بيان الاربعاء: يمثل النفط المورد الأساسي لدولة الكويت والمحرك الرئيسي لقطاعات الدولة الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والصحية، شأنها في ذلك شأن بقية دول الخليج العربية ومعظم الدول النفطية الأخرى، من هنا جاء الاهتمام الرسمي والشعبي والإعلامي الكبير، بحادثة انفجار حقل الروضتين الذي عطل عملياً نحو ثلث الانتاج النفطي للدولة وفقاً للتصريحات الرسمية، فضلاً عما اثاره من مناقشات حامية حول وضع القطاع النفطي من ناحية ومدى فعالية كل من الحكومة ومجلس الأمة في إدارة مثل هذه الكوارث من ناحية أخرى. ويمكن ان نبدأ منذ الحادث فقد تعرضت الكويت لحادث انفجار في حقل الروضتين مساء يوم الخميس 13/1/2002 استقطب اهتمام كل الفعاليات الكويتية الرسمية والشعبية، هذا فضلاً عن الاهتمام العربي والدولي بالحادث بالنظر إلى أهمية النفط الكويتي في سوق النفط العالمي. وقد تمثلت خطورة هذا الانفجار في عاملين أساسيين: الأول: حجم الخسائر، اذ نجم عن الحادث سقوط أربعة قتلى بينهم مواطن كويتي، اضافة إلى اصابة نحو خمسة عشر آخرين، وفضلاً عن الخسائر البشرية فقد أدى الحادث عملياً إلى توقف العمل في حقول النفط الشمالية التي تنتج نحو 600 ألف برميل يومياً إلى ما بين ربع إلى ثلث انتاج البلاد النفطي اليومي، كما أوقف الحادث كذلك تصدير غاز البترول المسال بعد أن اسفر عن تفجير مركز لتجميع الغاز. ومع أن وزير النفط د. عادل الصبيح قد أكد أنه يمكن تعويض كمية النفط المعطلة من حقول الجنوب والغرب خاصة أن الطاقة الإنتاجية للكويت تقدر بنحو 1.6مليون برميل يوميًا في حين لا تتجاوز حصتها الإنتاجية وفق اتفاق أوبك 1.8مليون برميل يوميًا-إلا أنه (الوزير الصبيح) أشار إلى اضطرار الدولة للاعتماد على المخزون الموجود في خزانات شركة نفط الكويت للوفاء بالالتزامات، ويبلغ هذا المخزون نحو 14مليون برميل ويكفي لتغطية النقص لمدة تتراوح من 18 إلى 25يومًا. الثاني: تكمن الخطورة الأكبر للانفجار النفطي وفقًا لعدد من المراقبين في توقيته، إذ جاء الحادث في وقت يتزامن مع تقلبات أسعار النفط العالمية وسط مخاوف من تراجعها. من ناحية أخرى فقد أدت الأحداث العالمية الجارية في إطار الحرب الأمريكية ضد الإرهاب ببعض المراقبين من بينهم د. أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي الأسبق-إلى التأكيد بأن الولايات المتحدة الأمريكية في سبيلها لاتخاذ نفط بحر قزوين بديلاً آمنًا لنفط منطقة الخليج وهو ما يشكل خطرًا مضاعفًا لدول المنطقة التي تعتمد أساسًا على النفط كمصدر للدخل. وكلا العاملين الأول والثاني يستمدان أهميتهما في إطار الأهمية القصوى التي يحتلها النفط في الاقتصاد الكويتي الذي يمثل الشريان الحيوي في دولة الكويت، إذ تشكل العائدات النفطية حوالي 90% من موارد الميزانية العامة للدولة كما تشكل الأنشطة النفطية ثلاثة أرباع قاعدتها الصناعية و40% من ناتجها الإجمالي المحلي حيث تنتج الكويت نحو مليوني برميل يوميًا تخطط لزيادتها إلى ثلاثة ملايين برميل نفط يوميًا بحلول عام 2005. وتتضاعف أهمية الإنتاج النفطي الحالي للدولة إذا ما نظرنا إلى الدراسات العلمية بشأن مستقبل النفط بالكويت، ففي حين يرى البعض أن امتلاك الكويت 10% من الاحتياطات النفطية العالمية بجانب معدلات الإنتاج الحالية سوف يمكناها من أن تستفيد من هذه الاحتياطيات لأكثر من مائة عام مقبلة يرى الجزء الأكبر من الدراسات والأبحاث أن الكويت قد استنزفت نصف مخزونها النفطي في الآبار والحقول منذ عام1946 وحتى الآن، بناء على ذلك تشير تلك الدراسات إلى أن نضوب النفط في الكثير من البلدان المنتجة وليس الكويت فقط سيكون خلال الربع الثاني من القرن الحالي. وفي هذا الإطار هناك سيناريوهان للنفط الكويتي، الأول يقدر العمر الافتراضي للنفط بنحو 62عامًا فقط والثاني يقدره بنحو 56عامًا، كما تشير بعض الدراسات إلى احتمال النضوب التقني للنفط بإحلال مصادر بديلة للطاقة وبالتالي سيكون في فترة أقرب من التاريخين الافتراضيين لعمر النفط. بل يتوقع بعض الخبراء مع ندرة النفط خلال الثلاثين عامًا المقبلة ومع تزايد تكلفة إنتاجه ومع العواقب البيئية لاستخدامه ومن بينها ظاهرة الاحتباس الحراري، أن تكون هناك ثلاثة مصادر بديلة للطاقة الدائمة وهي طاقة الاندماج النووي ومفاعلات التوليد والطاقة الشمسية وهي أنواع يتوقع انتشارها تجاريًا بحلول عام 2025. مخاوف كويتية ومع عدم توفر موارد دخل بديلة للنفط حتى الآن بدولة الكويت تأخذ الحوادث النفطية طابعًا شديد الجدية مع ازدياد المخاوف على حجم الإنتاج وبالتالي مستوى الدخل القومي وما يتركه من آثار على كل قطاعات الدولة. من هنا تأتي أهمية بحث الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذه الحوادث وآخرها انفجار حقل الروضتين النفطي، وعلى الرغم من عدم تحديد الأسباب المباشرة للحادث حتى الآن فإن عددًا كبيرًا من التحليلات المتخصصة للحادث قد حددت أسبابًا ثلاثة تقف عادة وراء الحوادث النفطية بدولة الكويت، فضلاً عن تدهور أوضاع القطاع النفطي بوجه عام. السبب الأول: تقادم الكثير من المنشآت النفطية وخاصة خطوط نقل النفط والغاز والمضخات وهو ما يفسر الارتفاع الكبير في عدد الحوادث الصغيرة التي بلغت خلال أشهر الصيف الماضي فقط 40حادثة بينها 30حالة تآكل. وكما يشير أحد المسئولين في شركة نفط الكويت فإن المنشآت النفطية لم تجدد منذ نحو أربعين عامًا نتيجة لعدم الالتزام بالخطط الخمسية التي نصت على توفير الأموال اللازمة لتحديث تلك المنشآت. ضاعف من خطورة حالة المنشآت تحميلها خاصة خطوط النقل والمضخات والخزانات على رغم تقادمها أحمالاً تفوق طاقتها التصميمية لتعويض النقص في المعدات ولزيادة الإنتاج وفقًا لما أكده رئيس مجلس نقابة العاملين في شركة الكويت. السبب الثاني: تراجع معايير السلامة والجودة في تنفيذ المشاريع النفطية تحت وطأة مبدأ «الأرخص هو الأفضل» المعتمد في ترسية المناقصات الأمر الذي يدفع ببعض المقاولين إلى تقديم أسعار تقل عن سعر التكلفة للفوز بالمناقصات الحكومية ومن ثم يستخدم بعد ذلك مواد ذات جودة منخفضة وعمالة غير مدربة. بل إن أحد المسئولين بالقطاع النفطي قد أشار إلى وجود فساد بين مسئولي القطاع أدى إلى تمرير بعض المناقصات واستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات المحددة. السبب الثالث: يتعلق بتدهور مستوى الكفاءات البشرية العاملة في القطاع النفطي عمومًا وفي مجال الرقابة والصيانة تحديدًا نتيجة لتراجع الاهتمام بالتدريب والتأهيل من جهة، ونتيجة لما وصفه وزير النفط الدكتور عادل الصبيح بالتعيينات اعتمادًا على المعايير السياسية والانتخابية بدلاً من المعايير المهنية من جهة ثانية، ونتيجة كذلك لاعتماد المقاولين على العمالة الآسيوية الرخيصة رغبة في التوفير في حين لا تمتلك هذه العمالة الخبرة أو المؤهلات للعمل في القطاع النفطي. الحكومة وتحديث المنشآت أعلنت وزارة النفط فور الحادث حالة الطوارئ القصوى حتى تم تأمين كل المنشآت النفطية بحقل الروضتين، كما سارع وزير النفط د. عادل الصبيح إلى تشكيل لجنتين للتحقيق، الأولى تعنى بتقييم الأضرار الناجمة عن انفجار مركز تجميع النفط رقم 15 في الروضتين، والثانية ستقوم بتحديد أسباب الحادث، وقد بدأت اللجنتان أعمالهما بالفعل في الثاني من فبراير الجاري بالتحقيق مع عدد من موظفي قسم الإنتاج في مركز التجميع ومحطة تخزين الغاز. من ناحية أخرى اتخذت وزارة النفط عدة إجراءات للحفاظ على مستوى الإنتاج النفطي وتعويض العطل الناجم عن الانفجار حيث قامت بزيادة الإنتاج تدريجيًا من النفط الخام من حقل المناقيش في الغرب وحقل برقان في الجنوب، كما يجري حاليًا تلبية الاحتياجات العاجلة لتصدير البترول الخام والمنتجات المكررة من مستودعات التخزين في جنوب البلاد الأمر الذي يمكن معه تعويض صادرات النفط البالغة 600ألف برميل التي عطلها الانفجار حتى ثلاثة أسابيع مقبلة. على الجانب الآخر وفيما يتعلق بتعامل القيادات السياسية مع الحادث فقد أكد الشيخ صباح الأحمد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي في بيان للحكومة أمام مجلس الأمة أن الحكومة لم ولن تألو جهدًا لاتخاذ الخطوات الجدية في سبيل تحديث منشآتها النفطية، كما أكد ضرورة محاسبة من تسفر التحقيقات عن مسئوليته أو تقصيره في حادث الانفجار. وكانت أبرز تداعيات الحادث على هذا الجانب هي تقديم وزير النفط د. عادل الصبيح استقالته إلى مجلس الوزراء على اعتبار أن «التبعات السياسية لهذا الأمر تفرض على من يكون في موقع المسئولية أن يتقدم باستقالته كي يعطي الفرصة لدراسة الأمر بشكل بعيد عن أي ضغط سياسي أو غير سياسي للخروج بنتائج تكون ذات جوانب إيجابية للصالح العام» وقد تم قبولها من جانب مجلس الوزراء الكويتي وتكليف الشيخ أحمد الفهد للقيام بمهام وزارة النفط إلى جانب دوره كوزير للإعلام. وفي تقييم لأسلوب تعامل الحكومة ممثلة في وزارة النفط مع الحادث النفطي ركزت معظم التحليلات على انتقاد اقتصار الحكومة في تعاملها مع الحدث على تشكيل لجان للتحقيق، إذ رأى البعض أن هذا التعامل لا يختلف عن مثيله في الحوادث السابقة في الشعيبة والأحمدي دون تجديد يأخذ في الاعتبار عدم تكرار الحوادث النفطية. من ناحية أخرى فإن اللجان التي حققت في الحوادث السابقة قد أثبتت أن العامل الأساسي في تعرض المنشآت النفطية لمثل تلك الحوادث إنما يرجع إلى القصور في آليات الصيانة والأمن، فضلاً عن العوامل الأخرى التي تم ذكرها سابقًا، وقد وضعت تلك اللجان من التوصيات ما يكفل عدم تكرار هذه الحوادث، من هنا وجهت القوى السياسية بالكويت تساؤلاتها للوزير د. عادل الصبيح حول الإجراءات التي اتخذها لتنفيذ توصيات اللجان السابقة وما الخطوات التي اعتمدها لضمان أمن وسلامة المنشآت النفطية التي هي مورد الرزق الأساسي للشعب الكويتي. مجلس الأمة والأزمة النفطية عقد مجلس الأمة في الرابع من فبراير الجاري جلسة لمناقشة حادث انفجار حقل الروضتين النفطي، وقد اعتبر عدد من المراقبين أن هذه الجلسة قد أعطت مؤشرًا قويا على الإصرار النيابي في معالجة الوضع النفطي والحوادث الأخيرة من الناحية السياسية. فمن ناحية دعت أغلبية نيابية وزير النفط د. عادل الصبيح إلى تقديم استقالته، ورغم الثناء المتكرر من البعض على «خطوته الشجاعة في استباق الأحداث السياسية وتحمل المسئولية» فإن النواب طالبوا بأن ينتهج أعضاء الحكومة «مسلكًا حضاريًا في تقديم الاستقالات عند وقوع الأخطاء الفادحة لاسيما حين تصل الحوادث إلى حد فقدان أرواح بشرية»، ومن منطلق اعتقاد بعض النواب بأن استقالة الصبيح ما هي إلا مناورة سياسية ومحاولة للكسب الإعلامي، فقد خيرّوا الوزير بين أمرين إما الاستقالة التي اختارها بنفسه طواعية أو المساءلة السياسية. وفيما يخص الحوادث النفطية فقد اعتبرها عدد كبير من النواب دلالة على أن «الفساد والإهمال والتراخي وانعدام المسئولية والتفريط في واجبات العمل في مؤسسة البترول الكويتية والشركات التابعة لها وصل حدًا لا يجوز السكوت عليه، بل يجب التصدي له بكل الوسائل الدستورية المتاحة». وعلى الرغم من تصعيد النواب الاتهامات في مواجهة الحكومة بالمسئولية عن هذا الحادث، كان هناك شبه إجماع من المحللين السياسيين وحتى من المسئولين على مسئولية مجلس الأمة غير المباشرة عن الانفجار النفطي وغيره من الحوادث من خلال تدخلاته السياسية وضغوطه على المسئولين في شركة النفط الكويتية وغيرها من المنشآت النفطية لتعيين أشخاص في وظائف بتلك المنشآت وفقًا لمصالح النواب الشخصية واعتبارات انتخابية مستقبلية دون النظر إلى المصلحة العامة في تولي أشخاص أكفاء للوظائف في هذا القطاع الحيوي. وكما أشار أحد المحللين فإذا كان أحد النواب قد رأى أن «استقالة الصبيح ستضع حدًا للمهازل الرهيبة والفساد المستشري بالنفط» فماذا ستفيد هذه الاستقالة وتكليف فرد آخر بالوزارة إذا كان «الفساد يهب على المواقع النفطية من البرلمان والواسطات لمصالح شخصية دون اعتبار للمصلحة العامة للدولة». هذا التدخل النيابي كان محل انتقاد صريح من قبل وزير النفط د. عادل الصبيح الذي اعتبر أن أهم عوائق التطوير في وزارة النفط هو التدخلات السياسية المستمرة في التعيينات وعدم استطاعته نقل أو تغيير رئيس قسم نتيجة ضغوط النواب، مشيرًا إلى أن هذه التدخلات من داخل الوزارة وخارجها وأن القطاع النفطي عمومًا يتعرض لضغوط سياسية واجتماعية تؤثر في مسألة التعيينات العشوائية التي تؤثر بدورها في سير العمل وتسبب المشاكل. التداعيات السياسية كان من اللافت أن استقالة الدكتور عادل الصبيح وزير النفط من منصبه لم تضع حدًا للتداعيات السياسية التي ترتبت على حادث الانفجار في ضوء استمرار الطرح النيابي لهذه القضية من الناحية السياسية وفي ظل الاهتمام الشعبي الكبير بها. وبوجه عام يمكن تحديد ثلاث قضايا رئيسية شكلت محور اهتمام الفعاليات السياسية بالكويت بعد حادث الانفجار النفطي وإن كانت هذه القضايا تترابط وتتداخل من أكثر من ناحية. القضية الأولى: المناخ السياسي بالدولة والعلاقة بين السلطتين: كان أول من أثار هذه القضية هو الوزير د. عادل الصبيح الذي أكد في تصريحاته عقب الاستقالة أن استقالته تلك مرجعها إلى ما وصفه بالمناخ السياسي الرديء مؤكدًا بالقول «ما كنت سأستقيل لو كان المناخ السياسي مختلفًا». هذا المناخ الرديء تمثل وفقًا لـ د. الصبيح في «الضغوط السياسية الاجتماعية في مسألة التعيينات والترقيات والأسلوب المصلحي في ترسية المناقصات لأقل الأسعار والمعاملة العقيمة التي تعامل بها الدولة دوائر القطاع النفطي، ومحاولة تصفية الحسابات السياسية، وتحقيق الانتصارات الشخصية». وفي الاتجاه ذاته جاءت تصريحات بعض النواب الذين رأوا أن حرائق النفط هي سلسلة من مجموعة حرائق مشتعلة في البلاد من تجارة الإقامات إلى اعتداء على المال العام إلى مشكلات العمالة والمرور والتعيينات الحزبية والسياسية في مؤسسات الدولة. وفيما لجأ الاتجاه السابق إلى تحميل كل من الحكومة والمجلس مسئولية ذلك «المناخ السياسي الرديء» لجأ البعض الآخر إلى تحميل الحكومة وحدها مسئولية هذا الوضع بسبب ما رآه افتقارًا منها للقدرة على اتخاذ القرارات وعدم سعيها لاكتساب أغلبية برلمانية تمكنها من حسم الكثير من القضايا وحل عشرات المشاكل التي تعاني منها الدولة في كل القطاعات. وفي المقابل ثمة تحليلات كثيرة تحمل المجلس وحده مسئولية تعطيل الجهود الحكومية وتصعيد الخلافات لا لشيء إلا لكسب التعاطف الشعبي الذي لا يحتاجه الوزراء للبقاء في مناصبهم بقدر احتياجهم للخروج بقرارات إصلاحية. والاتجاه الغالب في تحليلات الكتاب الكويتيين هو إرجاع هذا الوضع إلى العلاقة غير التعاونية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية -بصرف النظر عن الأسباب-بحيث تحولت الحياة السياسية إلى «تصعيد وتصفية حسابات». بين الجانبين الحكومة ومجلس الأمة. القضية الثانية: وتتعلق بعدم الاستقرار الوزاري وهي مرتبطة، كما سبق القول، بالقضية الأولى ويمكن اعتبارها بمنزلة نتيجة لها، وقد كانت محل اهتمام عدد كبير من الخبراء النفطيين الفعاليات السياسية التي أرجعت الحوادث النفطية المتكررة إلى عدم استقرار الوزراء المكلفين بتولي حقيبة النفط وعدم استمرارهم في مناصبهم كما هو مفترض لمدة أربع سنوات متواصلة حتى يتمكنوا من حل المشاكل النفطية والسعي إلى وضع خطة متكاملة للقضاء على الصعوبات التي تواجه القطاعات النفطية. ويلاحظ أن عدم الاستقرار الوزاري كان أحد سمات التشكيل الوزاري بعد الغزو العراقي، إذ لم يكمل منذ ذلك الحين وزير للنفط مدة أربع سنوات، فحتى عام 2002 تولى حقبة النفط سبعة وزراء أقلهم بقي في المنصب 352 يومًا في حين كان أكثرهم بقاءً من استمر في المنصب 908أيام. ومن الطبيعي أن يكون لكل وزير منظور خاص به لتطوير المنشآت النفطية والمحافظة عليها من الدمار والانفجار، إلا أن أيا منهم لم يمنح الوقت الكافي لوضع مخططاته، فضلاً عن تنفيذها، الأمر الذي أرجعه المحللون إلى حالة التجاذب بين السلطتين والتصعيد النيابي المستمر تجاه المشكلات الفنية بالقطاع، وهي ذات الحالة في القطاعات الحكومية الأخرى إذ يلجأ النواب عادة إلى «تسييس القضايا» بدلاً من التعامل الموضوعي معها. القضية الثالثة: أثار حادث الانفجار النفطي كذلك مسألة الصراع بين التيارات السياسية التي ينتمي إليها النواب وأثرها على العمل السياسي وعلى المواقف التي يتخذها مجلس الأمة إزاء الحكومة وإزاء القضايا المهمة محل المناقشة. فمن ناحية اعتبر كثير من المراقبين أن جلسة مجلس الأمة عقب الحادث لم تكن إلا جلسة تصفية حسابات وتزاحم بين النواب على تسجيل المواقف «ورص صفوف بعضهم ضد بعض» بهدف الكسب السياسي. ومن ناحية أخرى رأى البعض أن أعضاء المجلس قد بنوا موقفهم تجاه الوزير د. عادل الصبيح خاصة ما يتعلق بمسألة استقالته وفقًا لاتجاهه السياسي، حيث دافعت الكتلة الإسلامية عن الوزير مطالبين بعدوله عن الاستقالة في حين كان موقفهم مختلفًا تمامًا عن ذاك إثر الحوادث السابقة في عهد وزير النفط السابق الشيخ سعود الناصر حين طالبوه بالتمسك باستقالته وتحمل مسئوليته السياسية و«عدم تحويل الاستقالة إلى مسرحية هزلية». لمواجهة الحوادث النفطية وضمان عدم تكرارها وما قد ترتبه من تداعيات سياسية قدم المحللون عددًا من التوصيات يمكن تقسيمها إلى شقين؛ الأول يتعلق بالناحية السياسية والنهج المفترض اتباعه من الجانبين الحكومة والمجلس لتحسين المناخ السياسي، الشق الثاني ويتعلق بالمسائل الفنية المرتبطة بأسباب حدوث الحوادث النفطية. الناحية السياسية والصناعية يمكن القول إن العامل الأساسي الكفيل بخلق مناخ سياسي أفضل بالدولة هو ابتعاد النواب عن التسييس، سواء تجاه بعضهم البعض بما يمثلونه من تيارات سياسية متواجدة ومتنافسة على الساحة الكويتية أو تجاه الحكومة وبرامجها التنموية بل قراراتها الفنية في كثير من الأحيان، وهنا نذكر مشروع تطوير الحقول الشمالية للنفط الذي وقف النواب بقوة ضده دون دراسة موضوعية، وهو ما أعاق بشكل ملحوظ جهود الحكومة لتطوير القطاع النفطي، وكما أشار أحد المحللين فإن هذا المشروع لو تم تنفيذه لاستطاعت الدولة تعويض خسائرها من الحادث الأخير بسهولة لا تتوفر لها الآن، وهنا يصبح على مجلس الأمة العبء الأساسي في تهدئة العلاقة بين السلطتين ومنح كل منهما الفرصة لوضع وتنفيذ برامجه الإصلاحية في مناخ من التعاون والجهد المشترك لخدمة الصالح العام. من ناحية أخرى تظل الحكومة معنية بمحاولة تشكيل أغلبية نيابية واعية ومساندة لمشاريعها التنموية، هذا فضلاً عن نهجها نهجًا أكثر جرأة في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته السياسية وممارسة حقها الأصيل في اختيار وتغيير الكفاءات الوطنية دون مراعاة لأي اعتبارات طائفية وقبلية وحزبية كما يشير بعض المراقبين. في هذا الإطار تثار الحاجة لتشكيل الحكومة لفريق لإدارة الأزمات من عدد من الخبراء والفنيين إضافة لسياسيين ومسئولين من كل التخصصات يعرف عنهم قدرتهم على التعامل مع الأحداث الطارئة في أي من القطاعات، وسواء كانت تلك الأحداث داخلية أو خارجية فالواقع يشهد على تشابك ما ترتبه الأحداث الطارئة أيا كان مصدرها من تداعيات ترتبط بكل قطاعات الدولة وتتطلب تضافر كل الجهود. فتشكيل مثل هذا الفريق من شأنه مساعدة الحكومة على الخروج بحلول غير تقليدية للمشكلات الطارئة كما يمكنها من التعامل بفعالية مع الأحداث بحيث لا تتهم خطواتها بالبطء أو بكونها مجرد رد فعل على الأحداث، على أن يتوافر لهذا الفريق المعلومات الكافية لدراسة ما يواجهه من قضايا فضلاً عن سلطة اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها. ومن أهم التوصيات التي قدمها المحللون في اطار تطوير القطاع النفطي ما يلي: انطلاقاً من الإجماع الحالي حول مسئولية الصيانة كعامل أساسي في حدوث الحوادث النفطية تنبع ضرورة اعتماد الحكومة لمعايير وإجراءات صارمة في مجالات الأمن والسلامة والصيانة، من خلال تحديث آليات الكشف المبكر وتوفير دوائر خاصة بالتفتيش الهندسي وتطوير نظام المختبرات في شركات القطاع النفطي. وهنا يؤكد أحد المسئولين السابقين بالقطاع أهمية الاستعانة بالشركات العالمية في مجال الصيانة، إذ تستطيع وفق إمكانياتها المتقدمة تعرّف مواطن الخلل في وقت مبكر والتعامل معها بكفاءة وفعالية. تطوير العامل البشري ثمة مطالبة واسعة من الخبراء الفنيين واللجان المتخصصة داخل مجلس الأمة للحكومة بوضع خطة طويلة المدى لا تقل عن عشرين عامًا لتطوير القطاع النفطي بكل منشآته ومجالاته بما يكفل الحفاظ على النفط كمورد رئيسي للدولة، على أن تتضمن هذه الخطة المشاريع الكبرى المراد تنفيذها وانعكاساتها من حيث أثرها على الإنفاق الاقتصادي والعمالة الوطنية التي يتنظر أن توفرها، من ناحية أخرى يتعين أن ترفق بالخطة الطويلة المدى خطط خمسية تفصيلية بحيث يمكن متابعة تنفيذها من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية. لتنفيذ مثل هذه الخطة وتطوير القطاع النفطي بوجه عام تنبع ضرورة توفير التمويل اللازم لتحديث المنشآت القائمة، فضلاً عن الحفاظ على المستوى الحالي من الطاقة الإنتاجية أو زيادتها لمواجهة الطلب المستقبلي. وهنا يقع على مجلس الأمة مسئولية توفير الأموال اللازمة من خلال اللجنة المالية والاقتصادية بالمجلس المنوط بها مناقشة الميزانية واعتمادها وإن كان بعض المحللين يرون أن وزير النفط قادر على تنفيذ ما يراه من مشاريع تنموية بالقطاع دون الالتزام بمبدأ «الأرخص هو الأفضل» توفيرًا للنفقات لأن ثمة قانونًا ينص على قيام وزير النفط بطرح المناقصات دون الرجوع إلى لجنة المناقصات المركزية فهو ليس ملزمًا بأقل الأسعار المقدمة مما يعطيه مرونة في التحرك نحو التطوير يجدر استغلالها لاختيار الأنسب دون الأرخص. فيما يتعلق بالحادث الأخير يرى قطاع واسع من المحللين ضرورة تفعيل أعمال اللجان الحالية للتحقيق بحيث يتميز أداؤها بالمكاشفة والمتابعة والجدية، فتعرض ما تقف عليه من حقائق للشارع الكويتي أولاً بأول وتتابع تنفيذ ما تقدمه من توصيات، فضلاً عن التأكد من محاسبة المقصرين والمتسببين في حادث الانفجار مع ضرورة أن تقوم وزارة النفط بربط ما تتوصل إليه اللجان الحالية بتقارير اللجان السابقة التي حققت في الحوادث النفطية الأخرى ومن أهمها تقرير الشركتين الأمريكية والكندية المتعلق بحادث مصفاة الأحمدي عام 2000، الذي كشف عن وجود مشاكل كبيرة على مستوى الصيانة وكفاءة العاملين. وأخيراً ثمة حاجة مهمة لتطوير العامل البشري في القطاع النفطي من خلال الاختيار الموضوعي للعاملين المهرة وذوي الخبرة، وكما أشار الوزير د. عادل الصبيح يتعين زيادة رواتب العاملين في القطاع النفطي بحيث ترقى إلى رواتب ومزايا باقي موظفي الدولة، فضلاً عن اختيار الكفاءات في هذا القطاع الحيوي «لأن وجود شخص واحد غير مدرب ومؤهل يمكن أن يسبب المشاكل ويؤدي إلى وقوع الحوادث النفطية»