بيان الاربعاء: انتهى قبل عدة أيام مؤتمر الحوار الإسلامي ـ الأوروبي الذي عقد على مدار يومين كاملين، وتحت شعار «الحضارة والتوافق»، وقد دعت الحكومة التركية لهذا المؤتمر لتبديد المخاوف الحقيقية، من أن يتحمل الإسلام نفسه بصورة أو بأخرى مسئولية الهجمات على الولايات المتحدة الأمريكية، وبغية لعب دور الجسر ما بين العالم الأوروبي والبلدان الإسلامية. وإذا ما كان مجرد انعقاد المؤتمر وفي دولة إسلامية يعتبر انجازا بحد ذاته، في ظل مناخ يسوده التوتر بفعل التعبئة المتواصلة في وسائل الإعلام الغربية، وخصوصا الأمريكية على الإسلام والعالم الإسلامي ما بعد أحداث 11 سبتمبر الماضي، فإن المشاركة الواسعة لسبعين بلدا، والرفيعة على مستوى وزراء خارجية لخمسين بلدا يمثلون دول الاتحاد الأوروبي، والدول الإسلامية، تعتبر مؤشرا على هذا الإنجاز الذي يمكن قراءته من زوايا أخرى أيضا. فلقد وجه المؤتمر ضربة قوية لنظريات هنتينجتون حول صدام الحضارات، والتي أعتبر بموجبها حتمية الصدام بين الغرب والإسلام (أساسا)، ثم بين الغرب وباقي الحضارات الأخرى. وبالعودة لكتاب هنتينجتون نجد أنه يقدم تفسيرا ساذجا لأسباب العداء ما بين الإسلام والحضارة الغربية، وهذا التفسير برأيه ناجم عن «انتماء الحضارة الغربية للديانة المسيحية»، وفي جانب آخر يتوصل لأسباب أخرى «منها علمانية الغرب وديمقراطيته، وعلميته». وحسنا إذ لم يقع المؤتمر في فخ الحوار اللاهوتي، والذي من شأنه كما قادت مؤتمرات عديدة سابقة وفي أحسن الأحوال، على تدبيج بيانات لفظية حول الاعتراف المتبادل وترسيخ قيم التسامح، والوئام الديني، بل إنه ركز على قضايا سياسية مباشرة تتصل بالواقع المعاش، والتطورات الدولية التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر الماضي. من هنا يتعين علي الدول الغنية ان تعمل مع الدول الأقل غنى لدعم فرص العدالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولمنع ظهور اجيال من المتشددين المحيطين وفيما التزم معظم المشاركين بموضوع المنتدى، والشعار الذي يعقد تحته، إلا أن عددا من المتحدثين أبرز ضرورة، وقف العنف الدائر في المنطقة. وحاول العديد من المتحدثين دفع المؤتمر لاتخاذ موقف يدين ممارسات إسرائيل العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني، إلا أن هذه المحاولات أحبطت من قبل الدولة المضيفة، والدول الأوروبية، بدعوى أن إسرائيل غير حاضرة للدفاع عن نفسها في حين رحل الموضوع إلى البيان الختامي الذي تضمن التأكيد على تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالصراع في المنطقة. غير أن العديد من الدول العربية والإسلامية كررت في كلمات رؤوساء وفودها الدعوة لدول الاتحاد الأوروبي، للمشاركة بدرجة أكبر في قضية الشرق الأوسط، ومحاولة اقناع الولايات المتحدة بوقف دعمها لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون، تجاه الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية. قضايا خلافية ومن القضايا الأخرى التي نوقشت أيضا باستفاضة في المؤتمر. إلا أنه لم يأت على ذكرها في البيان الختامي، وكانت مدار خلاف أيضا، تلك المتعلقة بالتهديدات الملحوظة وعلى نطاق واسع من جانب الولايات المتحدة للعراق، بشن هجمات عسكرية عليه، تستهدف الإطاحة برئيسه وبنظامه السياسي. بيد أن مضمون المؤتمر والذي تمت الدعوة على اساسه، وهي الحاجة إلى الحوار والتفاهم ما بين الحضارات، كان محور جميع الكلمات التي عبرت عنها الوفود المشاركة في المنتدى، إلا أن وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر، كان الوحيد الذي اشار إلى صعوبة ذلك خاصة بالنسبة للدول الإسلامية التي غالبا ما تتعارض قوانينها الدينية مع حقوق الإنسان في الدول الغربية، ووجه فيشر جملة من الأسئلة الهامة لإثارة النقاش حولها في المؤتمر تبرز هذا الطابع ومن أهمها: هل هناك استعداد لأي مناقشة جدية للتوترات والتناقضات التي تنجم عن التطبيق المتشدد للشريعة من جانب، والحقوق الأساسية للإنسان من جانب آخر؟ هل بإمكاننا التوصل إلى اتفاق إجماعي في الرأي حول حقوق المرأة؟ وهل هناك اتفاق واسع في الرأي على إدانة التبرير الديني للهجمات الاستشهادية بصورة واضحة لا غموض فيها. واعتبر إنه لا يمكن التملص من تلك الأسئلة إذا ما كان العالم راغبا في تجنب خلق أي خطوط تصدع سياسية وثقافية. قراءة في البيان الختامي لقد حاول البيان الختامي الصادر عن المنتدى، أن يجمل مناقشات يومين متواليين، ويجيب على العديد من الأسئلة المطروحة، سواء ما كان متصلا منها بالقضايا السياسية الراهنة، وتلك الأسئلة المعمقة، التي أشار إليها وزير الخارجية الألماني، وقد أبرز البيان الختامي بعض المقاربات على النحو التالي: شجب البيان الهجمات التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 في الولايات المتحدة، ووصفها بأنها عمل همجي، وقال إن تلك الهجمات أدت لظهور مضاعفات، مؤكدا أن تلك الأحداث توضح أهمية تعزيز التسامح والتفاهم بين مختلف الثقافات لمنع عودة ظهور مشاعر التحامل ضد الثقافات مجددا. كما أقر المنتدى أيضا خلال مداولاته الفعاليات والتوصيات والتقارير التي اصدرتها المنظمات العالمية، والإقليمية كالأمم المتحدة واليونسكو ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية، والمنتديات الأخرى، كمنتدى برشلونة والذي يشمل الأجندة الدولية بشأن الحضارات الذي تبنته الأمم المتحدة في 21 نوفمبر من عام 2001 والهادف لحماية وتحسين التراث المشترك للبشرية، والقيم المشتركة وتعزيز مباديء التسامح والحوار والتعاون داخل وبين مختلف الدول والشعوب. وقال البيان إنه تم خلال المداولات كذلك الاتفاق على تأكيد المنتدى لمسألة التنوع الثقافي والتي تعتبر مكملة ومعززة لتلك الثقافات مع بعضها البعض، كما يؤكد المنتدى ضرورة الحفاظ على الانسجام بين الحضارات. كما تم الاتفاق على أن أفضل السبل لدعم اللحمة والتضامن وتجنب التحاملات العرقية والدينية والثقافية، تتمثل في تحسين المعرفة المتبادلة عبر الاتصال والتعاون من أجل تعزيز القيم العالمية المشتركة كالتي نص عليها إعلان حقوق الإنسان. واضاف البيان أنه لتحقيق تلك الغاية التي سبق ذكرها فإن الاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي لديهما مسئولية مشتركة في الإسهام في تحقيق تلك الأهداف. وأكد البيان ايضا أن المنتدى وافق على عدم وجود أي مبررات للأعمال الإرهابية، لأي من الأسباب مؤكدا، على أن المسئولية مشتركة لمجابهة الإرهاب بكافة أنواعه واشكاله في إطار الأمم المتحدة ووفق ميثاقها وقراراتها. كما أقر المنتدى التزام منظمة المؤتمر الاسلامي والاتحاد الأوروبي بتحديد المشاكل التي تنبع عن التحاملات الثقافية والسياسية، والمظالم الاقتصادية وتطوير حلول يمكن أن تسهم في السلم والاستقرار والرفاه العالمي. وشدد البيان على أن المنتدى يؤكد من أجل السلام والاستقرار والتوافق، على ضرورة تسوية نزاع الشرق الأوسط. لقد بدا واضحا من البيان الختامي للمنتدى ان الهدف الذي من أجله عقد قد استوفى شروطه، وأوصل الرسالة التي هدف المؤتمر لإيصالها لجميع الأطراف المعنية، وإن الحوار على هذا المستوى السياسي وتحت هذا العنوان لا يعني أنه بديلا للحوار اللاهوتي القائم منذ سنوات، وإنه لكل منهم أهدافه وأغراضه، ووسائله وموضوعاته. وإذا ما اعتبر البيان الختامي عنوانا لمدى نجاح وفشل المؤتمر، فإن قضية ما أسسه هذا الحوار الذي أطلقه المنتدى، والذي اقترحته تركيا لاستضافته سنويا، ورفض الاتحاد الأوروبي للفكرة، ومحاولة الالتفاف على التملص الأوروبي، بالدعوة التي وجهها وزير الخارجية القطري، لاستضافة بلاده الاجتماع المقبل، بصفتها رئيسة الدورة الحالية لمنظمة المؤتمر الإسلامي.فإنه وبدون أدنى شك، وبعيدا عن التخوفات غير المفهومة والمبررة لبعض دول الاتحاد الأوروبي والخشية من مأسسه هذا الحوار وعلى هذا المستوى، فإنه ينبغي أن يتواصل حتى يمكن تقليص مجالات سوء الفهم، وإتاحة المزيد من الفرص لمعرفة حقيقة متبادلة ما بين الجانبين، أكثر شفافية وصراحة لترسم ملامح علاقة مستقبلية راسخة بما يحقق الأمن والاستقرار الدوليين.