الملف السياسي: قبل ان تهدأ الانتقادات الدولية للولايات المتحدة الامريكية، على حربها المعلنة ضد ما اسمته «محور الشر» والتلويح بالحرائق التي تتخذ من الارهاب ذريعة لاعادة تشكيل الخريطة السياسية للعالم. بدأت واشنطن التصعيد ضد العراق لتكون هدفها المقبل، حيث قاد المسئولون الامريكيون عملية قصف اعلامي ، مركز على العراق من اجل احداث اصطفاف اول للقوى المؤيدة لسياسة واشنطن وتهيئة المناخ الاقليمي للانقضاض على العراق ، وهو ما اشار اليه نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني الذي اعرب عن ثقته بالحصول على دعم الرأي العام الامريكي والتأييد الدولي لأي اجراء ضد بغداد. وقال: من الواضح ان العراق من بين الدول التي نركز عليها وأضاف: سوف نستخدم كل الوسائل المتوافرة لدينا من عسكرية ودبلوماسية واستخبارية للتعامل مع هذا البلد الذي يشكل مصدر قلق لأمريكا. وتأتي الخطوة الامريكية الجديدة ضد بغداد بعد عشر سنوات على «عاصفة الصحراء» لترسم بوضوح الخطوط الفاصلة بين العقوبات الدولية المفروضة باسم الامم المتحدة على العراق، والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكية بشكل منفرد وذلك في تحد سخيف بين دولة هي الاقوى في العالم ودولة صغيرة تنصاع بشكل كامل للقرارات الدولية. وبالرغم من الاصوات الدولية المستنكرة التي لا ترى ان العراق يشكل اي تهديد للمنطقة والعالم، وليس له اي علاقة باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر وتفضل التوصل الى تسوية تسمح بعودة المفتشين الدوليين الى بغداد. لكن بوش يبدو انه مصمم على السير في هذا الطريق لنهايته ويريد تغيير النظام العراقي، اي استكمال حرب الخليج الثانية التي شنها بوش الاب لطرد القوات العراقية من الكويت، وترك الخيارات مفتوحة لاحتمال توجيه ضربة عسكرية الى العراق، وقال يتعين على الرئيس العراقي صدام حسين ان يفهم انني جاد في قضية الدفاع عن بلادنا كما المح الى ان واشنطن قد تعمد الى التحرك ضد بغداد من دون التشاور مع الاسرة الدولية، الامر الذي يؤكد جدية النقاش في الادارة الامريكية حول مستقبل العراق. المسألة العراقية تتداخل وتتفاعل منذ مطلع التسعينيات وتتحدد مساراتها مع رغبة الادارات الامريكية المتعاقبة وسياساتها المبهمة، والتي وجدت من صيغة الحرب الهادئة، نمطا جديدا لاحتواء العراق بشكل دائم، الا ان الادارة الامريكية الجديدة التي وضعت في استراتيجيتها قلب النظام العراقي تعتبر ان سياسة الاحتواء فشلت وينبغي القيام بعمليات ملموسة لتحقيق الهدف وهو ما اكدته صحيفة «الجارديان» البريطانية التي نقلت عن مصادر امريكية ودبلوماسية ان وزارة الدفاع الامريكية ووكالة الاستخبارات «سي اي ايه» بدأتا الاعداد لشن هجوم خلال الاشهر المقبلة بهدف قلب النظام العراقي ونقلت عن مصدر مقرب من وكالة الاستخبارات الامريكية ان خططا لشن حرب خفية وعلنية عرضت على بوش في الايام الماضية. اختلاط الاوراق على مدى عشر سنوات تجاوزت واشنطن القرارات الدولية التي ساهمت في اعدادها واقرارها بشأن العراق وكرست كل امكاناتها لتأجيج التناقضات في المنطقة وايجاد الدوافع لابقاء الحصار على بغداد والحفاظ على نظامه لاستخدامه كفزاعة تبتز بها دول المنطقة وتستدرج الصفقات العسكرية وتحرك خيوط السياسات النفطية لكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب التي تلتها خلقت وضعا مختلفا اذ اختلطت الاوراق الاقليمية والدولية على نحو يتعذر ضبطه او الالتفاف عليه وقد ادى الوضع الجديد الى تغيير اللعبة الاستراتيجية في الخليج. فالبيت الابيض يرى ان الوقت قد حان لابتزاز اكبر ويتطلع للسيطرة على العراق ونفطه ليصبح بعد الرئيس صدام حسين احدى ركائز السياسة الامريكية في المنطقة وعندما يتحدث الامريكيون عن عودة المفتشين الدوليين يبدو كأنهم لايزالون مستعدين للعبة شد الحبل مع النظام العراقي الا ان الوقائع تؤكد انهم يريدون اطاحته بأي شكل ولا يحبذون التعامل معه لا عبر مجلس الامن ولا عبر مؤسسات او جهات دولية ففي ابريل المقبل تنتهي مرحلة من «النفط مقابل الغذاء» وعلى الارجح سيتم توجيه انذار الى العراق فاما الخضوع واما المواجهة ويتم افتعال ازمة مفتشين اي ان الضغط لعودة المفتشين الى العراق سيزداد مرفقا بشروط تتصاعد بحيث يصعب على بغداد قبولها. وسيؤدي ذلك الى توفير تغطية سياسية لتوسيع التحالف على قاعدة ان هناك من يتمرد على الشرعية الدولية ولابد ان يلقى عقابا ومن الطبيعي وكما حصل في العام 1990 وتكرر في افغانستان سيصبح المناخ مهيأ للانقضاض على العراق وسيأتي نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني الى المنطقة في مارس المقبل لتحضير «المسرح» سياسيا فيما يزداد باستمرار عدد الحشود العسكرية في الكويت ويعاد تجميع القوات الامريكية في الخليج ويدرس الدور الذي سيعطي لاسرائيل وهو ما اكدته صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية التي ذكرت ان رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون تلقى خلال محادثاته في واشنطن الضوء الاخضر من البيت الابيض للرد على اي هجمات محتملة من العراق وقالت من المنتظر ان يصل وفد من البنتاجون الى اسرائيل في مارس المقبل ليجري تحضيرا للهجوم على العراق واشارت وسائل الاعلام الصهيونية الى توقعات اسرائيلية مفادها ان عملية ضد العراق ستشن في مايو المقبل. رفض دولي ويكفي للتدليل على عدم شرعية السياسة الامريكية المتبعة تجاه بغداد ازدياد الاصوات الاوروبية الرافضة لتقويض النظام العراقي بالقوة العسكرية وتحديدا الفرنسية والالمانية والتحفظات الروسية وتعبيرات القلق التركية والعربية من مخاطر الانفراد الامريكي بالعراق، حيث اكد الرئيس السوري بشار الاسد لصحيفة «كورييري ديلا سيرا» الايطالية ان العالم منذ آلاف السنين لم يكن معتمداً على رأي واحد، هذه اول مرة يكون الامر بهذا الشكل، وهذا يعني اننا ندخل في المجهول فضرب العراق هو جزء من هذا المجهول الخطير. وتركيا الحليف الاقرب الى امريكا تتوجس من خوض غمار تجربة تغيير الحكم العراقي بالقوة كما بعث رئيس الوزراء التركي بولنت اجاويد رسالة الى القيادة العراقية ابلغها فيها ان تركيا لن تسمح باستخدام اراضيها لاي هجوم محتمل على العراق، وقال وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر ردا على كلام بوش المتكرر عن محور الشر انه لا يمكن قيادة عالم يضم ستة مليارات انسان بهذا الاسلوب، وانه لا يجوز ان تعامل امريكا حلفاءها الاطلسيين وكأنهم مجرد تابعين، وفيشر لم يضف شيئا جديداً على ما سبق ان اعلنه اوبير فيدرين وزير خارجية فرنسا، عندما حمل بشدة على مفهوم الاحادية الكونية، الذي تتصرف واشنطن من خلاله وقال هذا هو توجههم في واشنطن، لكننا لا نستطيع قبول هذه الفكرة فنحن نؤمن بأن من الضروري معالجة اسباب الارهاب الكامنة في الجذور وفي المواقف وفي الفقر والظلم. ما نشهده الآن هو بداية الطريق للسيطرة على العراق والمنطقة وفي ظل احادية القوة التي دفعت فاتورتها شعوب الارض الضعيفة وبخاصة الشعبين العراقي والفلسطيني، فإن واشنطن تمضي في التحضير لحربها القادمة بغض النظر عن النتائج، ليس بهدف ردع هذه الدولة او معاقبة نظامها، بل الامر يتخطى ذلك الى هدف اوسع واشمل هو فرض نظام اقليمي امني سياسي اقتصادي جديد في المنطقة بالقوة العسكرية، وتؤكد اوساط غربية غير امريكية او بريطانية، ان الولايات المتحدة مدركة لاستحالة موافقة العواصم الغربية على اسقاط النظام العراقي بالقوة العسكرية، الامر الذي يؤكد كم يتحلل الاقوياء من الشرعية الدولية، ليفرضوا بدلا عنها شرعية اخرى خاصة بهم سندها الوحيد القوة المجردة. التي تنتحل لنفسها غطاء من القيم الانسانية التي تحددها وفقا لمصالحها. وتغتال باسمها الشعوب وتوقع آلاف الضحايا بين المواطنين. متجاهلة قوانين جنيف التي ضمنت حقوق المدنيين ومنعت تعرضهم للأذى اثناء الحروب والنزاعات الدولية المسلحة، والمشكلة وكما يعزوها «بيات شفاية» رئيس اللجنة الدولية للصليب الاحمر التي عملت في بغداد، ليست في القوانين الدولية، إنا بمن يطبق هذه القوانين. مشيرا الى ان السبب في ذلك يعود الى عدم وجود جهاز ردع لدى الأمم المتحدة أو محكمة دولية تتابع ذلك وتضع حدا للانتهاكات في مختلف بقاع العالم. الاستئثار بقواعد اللعبة في المنطقة الولايات المتحدة الامريكية التي تستأثر بقواعد اللعبة في المنطقة، وتهدر باسم الديمقراطية والعدالة والحرية وحقوق الانسان حياة الملايين من الاطفال العراقيين والفلسطينيين بحرب هدفها الاستراتيجي ترويض القومية العربية خدمة للمصالح الامريكية ولأهداف اسرائيل الاستعمارية ومشاريعها الاقليمية. يبدو انها غير مهتمة بتوفير ملف اتهامي مقنع لشن الحرب على العراق، بل تؤكد وعلى لسان وزير خارجيتها «المعتدل» بأنها ذاهبة للحرب وحدها إذا لم تجد رفاق درب غير بريطانيا طبعا التي أعلنت عن تأييدها لرغبة الولايات المتحدة في تغيير النظام العراقي. ولا يخشى مسئولون كبار في واشنطن اعتبار العداء لبلادهم سببا كافيا للحرب. ومن هنا تبدو المسألة مختلفة جدا وأبعد بكثير من معاقبة النظام العراقي الذي يؤكد خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. ويستبعد أي نية لانتاجها. الحقيقة ان الملف العراقي دخل في صلب السياسة الامريكية الداخلية منذ العام 1990 حيث واجهت ادارة كلينتون أسئلة بل اتهامات عن فشل سياستها حيال العراق من لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، وكان ردها ببساطة لا بديل أفضل من الاستراتيجية الحالية، وفي محاولة لتعزيز موقف آل جور الانتخابي اكدت الادارة الامريكية اصرارها على العمل من أجل انشاء محكمة دولية تكلف بمحاكمة الرئيس العراقي ومعاونيه بتهمة ارتكاب جرائم حرب. الا ان واشنطن التي تنصب من نفسها حارسا على حقوق الانسان والديمقراطية تجاهلت عن قصد ما كان قد أعلن عنه العقيد السابق في الجيش الامريكي الدكتور «آسف دوراراكوفيتش» ان عشرات الالوف من الجنود الامريكيين والبريطانيين الذين شاركوا في عاصفة الصحراء يموتون حاليا جراء الاشعاعات التي نتجت عن اسلحة استخدمت ضد العراقيين في حرب الخليج. وان هذه الاشعاعات التي نجمت عن اطلاق سبعين ألف قذيفة حربية امريكية تحتوي على اليورانيوم، كانت السبب في وفاة ما يزيد على 400 جندي شاركوا في حرب الخليج. خلال السنوات العشر الماضية اتضح ان أيا من الاطراف الغربية التي شاركت في «عاصفة الصحراء» لم تمارس أي دور سياسي فيما يتعلق بالعراق، بل انتهى الأمر بتفرد امريكي في الملف العراقي مع بوادر تفرد امريكي بمستقبل العراق بدءا من نظامه ومرورا بثروته النفطية وانتهاء بمشاريع اعادة البناء والتنمية مما دفع بعض الاطراف الى محاولة الحصول على حصة من الكعكة العراقية. الامر الذي دفع موسكو وباريس لاستئناف الرحلات الجوية الى بغداد استناداً الى صراع بين القوى الكبرى في العالم. وطبيعة العلاقات بين موسكو وباريس من جهة، وواشنطن من جهة اخرى. واستناداً الى ذلك كان الاعتراض الروسي والفرنسي على توجهات واشنطن الجديدة نحو العراق. اما البلدان العربية التي وقفت خلال السنوات الماضية متفرجة حيناً، ومطالبة احياناً برفع الحصار عن العراق. لم تتجرأ في السابق على اتخاذ قرار صريح ببدء الحوار. لاعادة العلاقات الاقتصادية والسياسية المقطوعة مع بغداد. اما اليوم فإن الوجع العراقي. لا يمكن فصله عن وجع الامة العربية، وان خيارات الولايات المتحدة الامريكية تجاه بغداد هي خيارات تجاه العواصم العربية كافة، فالسياسة الامريكية المسكونة بالشيطان الاسرائيلي في المنطقة. لن تكون معتدلة، ولن يكون نظام صدام حسين اخر الانظمة المستهدفة بالآلة العسكرية الامريكية، ولن يضير واشنطن ان يسميها البعض اليوم او غداً منحازة او معتدية او شيطانة. النهايات اعلنت عن نفسها والمناخات الدولية مهيأة اليوم لممارسة المزيد من الضغط على البلدان العربية، وتدمير العراق من جديد هو عنوان السياسة الاقليمية الامريكية في المرحلة المقبلة، الا ان الاستهدافات ستتجاوز اكثر ما هو معلن بكثير لتطال دولاً عربية اخرى، والاهم من ذلك ان مشهد الصراع العربي، الاسرائيلي سيكون مختلفاً جذرياً اذا نجحت واشنطن بتدمير العراق مرة اخرى، لذلك فقد آن الاوان لبلداننا كي تتخلى عن مبدأ حوار الطرشان الذي ساد لفترة طويلة بحجة الاختلال في موازين القوى الدولية، واعادة النظر في طريقة التعاطي مع القضايا المصيرية من اجل رتق جروحنا النازفة، وتجديد المضامين السياسية والاقتصادية لعلاقاتنا الاخوية، واحلال الروح الجماعية. بدلاً من الفردية والانانية والانكفاء على الذات.. يجب ان نعمق المبادرات العربية تجاه العراق وفلسطين وغيرها. كي لا تكون بلداننا لقمة سائغة للطامعين بثرواتنا من جهة، وكي نطمئن الانسان المرتعد خوفاً وجوعاً ممن يحاول رشوتنا بشعارات الامن والديمقراطية، ويعيث في ارضنا فساداً وقتلاً وتدميراً. ـ امين تحرير صحيفة «الثورة» السورية