الملف السياسي: تتزايد فقاعات الحرب هذه الأيام فيما عرف عن تطبيقات السياسة الامريكية ضد من تصفهم بالارهاب الدولي، وكان خطاب الرئيس الامريكي عن حالة الاتحاد وما ورد فيه من أوصاف لكوريا الشمالية وايران ثم العراق بكون هذه الدول الثلاث محور الشر العالمي، وما أطلق من وراء هذا الخطاب من آراء وتحليلات في الصحافة الامريكية والعربية، فضلا عن التصريحات الرسمية أبرزها كان فرنسيا في احتمالات مفتوحة لانهيار التحالف الامريكي مع عدد من الدول لمكافحة الارهاب قد يصبح معرضا للانهيار في حالة الاصرار الامريكي على انتهاج هذه السياسة التي وصفت بشتى النعوت من «الرعناء» ولغاية وصفها بالسياسة «غير المسئولة». كل ذلك يذكرنا بفيلم أمريكي عرض في نهاية الستينيات عنوانه «انهم يقتلون الجياد أليس كذلك؟» تأليف واخراج سدني بولاك. تدور قصة الفيلم عن مسابقة للرقص، أغلب المشاركين فيها من العاطلين عن العمل، والمطلوب الاستمرار في الرقص حتى النهاية دون استراحة أو قسط من النوم، ومعروف في الغرب الامريكي ان الحصان اذا لم يفلح في الوصول الى الهدف يقتل!! فتطلب احدى المشاركات من رجلها القتل رأفة بها لعدم استطاعتها الاستمرار في الرقص المتعدد الأشكال وقد انهارت قواها ولن تستطيع رقص التانجو الأخير في المسابقة. إذا حاولنا ان نطبق هذا المبدأ في التعامل من صميم الثقافة الامريكية والذي يتضح في أكثر من حالة في المواقف السياسية الامريكية على خطاب الرئيس الامريكي وهو من ذات الغرب الامريكي يمكن لنا القول: أولا: أراد بوش ان يحصل على النصر الرخيص في افغانستان بالشكل الذي يؤهله كما يشرح الصحفي الامريكي بوب وود وارد فيما ينشره على الـ «واشنطن بوست» من تفاصيل القصة السرية للحرب الامريكية على الارهاب، باعتبار هذا النصر طريقه السالك نحو البيت الابيض في الانتخابات المقبلة دون المرور في المحاكم العليا لمنحه أربع سنوات اخرى على الكرسي البيضاوي. وتكفي اشارات وود وارد الى الخطاب الرئاسي وكيفية اعداده ليتناسب مع انتخابات 2004 لكي نفهم العقلية الامريكية في اطلاق فقاعات الحرب مثلما فعل سابقه بيل كلينتون في شن عدوان «ثعلب الصحراء» الذي أطلقت عليه الصحافة الامريكية تسمية «ثعلب مونيكا» لخلط الاوراق في أزمة رئاسية امريكية صارخة. ثانيا: لماذا لم يضرب العراق حتى الآن؟ وهل ان الادارة الامريكية إذا ما اتخذت قرار العدوان يمكن ان تتردد وفقا لحسابات القانون الدولي مثلا؟! أرادت فرنسا ممثلة بالرئيس جاك شيراك نصح الادارة الامريكية بعدم اللعب الخشن في المناطق المحرمة مثل استخدام مصطلح «الحرب الصليبية الجديدة» أو اعتبار الاسلام كدين مركز الثقل في بؤرة الهدف الامريكي واليوم يرسل الى مكتبي مشكورا الملحق الصحفي في شعبة رعاية المصالح الفرنسية رسائل اخبارية متلاحقة على شكل مقتطفات من التصريحات الرسمية للدولة الفرنسية تجمع ان فرنسا لن توافق على المبدأ الأمريكي في العدوان على العراق، وأذكر اني قد سألته ذات مرة ما يمكن ان تفعل فرنسا للعراق إذا ما شنت عليه الولايات المتحدة عدوانا جديدا وخارج نطاق الأمم المتحدة، فأجابني الدبلوماسي الفرنسي ان هذا السؤال افتراضي ولا يمكن له الاجابة عنه! ولروسيا والصين وعدد آخر من الدول الاعضاء في مجلس الأمن مواقف تبدأ من الرفض الكلي وصولا الى أضعف الايمان في الرفض اللفظي والسؤال ذاته مازال مطروحا ماذا لو فعلتها واشنطن؟ ثالثا: لعل من كان أكثر الامريكيين صراحة في الاجابة عن هذا السؤال هو رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن «انتوني كورزدمان» وبالطبع هذا الرجل من أشد المعادين للعراق ولكنه نبه الى أفضليات الاختيار بين شن العدوان على العراق وتوقيتاته، وتناقلت شبكة المعلومات الدولية دراسة انتوني كورزدمان التي حددت في خلاصتها الاشتراطات المطلوبة امريكيا لـ «أفغنة العراق» في مواجهة ما وصفته هذه الدراسة بالصعوبات الكبيرة التي تواجهها الادارة الامريكية الحالية في التعامل مع العراق وشن هجوم امريكي عليه وفقا للنموذج الافغاني، وقد عبر كورزدمان صراحة عن مخاوفه من انفراط عقد التحالف الامريكي مع عدد من الدول العربية والاسلامية في مكافحة الارهاب الدولي، لذلك اشترط خمس حالات يمكن للادارة الامريكية ان تنطلق منها في شن مثل هذا الهجوم الواسع، وخلاصتها: ـ أن تظهر الادارة الامريكية دليلا دامغا على تورط العراق بالهجوم على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي. ـ أن تظهر الادارة الامريكية دليلا دامغا على قيام العراق بتطوير برامجه لأسلحة الدمار الشامل. ـ أن تنقل الولايات المتحدة أقوالها الى أفعال بصدد القضية الفلسطينية. ـ أن يكون لها خطة مقنعة وموثوقة وسريعة (للنظام البديل) في العراق على ألا تكون من رموز المعارضة في الخارج. ـ أن تكون الولايات المتحدة جاهزة لتحمل ما سينجم عن ذلك من خسائر مادية وبشرية. وعلى العكس تماما وربما في تناغم توزيع أدوار صريحة ظهرت مقالة للعراب العتيد في السياسة الخارجية الامريكية «هنري كيسنجر» وكل منهم يحدد شروط الرقص في حلبة التنافس كي يشارك الآخرون غير مختارين في لعبة الموت الامريكية. ويرى كيسنجر في هذه المقالة المنشورة يوم 13/1/2002 على صحيفة «لوس انجلوس تايمز» ان كل هذا الحديث عن العراق يثير التحدي الذي لا يمكن تجنبه. وهذه القضية لا تتمثل فيما اذا كان العراق متورطا في الهجوم (الارهابي) على الولايات المتحدة، ان تحدي العراق هو في جوهره تحد جيوسياسي. فسياسة العراق معادية عداء شديدا للولايات المتحدة، ولدول مجاورة معينة (اسرائيل). ويمتلك العراق مخزونات متزايدة من الاسلحة وليست هناك امكانية لاجراء مفاوضات بين واشنطن وبغداد، ولا أساس للثقة بـ «وعود العراق» أمام المجتمع الدولي. ويبدأ الثعلب العجوز في تكرار معزوفة مفتشي الاسلحة التي ينطبق عليها المثل الدارج في الاقطار العربية «وعدوني بالحلق.. خرمت آذاني» لأن العراقيين لم يسمحوا بدخول المفتشين أصلا الا لأنهم وجدوا في ذلك مصلحة أساسية تمثل رفع الحصار عنهم. أما ما يقوله كيسنجر في مقالته هذه بأن الحد الأدنى الذي يجب الاصرار عليه هو «نظام التفتيش من جانب الأمم المتحدة لازالة أسلحة الدمار الشامل في العراق، مع ضمان الحق غير المحدود في التفتيش وحرية حركة المفتشين. ولكن مثل هذا النظام لا يوجد على الورق، وقد يكون السعي لوضعه مماثلا للسعي المطلوب للاطاحة بالنظام السياسي في العراق. وقبل كل شيء، واذا ما أخذنا في الحسبان سهولة انتاج الاسلحة البيولوجية والكيماوية، يجب ان يكون التفتيش اقتحاميا الى أقصى حد، وتظهر التجربة انه ما من عملية تفتيش يمكن ان تصمد بشكل لا محدود أمام مقاومة حكومة عدوة مصممة على موقفها. وكلمات كيسنجر ليست عصية على الفهم لمن يريد ان يفهم ما يجري على حلبة الرقص، فالوضع ليس مجرد حالة افتراضية لعدوان لم تشنه واشنطن بعد على العراق بقدر كونه تضييق الخناق على المسعى الدبلوماسي العراقي وعدم ترك أي منفذ يستطيع معه العراق التوصل الى تسوية الحالة مع الأمم المتحدة في اطار الجهد الحالي في المبادرة التي خول فيها العراق الأمين العام لجامعة الدول العربية في طرحها على الأمين العام للأمم المتحدة والعمل على ايجاد الآليات الكفيلة برفع الحصار عن العراق وليس تكريسه. الوجه الآخر لوصف ساحة المنازلة جاء من معهد بروكنجز، حيث شارك سكوت ريتر «المفتش الامريكي» عن الاسلحة في العراق والذي أكد، كما هي عادته في هذه الأيام بعد صدور كتابه «نهاية لعبة» وفيلمه التسجيلي «الرمال المتحركة» خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل وانه لا يهدد امريكا أو أية دولة في المنطقة، وشارك في هذا اللقاء فيليب جوردن زميل متقدم في دراسات السياسة الخارجية في مؤسسة بروكنجز ومؤلف كتاب «الحلفاء عبر الاطلسي والشرق الأوسط المتغير» المدير السابق للشئون الاوروبية في مجلس الأمن القومي ومايكل أوهانلون زميل متقدم في دراسات السياسة الخارجية في مؤسسة بروكنجز. وكان محور النقاش الخطوة أو الخطوات الامريكية المقبلة في الأشهر الست المقبلة؟! أجاب سكوت ريتر على هذا السؤال قائلا: ستصعد الولايات المتحدة الضغط الدبلوماسي من ناحية ما يسمى بدبلوماسية «العقوبات الذكية» في الأمم المتحدة وستزيد الطائرات الامريكية من أعمالها الدورية بشكل عدواني في مناطق الحظر الجوي، وستحاول استعمال قضية التفتيش عن الاسلحة كتبرير في حالة رفض العراق عودتهم لضرب الاهداف في وحول بغداد من أجل تصعيد الضغط العسكري ضد العراق. هذه انماط متعددة من أساليب التحليل الامريكي لساحة المنازلة وكلها تصب في الاتجاه ذاته، من العدوانية غير المبررة ضد العراق. يكفي ان نصفها بالترويج متعدد الوجوه للعدوانية الامريكية، وتتضح من هذا الاطار حالة الانسجام بين خطاب بوش ومقالة هنري كيسنجر في ابتكار الاساليب العدوانية ومحاولة تسويقها على الرأى العام الامريكي في عملية تصنيع الاجماع المضلل نحو أهداف لا تحقق للأمريكيين غير المزيد من الكره بين شعوب الأرض. رابعا: عودة الى السؤال الأساسي المطروح للنقاش، من سيرقص رقصة التانجو الأخيرة؟ العراق أم الادارة الامريكية؟ في معطيات الواقع الراهن، تبدو الصورة وكأن الثور الامريكي الهائج قد أفلت زمامه وراح ينطح هنا وهناك كيفما يشاء والكل متخوف أو متوجس من وصول هذا الثور اليه! ويتجه الى باب العراق فما الذي يمكن للعراق فعله؟! من بدهيات الامور ان الشعوب والأمم لا يمكن لها ان تخنع وتجزع في مواجهة الاخطار، فالعراق لا يكن لأمريكا أية نوايا شر ولكن الادارة الامريكية في عهود متلاحقة هي التي تكن الشر للعراق وأهله، ويكفينا هنا ان نذكر بتصريح مادلين أولبرايت المعروف ردا على سؤال بأن تضحيات العراق بسبب الحصار المفروض عليه ثمن مقبول لانجاز الأهداف الامريكية!! وقد سارعت أولبرايت ومن ثم كوندليزا رايس لتصحيح مطب التعجل في اطلاق فقاعات الحرب في الخطاب الرئاسي عن حالة الاتحاد الامريكي، فأولبرايت انتقدت بشدة الاوصاف التي استخدمها الرئيس بوش في خطابه، ورايس تراجعت عن اعلان اجندة بداية عدوان جديد على العراق أو «أفغنة العراق» كما ذهبت أغلبية افتتاحيات الصحافة الامريكية بعد يوم من ذلك الخطاب الذي يخالف الواقع في اكثر من نقطة، الأولى في الحصول على التأييد الدولي اللازم لشن مثل هذا الهجوم الذي يدعو اليه، لذلك يذهب الرئيس بوش بعيدا عن الحقائق الاستراتيجية ويتجاوز خطوطا حمراء كثيرة. فالعراق قد نفذ التزاماته في نزع أسلحته باعتراف رولف ايكيوس وسكوت ريتر والحديث عن الجمرة الخبيثة لم يؤد الى اظهار أي تورط عراقي رغم تصاعد الضجيج الاعلامي حول هذا الموضوع والفعل الأمريكي المقبل تجاه العراق، ينطلق من حسابات داخلية امريكية صرفة وذاتية للادارة الحالية فضلا عما ستؤول اليه الأوضاع في افغانستان وتشابك هذه الحسابات بالوضع الدولي برمته يجعل من المساعي الأمريكية للحصول على تحالفات للقيام بمثل هذا العمل العسكري ضد العراق أمرا مشكوكا فيه. ويبقى السؤال: من سيرقص التانجو الأخير؟! ـ كاتب عراقي