بيان الاربعاء: على بعد 50 كيلومتراً من العاصمة بحيرة تتلوى احتضاراً بسكون ودون أي ضجيج، بين الأودية شديدة الانحدار يكسوها ماض بعيد بأثواب من غموض مالح، ولم يشفع لهذه البحيرة أي من انفراداتها الكثيرة سواء في مياهها شديدة الملوحة التي تزيد عشرة اضعاف على ملوحة البحار والمحيطات أو حتى لكونها تسكن في منطقة هي اخفض المناطق على وجه الكرة الأرضية حيث تقع انخفاضا 400 متر تحت سطح البحر أو في طبقات الجو المحيطة بها ونسبة الضغط الجوي المرتفع في طبقات الهواء المحيطة بها بما يكفي لتصفية اشعة الشمس فوق البنفسجية الضارة، وما تحتويه المنطقة من كميات اكسجين زائدة مقارنة مع المناطق الواقعة على نفس ارتفاع سطح البحر. لم يشفع كل ذلك واكثر منه لضمان استمرار البحيرة اليتيمة المعروفة أيضاً ببحيرة لوط أو البحر الميت. وتشير على هذا المستوى العديد من الدراسات العملية المتخصصة ان مستقبل البحر الميت غير مطمئن وان مياهه تعاني من نقص سنوي حاد من المحتمل ان يتلاشى بالفعل في وقت اقرب مما يتصوره البعض. اردنيا لا يعني هذا التهديد بموت «الميت» غياب عزيز عرفوه منذ عرفوا الوطن، بل اكثر من ذلك انه تحديد لقطاعات واسعة يمكن ان تؤثر على مجمل الاوضاع الاقتصادية في البلد ومنها القطاع الصناعي والسياحي اضافة إلى المخاطر البيئية التي تعني في حال تلاشي البحيرة تغير الخصائص المتميزة لمياه «الميت» بسبب انخفاضها دون الخط الأحمر. من حيث السياحة الصحية، عرفت البحيرة بتوافد آلاف السياح اليها من جميع انحاء العالم سنوياً سواء لزيارة هذا المكان المميز أو لغايات صحية حيث تحتوي المنطقة على مياه «استعادة قوة الشباب» وقضاء فترات من الراحة والاستجمام والتمتع بحمامات الاستشفاء والعلاج من أمراض الجلد المزمنة والتهاب المفاصل والروماتيزم وامراض جهاز التنفس. كما تحتوي الاجواء المحيطة بمنطقة البحر الميت على مادة البرومين المهدئة أكثر من أي مكان في العالم يستمد البحر الميت مياهه من نهر الأردن ومن الينابيع المعدنية التي نالت شهرة عالمية مثل الزارة وحمامات ماعين المعدنية مما وفر فرصاً فريدة من نوعها في مجال السياحة. في حين تشرق شمس البحر الميت عبر طبقة اضافية من الغلاف الجوي وتصل أشعة الشمس عبر حاجز طبيعي من المياه المتبخرة والمواد الكيماوية المنبعثة من مياه البحر اضافة إلى طبقة الاوزون التي تعمل على اضعاف مفعول اشعة الشمس فوق البنفسجية الشديد. وتعتبر مياه ومنطقة البحر الميت مثالية للعلاج بواسطة التسفع في اشعة الشمس وبوسع المرضى التعرض لأشعة الشمس لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس ساعات للتخفيف من حدة امراض ووعكات متنوعة بما في ذلك امراض الجلد والمفاصل. وبما انه لا يوجد لمياه البحر الميت اي مخرج سوى عملية التبخر باتجاه طبقات الهواء فان مياه البحر تترك وراءها تشكيلة فريدة من نوعها من المعادن مثل الاملاح الكلوريدية بما في ذلك المغنيزيوم والصوديوم والبوتاس والكالسيوم والبرومين. اما مياه الينابيع الحارة التي تغذي البحر الميت فتحتوي على كميات مركزة من الملح وكبريت الهيدروجين. صناعات طينية صناعياً فإن في المنطقة مجموعة من الصناعات قامت أساساً للتشكيلة «الطينية» للتربة فيها حيث يحتوي طين البحر الميت على مادة غنية بالمعادن وهي مشبعة بمركبات الكبريتيد التي تحافظ على الحرارة ويمكن مسح الجسم بها لتنقية الجلد وللتخفيف من حدة الآلام الناجمة عن أمراض المفاصل والروماتيزم. وفقدت البحيرة ثلث مساحتها منذ الستينيات وحتى الآن والرقم مرشح للارتفاع في ظل عدم الاهتمام العملي بالأمر، ولمزيد من التوضيح فقد كانت مساحة البحر في عقد الستينيات ما يقارب الـ 900 كم في حين انحسر الرقم ليصل في هذه الفترة إلى 600 كم فقط. وهذا الأمر شكل قلقا كبيراً للمنشآت السياحية القريبة من شاطيء البحيرة أو تلك التي كانت قريبة من شاطيء البحيرة فبعد هذه الانحسارات بدأت المياه تشرد شبراً شبراً وبصمت عن هذه المنشآت. ولا يقتصر الأمر على الناحية الجنوبية من البحر الميت، بل ومن خلال المشاهدة العينية فان من الواضح جداً بدء الزحف من الجنوب إلى الشمال الذي بدأ بالتحول إلى ملاحات كبيرة وسبخات بدأ بالفعل بعض المستثمرين باستخدامها لاستخراج الملح، وحسب المسئولين الأردنيين فان مستوى الانخفاض السنوي للبحيرة يبلغ متراً واحداً في العام، محذرين من خطورة تواصل عدم الاكتراث بهذا الوضع. ولا يفوت هؤلاء المسئولون الاشارة إلى ان اسباب انحسار المياه ليست عائدة إلى عوامل طبيعية بل هي صناعية من يد الانسان ذاته، مشيرين إلى الصناعات الأردنية والإسرائيلية على جانبي البحيرة والتي انهكتها نظراً لعدم وجود دراسات بيئية علمية تحدد طبيعة ومخاطر وشكل ما يتوجب القيام به فوراً ودون تأخير. وحسب هؤلاء فإن المخاطر التي تتهدد البحر على نوعين أولا انخفاض مستوى المياه الداخلة إلى البحيرة سنوياً اصلاً، اما العامل الآخر فهو الصناعات الجائرة المهددة لذات البحيرة. وحسب تقديرات وزير المياه الأردني احد أبرز الخبراء في هذا الموضوع بالذات فإن حجم المياه الداخلة إلى البحيرة من نهر الأردن وروافده تقدر الآن بـ 200 ـ 300 مليون متر مكعب سنوياً، في حين كانت الكمية في السابق تقدر بمليار و300 مليون متر مكعب. إسرائيل هي السبب وإسرائيل مرة أخرى وحتى في هذا الموضوع هي السبب، فعلى الرغم من ان هناك بعض الصناعات الأردنية في المنطقة إلا ان استغلال دولة الاحتلال الإسرائيلي للبحيرة منذ عام 1950 كان له اثر سلبي للغاية على «الميت». فمن ناحية تقوم إسرائيل باستغلال جائر للمياه الداخلة للبحيرة بالاضافة إلى تحويلها للمياه التي كان من المفترض دخولها في البحيرة إلى اتجاه اخر لغايات توليد الكهرباء وجرها إلى المدن الفلسطينية. بل ان بعض الدراسات الحكومية الأردنية تؤكد ان إسرائيل تستغل 75% من المياه التي من المفترض ان تدخل البحيرة في حين تتوزع 25% من المسئولية على الأردن وسوريا التي يرى الأردنيون انهم يستخدمون نهر اليرموك بصورة مخالفة للاتفاقيات. بل ان انخفاض مستوى المياه أدى إلى تشكيل حفر انهدامية معرضة للانهيار بين فترة واخرى جراء انخفاض كثافة مياه البحيرة وبالتالي ازدياد سرعة المياه الجوفية العذبة وجرف الاتربة والصخور الداخلية مما شكل هذه الحفر الانهدامية التي اسفرت هي ذاتها بحسب التقديرات إلى انهيار جزء من الطريق السريع المحاذي للبحر الميت أخيراً، ما يعني اذا ما استمرت الحفر الانهدامية بالتشكل والانهيار إلى خسارة ملايين الدنانير التي تم صرفها على هذا الطريق. أما الاجراءات الأردنية للاعتراض على ما تقوم به إسرائيل والذي سينتهي إلى خسارة الأردن لابرز معالمه السياحية فان معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية المعروفة بمعاهدة وادي عربة شكلت لجاناً لبحث القضية مع بدء مفاوضات المعاهدة الا ان هذه المباحثات توقفت ولم تعد تجتمع أصلاً. ويبدو ان على المعنيين اجراء تعديلات جوهرية على الخريطة الجغرافية التي اعتاد طلاب المدارس والمعنيين الاطلاع عليها لرسم حدود البحيرة فما عرف من هذه الخريطة، هو الآن مجرد شكل كان في الماضي ولم يعد الآن.