات المتحدة مع نظم غير ديمقراطية وفقا للمفهوم الأمريكي للديمقراطية، وقد حظت الولايات المتحدة بخطوات هامة في هذا الاتجاه وذلك من خلال سيطرتها على منابع النفط في منطقة بحر قزوين وتشجيعها الشركات الأمريكية على الاستثمار في هذه المنطقة . 4- اعادة ترتيب الأوضاع ورسم الخريطة السياسية للمنطقة: وهو الهدف الاستراتيجي لهذه العملية وهو سينتج تلقائيا مع تحقيق الاهداف السابقة حيث لا يتبقى الا وضع الصورة النهائية لخريطة المنطقة السياسية بما يتلاءم والمصالح الاستراتيجية الأمريكية والاسرائيلية في المنطقة العربية. هذه هي أهم الأهداف الحقيقية التي ترمي اليها الولايات المتحدة من القيام بعملية كبيرة في العراق وهي في سبيل الوصول الى هذه الأهداف لن تتورع عن استخدام كافة الأساليب والوسائل الذكية وغير الذكية، النظيفة والقذرة، فكل الاحتمالات قائمة، وكل الوسائل، والأساليب يمكن توقعها، وكل الثوابت القديمة قد تغيرت ولا تبقى الا حقائق القوة على أرض الواقع، وحقيقة تاريخية ثابتة في العلاقات بين الدول وهو انه لا توجد صداقات أو تحالفات دائمة وانما توجد مصالح متغيرة، وهو مالا يصدقه بعض العرب حتى الآن. ثانيا ـ مواقف الأطراف المعنية من هذه السياسة الأمريكية إذا مانظرنا الى مواقف الأطراف المختلفة المعنية من هذه السياسة الأمريكية سنجد دول الاتحاد الأوروبي قد أعلنت رفضها للمفهوم الأمريكي الجديد لمكافحة ماتسميه بالارهاب كما انها رفضت الأسلوب الأمريكي المنفرد في اتخاذ قرارات بعيدا عن حلفائها، ويرجع هذا الى امكانية تضرر مصالح دول الاتحاد الأوروبي في المنطقة نتيجة لهذه السياسة الأمريكية الجديدة، وقد تحدث بعض المسئولين الأوروبيين عن العراق تحديدا فذكروا انهم وان كانوا لا يؤيدون النظام العراقي القائم، وموقفه من المفتشيين الدوليين التابعين للأمم المتحدة الا انهم لا يوافقون على عمل عسكري ضد العراق بدعوى مكافحة الارهاب لأن العراق لم يثبت تورطه في أي عمل من أعمال الارهاب، أما روسيا الاتحادية فقد أعلنت رفضها لاستخدام القوة ضد العراق الا انها طالبت العراق بالسماح بعودة المفتشين الدوليين، وهو مايعني أن روسيا الاتحادية لا تملك عمليا وقف أي عملية عسكرية أمريكية تجاه العراق. الموقف التركي واضح وهو ان تركيا ستشارك في أي عمل أمريكي عسكري ضد العراق بشكل أو بآخر بحكم التزاماتها الدولية، خاصة وان مثل هذا العمل قد يتيح لتركيا السيطرة على منطقة شمال العراق الغنية بالبترول، والتي ترى بعض الأوساط التركية انها اراض تركية تم اقتطاعها بعد الحرب العالمية الأولى وتفكيك الدولة العثمانية، من أجل اقامة دولة العراق ومكافأة العرب الذين أعلنوا الثورة على تركيا العثمانية في الحرب العالمية الأولى. الصين رفضت استخدام القوة العسكرية ضد العراق الا انها لا تملك أي آليات لمنع الولايات المتحدة من القيام بمثل هذا العمل خاصة اذا ما تم القرار بها خارج نطاق مجلس الأمن الدولي. أما الدول العربية فقد فوجئت بالموقف الأمريكي وبالتصعيد القائم ضد العراق خاصة وان الادارة الأمريكية كانت قد أكدت من قبل لأكثر من مسئول عربي عدم اعتزامها القيام بأي عمل عسكري ضد أي دولة عربية في اطار حملتها، ضد الارهاب، ومن ثم ادانت الدول العربية الارهاب الدولي، وشاركت في جهود مكافحة الارهاب وقدمت للولايات المتحدة المساعدات المطلوبة خلال حملتها في افغانستان، والدول العربية ترفض من حيث المبدأ تغيير نظم الحكم من الخارج حيث ان هذا الأمر يمثل سابقة خطيرة في المنطقة، كما انه لا توجد أي بدائل قائمة للنظام العراقي كما ان القيام بعملية عسكرية ضد العراق في اطار حملة الولايات المتحدة لمكافحة الارهاب يفتح الباب امام القيام بعمليات أخرى ضد دول عربية أخرى تحت ذات المظلة. ويبقى الموقف الايراني الرافض لأي عمل عسكري ضد العراق أو ايران وقد أدت السياسة الأمريكية الى تقارب واضح في المواقف بين كافة أطراف النظام الايراني وحذر المسئولون الايرانيون الولايات المتحدة واسرائيل من القيام بأي عمل ضد المنشآت الاستراتيجية الايرانية، لأن ايران تملك القدرة على الدفاع عن نفسها هذه هي أهم المواقف التي أمكن رصدها تجاه السياسة الأمريكية في المنطقة، والاشكالية الواضحة أن أحدا لا يستطيع أن يمنع الولايات المتحدة من القيام بهذه العملية اذا ماأصرت على القيام بها. ثالثا ـ امكانات التعامل العربي مع هذا الموقف المعقد: لا شك في أن الدول العربية تواجه موقفا معقدا بالغ الخطورة على أمنها ومصالحها ومستقبلها وهذا الموقف يفرض كضرورة تأجيل أي خلافات عربية قائمة وأي حسابات عربية خاصة، لأن الخطر القائم يهدد فعليا كل الدول العربية بغير استثناء ومن ثم فلابد من انهاء ملف الحالة العراقية الكويتية خلال القمة العربية القادمة وتوفير كل الدعم العربي الرسمي والشعبي لجهود الأمين العام لجامعة الدول العربية في هذا المجال، وعدم تعطيله عن العمل، لأن هذا يمهد الطريق للوصول الى الهدف، وهو مايتطلب بعض القرارات الصعبة من جانب الكويت والعراق، هذه القرارات مهما كانت صعوبتها الا انها ضرورية في مثل هذه الظروف، خاصة وان الظروف تفرض علينا كعرب المرونة مع الاعداء فلماذا لا نقبل بالمرونة مع الاخوة! المجال الاخر للتحرك العربي خلال المرحلة الحالية هو الاتحاد الأوروبي حيث ان الاتحاد الأوروبي وبالرغم من محدودية تأثيره السياسي الا انه الأكثر قدرة على التأثير في الموقف الأمريكي نسبيا. ثم يأتي التحالف مع ايران كضرورة استراتيجية تفرضها الظروف والمصالح العربية والايرانية فالموقف الايراني بالرغم من وجود بعض الخلافات مع ايران حول قضية الجزر الاماراتية الا انه يظل أقرب المواقف الى المصالح العربية، وربما قد يساعد ذلك على التوصل الى حل لمشكلة الجزر في المستقبل. وتبقى العودة الى احضان الشعوب العربية واسماع صوتها للعالم، وحشدها وتعبئة قدراتها وامكاناتها استعدادا لمعركة طويلة وصعبة. ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان